العدو الكمين

غدوت يوما أبحث عن نفسي

طلبتها كل الكيان وما وجدتها

فقدتها قبضها منذ أزمان

ولم أبالي حتى بدأ يظلمني

كانت في سلطتي تعمل إطاعة

والآن تسودني وأنا مقبوض

إلا أنا لا أشاهدها أواجهها

قنطت من وجودها في أي مكان

وانصرفت خسرانا عادما

فها هو نداء أيا أسيرا جاهلا

ملتو أنا صرف الأنظار كل الأطراف

إلا ولم يمكن لي أين المنادي

أنا كمين فيك جوفك مستقر

فلا تكثر البحث عني لا تجدني

اضطربت من الكلام المخيف مثل الصرخ

عبد ذليل قد ملك سيده

ويحط بقدميه صدر المالك

ما أعجب الأمر أحوالا

قد صارت السيادة تحت الأسر

وما أصح قول قيل في الدهر

كم من أمير أسير تحت هوى

عدو خفي أشد من ظاهره

إذ لا ندركه وهو مدركنا

شرس هجم يروم كل من

يريد المحاسن في الحياة مزهقا

صياد ماهر قد جاد في الحيل

بكمنه المتميز الفريد المسحر

قوة تصرف الأجسام إلى المكاره

جذبية شديدة وقهر مريد

فلاح ينثر بذور العداوة والشنان

ونواة السامة حقدا وحسدا وغضبا

وكبرا ورياء وسوء الظن

سقاها يوما بيوم إلى كبرها

حتى نشأت وصارت غابات

فإذا نصب للعمل بعد الفراغ

فيا أيها الزميل المخدوع

أصلك مملوئ بمثلها العظيم

والإقلاع بلحظة لا يمكن القوى

فالأمر ضيق إلا إذا أتت ريح

تمرد وتقلع الجذور المشددا

إذا حاولت تبطش نفسك لحظة

وجدت تختفي وتهرب من القهر

فعليك باالمداهنة أولا

ثم تشدها كما شدتك خادعة

فتعرف ان الملك من أطلق جسمه

من أيدي النفس أنيابها

فإن غلبت منها فحسبك

توكل أمرها إلى الجبار الذي

حذر عن بطشه إنه لشديد

بطش علت قوته عن كلما ينقصه

مالك الملوك ذو الجلال والإكرام

آخذ بناصية المخلوقات كلها

فلا تقنط من الخير منه أبدا

تسبح في بحر النجاة والفرح

سليما من كل ملحمة ضجر

قد ضاقت بها الماهية أزمانا

أما قد أفقت الآن من الخطأ

فهمك أن نيل السرور بما

تبغي النفس قصدها هدمك

لكن تظنها ممدة لك كل المدد

وأنها صديقة صاحبة حبيبة بل

ظاهرها البهاء وباطنها العدوان

مكالمة هاتفية محفورة في الذاكرة: تأملات في أثر الفقد ورحلة الصبر

كنت في نوم عميق حين رنَّ الهاتف رنيناً اخترق هدوء الليل وسكونه، ففتحت عينيَّ بصعوبة، ومددت يدي إليه لأرى من ذا الذي يطلبنا في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولكن لم تكن الشاشة تُظهر اسماً، فأدركت للتوِّ أن المتصل ليس ممن حُفظت أرقامهم في ذاكرة الهاتف، لكنني أجبت ظناًّ مني أن أحداً لن يتصل في مثل هذه الساعة إلا لأمرٍ هامٍّ، رُبَّما يحمل خبراً عاجلاً لا يتحمل التأجيل إلى مطلع الفجر؛ وكانت الساعة حينها تقارب الثانية والنصف بعد منتصف الليل حسبما أتذكر.

على كل حال، ضغطت على أيقونة القبول وجِلةً، فإذا كان على الطرف الآخر أحد زملاء والدي، يطلبُ محادثته على الفورِ لنبأٍ عاجلٍ، موضِّحاً أنه حاولَ مراراً الاتصال به عبر رقمه الخاصِ دون جدوى، لذا اضطُر لمهاتفتنا على رقمِ المنزل، فأخبرتُه بأنه شدَّ الرحال إلى قريتنا لزيارةِ أبويه الكريمين (جدنا وجدتنا) بمناسبة عيد الأضحى، وأنَّ الشبكة هناك تحول دون التواصل الميسر؛ وسألتُه أن يُطلعني على الأمر لأوصِله إليه عبر هاتف جدتي. فوافق، وما إن أفضى بذلك الخبر حتى وجمتُ لثوانٍ، وتجمدتُ في مكاني لشدةِ المَصابِ وثقلِ الوقع، وتمنيتُ بشدةٍ لو كان ما سمعتُه محضَ كذبٍ. انقطع الاتصال، وكانت والدتي النائمةُ بجواري قد استيقظت على رنينِ الهاتف وما تبعه من حديث، فأخبرتُها بما تلقيتُ من نبأٍ عظيم، ولم يكن شعورها مختلفاً عما انتابني لأولِ وهلةٍ حين سماعِ ذلك الخبرِ المؤلم. 

فارق النوم أجفانَنا، وكيف لا يفارق! وهل يُرجى النوم وقد زُلزِلَ كيان أسرة كاملة من جذورها في لمحِ البصرِ إثرَ حادثة فاجعة بينما نهنأُ بالنومِ كأن لم يحدث شيء، والله لا يقدرُ على تجاوزِ هذا الموقفِ أيُ شخصٍ يحملُ في قلبهِ ذرةً من إيمان واحتساب؛ فالدين الذي يقول: “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهم مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائرُ الجَسِدِ بالسَّهرِ والحُمَّى” (رواه مسلم)، كيف يمكن لأتباعهِ أن يسمعوا بابتلاء أسرة منهم بهذا المصاب العظيم، ثم يمرُّوا مرورَ الكرامِ كأن لم يكن؟

استندتُ أنا وأمي في مخدعنا، وقد جافى النومُ أعيننا إثرَ ذلك الخبر الصادم؛ فراحت الذكريات تهرع إلينا، مستحضرةً تلك الأسرة العزيزة، وراجعةً بنا إلى وقت زيارتنا القصيرةِ لهم، التي لم تدم سوى بضع ساعات. كان ذلك حينما حططنا رحالنا في مدينة (حيدر آباد) في طريق عودتنا من جزر (أندمان ونيكوبار) إلى دلهي؛ فما إن وصله نبأ نزول زميله – والدي- في مدينته، حتى سارعَ بدعوته بغاية من المحبة والتقدير لزيارة منزله وتناول الغداء معه، ولم تكن دعوته مجردَ مجاملةٍ عابرة؛ إذ وصل في صباح اليوم التالي بسيارته إلى دار الضيافة لجامعة “إيفلو” جامعة اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية، حيث كنا نقيم، ليصحبنا إلى بيته.

وهناك، استقبلتنا أسرته بحفاوةٍ بالغة، واستضافتنا بأشهى الأطباق وألذِّ الأطعمة، وخاصة المأكولات التي تشتهر بها مدينة حيدرآباد؛ فقدَّموا لنا “البرياني الحيدرآبادي”، وطبق “باغارة بيغن”، وحلوى “لوكي كي كهير”، وغيرها من الأصناف التي جادت بها مائدتُهم،  وقضينا يوماً ماتعاً عند هذه الأسرة، نتجاذبُ أطراف الحديث معهم، لاسيَّما ابنة الدكتور “زينب” التي لم تكن قد تجاوزت العاشرة من عمرها آنذاك – حسبما أتذكر- مستمتعين بحديثها الطفولي العذبِ المليءِ بالعفوية، وفي المساء، استقللنا سيارته مرة أخرى ليقلَّنا بنفسه إلى مقر إقامتنا من حيث ذهب بنا صباحاً. وطوال الطريق، ذهاباً وإياباً كان هو ووالدي في المقعدين الأماميين، مستغرقين في تناول شؤون العلم والأدب بالبحث، ومناقشة واقع التدريس في جامعتيهما. ولا يفوتني أن أذكر بالمناسبة أن الدكتور (الفقيد) كان بدأ مسيرته المهنية بالتدريس في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة دلهي، قبل أن يتم تعيينه في جامعة مولانا آزاد الوطنية الأوردية حيث كان يشتغل أستاذاً للغة العربية في قسمها العربي إضافةً عن تولِّيه رئاسة القسم وقتئذٍ.

كلُّ شيءٍ بدأ يتراءى أمام أعيننا الآن: صوته، ضحكته، وكلماته التي كانت تقع في آذاننا، ونحن جالسون في المقاعد الخلفية. ورُحنا نفكر في مصير تلك الأسرة التي فقدت سندها وعمادها في هذه الحادثة الفاجعة؛ زوجةٌ كانت تعدُّ الأيام لعودة زوجها الحبيب، وأطفالٌ يترقبون رجوع أبيهم، سيستلمون الآن نعيَه! كيف سيقع هذا الخبرُ المؤلمُ على قلب زوجة فقدت شريك عمرها ورفيق دربها لتبقى وحيدةً في هذا العالم مع ثلاثة أطفال صغار، لا يبلغُ أكبرُهم العاشرة؟ وكيف سيتلقى الصغارُ هذا الخبرَ وهم أحوجُ ما يكونون إلى أبيهم؛ لينشأوا في ظلِّه الظليل، وينعموا برعايتهِ بعيداً عن مشاكل الحياةِ ومصاعبِها؟ هل سيستوعبون ثقل هذا الفقد ومرارة هذا الحرمان، وهم في مرحلة عمرية لا تسمح لهم بوعي هول المأساة؟ أولئك الأطفال الذين كانوا ينتظرون عودته بفارغ الصبر، ومعها ما أمَّلُوه عليه من الألعاب والحلوى والشوكولاته وما إلى ذلك، مَن ذا الذي يجرؤ، وكيف يجرؤ أن يخبرهم الآن أنَّ أباهم لن يعود أبداً؟ وأنهم لن يرتموا في حضنه الدافئ مرة أخرى، ولن يبثُّوه أمنياتهم البريئة أبداً؛ لأن أباهم الغالي قد رحل إلى عالمٍ لا يشبه عالمنا، ولم يمهله القدر حتى ليُسلمهم هداياهم التي اشتراها لهم استجابةً لطلباتهم الرقيقة.

هكذا كانت الأسئلة والأفكار والمشاعر تتزاحم وتتصارع في ذهنينا تجاهَ تلك الأسرةِ الغالية؛ وعلى جانب آخر، كان اليقين يُنبِّهنا أنَّ هذا هو القضاءُ والقدر، وسنةُ اللهِ – عز وجل- في كونه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].

وفي مِثلِ هذه الخطوب، ليس لنا إلا الصبرُ والاحتساب، وألا نقولَ إلا ما يُرضي ربَّنا، مهما بلغتِ الفواجعُ والمصائبُ التي تتقطعُ لها القلوبُ حزناً، وتنفجرُ منها العيونُ عَبَراتٍ.

على أية حال، وقعت تلك الفاجعة وألمَّ بالأسرةِ العزيزةِ ما ألمَّ بها، ثم مضت الأيام مخلِّفةً آثاراً غائرةً في نفوسهم وحياتهم؛ إذ تلك هي سُنّة الحياةِ التي لا يتوقفُ مَسيرُها لشيء. فما ماتَ أحدٌ لموتِ حبيبهِ وإن بدت له الحياةُ بعده مستحيلة، إذ لابدَّ للحيِّ أن يحيى رغم مَرارةِ الفقد. وهذا ما جرى مع تلك الأسرةِ أيضاً؛ إذ تألموا وتعثروا، ثم تجلدوا ونهضوا واستأنفوا المسير.

والآن، وقد مرّ على تلك الفاجعةِ زهاءَ اثني عشرَ عاماً (منذ عام 2014م)، ما زلتُ في كل عامٍ حين تُقبل ليلة عيد الأضحى – وهي ذاتُ الليلة التي تلقيتُ فيها ذلك الاتصال- يتجددُ في مسمعي الرنينُ المرعبُ لذلك الهاتف الذي اخترق سكونَ الليل، حاملاً في طياته خبراً وقعَ علينا كالصاعقة. حينها، أجدُني – عمداً أو دون عمدٍ – أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظات، وأتساءل في حرقة: كيف تلقت تلك الأسرةُ المكلومةُ الخبرَ في تلك الليلة؟ وما مدى الوجع الذي اعتصر قلوبهم لحظة وقوع تلك الكلمات الثقيلة في آذانهم؟ مَن الذي أخبرَ أولئك الأطفال الأبرياء وأوضح لهم أنَّ أباهُم غادرهم دون وداعٍ أو احتضانٍ أخير؟ وكيف تمكَّنت الأسرة من القيام باستكمال الإجراءات الرسمية التي تتطلَّبها الحوادث والفواجع التي تقع في غُربةٍ بعيدةٍ عن الأهلِ والوطن؟ وكيف استأنفوا حياتهم دون سندِهم وكتفِهم الذي كان يقيهم شدائدَ الدهر؟ وكيف واجهوا عواصفَ الحياة وزوابَعها التي تحملها مثل هذه الحوادث في طيَّاتها لأيةِ أسرةٍ؟ خاصةً إذا كان الأطفالُ في مقتبلِ أعمارِهم كما كان حالُهم آنذاك. أسئلة كثيرة تغزو ذهني قبل أن يغلبني النومُ في هذه الليلة، فلا أملكُ إلا أن تلهَج روحي بدعوات من أعماق قلبي بأن يكونوا في أحسن حال وأهنأ بال أينما كانوا؛ فالدعاءُ هو الرابطُ الأقوى، والصلةُ الأسمى، التي تجمعُ بيننا وبين مَن نُحبُّ ونرجو لهم الخير، حين تنقطعُ كافّةُ سُبل الوِصال المادية المتاحة فوق هذه المعمورة.

ملحمة الإسلام في الصين بين مجد الصحابة وجرح الإيغور

في تاريخ الأمم لحظاتٌ فارقة تعيد رسم خرائط الروح قبل الجغرافيا. ومن أغرب وأجمل تلك اللحظات، حين ركب الصحابة الكرام “سفن النجاة” ليقطعوا طريق الحرير البحري، لا طمعاً في ذهب الصين، بل رغبةً في إيصال كلمة الله إلى أقصى الأرض. ومن هنا نبدأ حكايةً بدأت بنور “التوحيد” وتمر اليوم بنفق “التهجين القسري”.

وهب بن أبي كبشة: السفير النبوي خلف البحار

بعد “صلح الحديبية”، انتقل المركز الإسلامي إلى مرحلة “الدبلوماسية العالمية”. وجه النبي ﷺ رسائله إلى ملوك الأرض، وكان من بينهم “ملك الصين”. انطلق الصحابي الجليل وهب بن أبي كبشة (رضي الله عنه)—وهو من أخوال النبي ﷺ من بني زهرة—في رحلةٍ أسطورية عبر المحيطات. لم يكن وهب مجرد داعية، بل كان “خبيراً في أخلاق الأمم”. دخل بلاد الصين، وبالتحديد مدينة “غوانزو” (كانتون)، حاملاً رسالةً بدأت بعبارة تهز الوجدان: “من محمد رسول الله إلى عظيم ملك الصين”. لقد تجلت في هذه الرسالة حكمة نبوية بالغة؛ حيث خاطب الملك بلقب “عظيم” تكريماً لمكانته، ودعاه بـ “كلمة سواء” لا إكراه فيها ولا قهر. ويروى أن الإمبراطور الصيني حينها (من أسرة تانغ) قد فُتن بزهادة الصحابة وأخلاقهم، واعتبر أن مبادئ الإسلام الأخلاقية تتقاطع في جوهرها مع فضائل “الكونفوشيوسية” في احترام النفس والمجتمع، فأذن ببناء “مسجد هوايشانغ” (مسجد الذكرى الشريفة)، الذي ما زالت مئذنته “نور المنارة” شاهدةً على أول لقاء رسمي بين الإسلام والصين في السنة السادسة للهجرة.

التبادل الحضاري: حين كان المسلمون “جسراً” للصين

لم ينتهِ الأمر عند وهب؛ بل تلاه وفدٌ مهيب في عهد الخليفة عثمان بن عفان برئاسة سعد بن أبي وقاص عام 31 هـ. كانت تلك البداية لتاريخ شريف من التعاون؛ حيث أصبح المسلمون هم “العصب التجاري” للصين، يربطونها بالعالم عبر التجارة والأخلاق. لم يكره المسلمون أحداً على الدين، بل دخل الصينيون في دين الله أفواجاً لما رأوا من صدق المعاملة، حتى أصبحت المدن الصينية تضج بحياةٍ اقتصادية وأخلاقية فريدة تحت حكم أسرة “تانغ”.

العصر الرقمي المرعب: “لا مفر” من الحقيقة

أما اليوم، فالصورة قد انقلبت رأساً على عقب. فالتاريخ الذي شهد بناء المساجد بأمر الأباطرة، يشهد اليوم هدمها بجرافات “الإبادة الثقافية”. في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان “لا مفر: القصة الحقيقية لإبادة الصين للإيغور”، ينقل لنا الكاتب الأمريكي من أصل إيغوري “نوري تركل” صرخةً من قلب الظلام. يوثق الكتاب كيف تحولت الصين من “واحة تجارية” إلى “مختبر مراقبة” عالمي. المسلمون في “تركستان الشرقية” اليوم لا يواجهون السجون التقليدية فحسب، بل يواجهون “سجون الخوارزميات”. تقنيات الذكاء الاصطناعي تراقب ملامح وجوههم؛ فمن يظهر عليه مسحة حزن أو يرتل آية في سره، تلتقطه الكاميرات. تم تثبيت أنظمة مراقبة إجبارية على الهواتف، ومن وُجد في هاتفه “كلمات إسلامية” أو “دعاء” كان مصيره الاعتقال.

انتهاك “قدسية البيت” ومسخ الهوية:

المأساة لم تتوقف عند عتبة البيت، بل دخلت في مخدع النوم. تفرض الحكومة نظام “التوأمة القسرية”، حيث يُجبر موظفون حكوميون على العيش داخل بيوت المسلمين الإيغور لمراقبة صلواتهم وطعامهم، بل وتجريدهم من خصوصيتهم النفسية. وفي مراكز الاعتقال (التي تسمى كذباً مراكز إعادة التأهيل)، يُجبر المسلمون على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لـ “غسل أدمغتهم” من الهوية الإسلامية، ويتم تعقيم النساء قسراً في واحدة من أبشع جرائم التطهير العرقي في العصر الحديث. لقد مات الصحابي وهب بن أبي كبشة في أرض الصين، وترك فيها مسجداً كان رمزاً للتعايش والدبلوماسية الراقية. واليوم، ونحن نقرأ التاريخ الصيني الحالي بدموع الهموم، نتساءل: أين غابت تلك الحكمة البليغة التي استقبل بها الأباطرة الأوائل رسائل النبي ﷺ؟

إن إرث وهب وسعد بن أبي وقاص لن يمحوه “الذكاء الاصطناعي” ولا “التعذيب الممنهج”. فالإسلام الذي دخل الصين بكلمة “عظيم”، سيبقى عظيماً في قلوب المؤمنين، وستظل قصص الصمود في “تركستان” فصلاً جديداً من فصول ملحمةٍ بدأت بسفينةٍ صغيرة في جيانغسو، ولن تنتهي حتى يُحق الله الحق بكلماته.      

مَرْفَأُ الانْعِتَاق

أَغْـفِي عَلَـى كَـتِفِي كَيْ تُلْـجِمِي الْوَجَـعَا

مُـذْ غَـابَ وَجْـهُكِ هَـذَا الْقَلْبُ مَا هَجَعَا

أَغْــفِـي.. لَــعَـلَّ وَرَاءَ الْـجَـفْـنِ مُـنْـتَبَذًا

يَــأْوِي إِلَـيْـهِ شَـتَـاتٌ مِـنْـكِ قَــدْ جُـمِعَا

أَسْـنَـدْتِ رَأْسًــا كَــأَنَّ الْأُفْــقَ مَـحْـمَلُهُ

لَـوْ نَــامَ فَــوْقَ مَـتِينِ الـصَّخْرِ لَانْـصَدَعَا

لَـوْ يَـرْتَدِي الْـفَجْرُ مِـنْ عِطْرِ اللِّقَاءِ رُؤىً

لَـظَـلَّ يَـلْـهَثُ خَلْـفَ الـرِّيـحِ مَـا رَجَـعَا

إِنِّـي أُهَـنْدِسُ هَـذَا الْــوَقْتَ فِـي لُـغَتِـي

جِسْرًا مِنَ الـضَّوْءِ.. فَوْقَ الْغَيْمِ قَـدْ وُضِعَا

فِــي صَـمْـتِ عَـيْـنَيْكِ أَسْــرَارٌ أُطَــالِعُهَا

كَـأَنَّـهَا الْـفَـجْرُ فِــي وِجْـدَانِـيَ انْـطَـبَعَا

مَــا كَــانَ صَـمْـتُكِ إِلَّا مَـحْـضَ مُـعْـجِزَةٍ

صَـاغَتْ مِـنَ الـلُّغَةِ الْـخَرْسَاءِ مَـا نَـصَعَا

مَـــا  عَـادَ لِــلَّـيْـلِ أَنْــيَــابٌ تُــؤَرِّقُـنَـا

وَلَا لِـمُـرِّ الْأَسَــى فِــي الـرُّوحِ مُـتَّسَعَا

هَـيَّـا لِـنَـمْضِي وَضَـوْءُ الـصُّـبْحِ يَـتْـبَعُنَا

كَـكَوْكَبٍ بَـعْدَ دَاجِـي الـلَّيْلِ قَـدْ سَطَعَا

وَنَــزْرَعُ  الْـــوُدَّ فِـــي بَـاحَـاتِـنَا أَمَـــلًا

كَـــيْ نَــطْـوِيَ الْـهَـمَّ وَالْآلَامَ وَالْـجَـزَعَا

لَا تَـسْـأَلِي الـدَّرْبَ عَـنْ ذِكْـرَى تُـخَلِّدُنَا

فَـالدَّرْبُ يَنْسَى خُطَى مَنْ لِلْهَوَى اتَّبَعَا

حَــسْـبُ الْـقُـلُـوبِ بِـــأَنَّ اللهَ يَـجْـمَـعُنَا

وَيَـمْـنَـحُ الـــرُّوحَ وَصْـــلًا كَــانَ مُـمْـتَنَعَا

المقامة المهرجانية

روى محمدُ عرفانَ بنُ عبدِ الرشيدِ قال:

كنتُ في ليلةٍ فتيةِ الشباب، غَدافيةِ الإهاب، داجيةِ السحاب،

والبرقُ فيها يميضُ وميضَ الحسام،

والمطرُ يهطلُ هطولَ الكرام،

إذ افتُتح مهرجانُ الفنون باسمِ الله الرحمن الرحيم،

ابتداءً لامعًا، وافتتاحًا جامعًا، كافيًا شافيًا،

على منصةٍ ركيبة، وهيئةٍ بهيجة،

قد روعيت فيها الأحكام، وصينت الفتاوى،

فاجتمع الفرحُ والمرح، وتعانق السرورُ والبهج.

وانقسم القومُ إلى ثلاث فرقٍ مشهورة:

سيادةٌ رائعة، وكرامةٌ كريمة، وعدالةٌ مستقيمة،

فأُعلنت الإعلانات، وانقضت الاستعدادات،

حتى مال الطلابُ إلى المنام، ولانت القلوبُ بعد الخصام،

وباحت الأحلامُ بما كتمته الأيام.

وبينما القومُ على ذلك،

إذ لاح لي فتىً لبيب، وذهنٌ أريب،

خفيفُ الروح، فصيحُ الجناح،

يقال له ابنُ الذكاءِ المهرجاني،

لا يُدرك المقاصدَ إلا سبقًا، ولا يطلب المعالي إلا عرقًا.

فجمع الطلابَ، وحضّهم على الاجتهاد،

وصرفهم عن البطالة والرقاد،

فتركوا الملالة والمنامة،

وقلّلوا الطعام والشراب،

وسهروا الليالي طلبًا للمعالي.

فلما ابتدأت البرامج،

توارت بعضُ الأماني، واضمحلت بعضُ التهاني،

غير أنّ العزائم لم تَهِن، والهمم لم تَلِن،

ففيهم من عبس وتقطّب،

وفيهم من سرّ وهشّ وبشّ،

وقد رفرفت على ثغره الابتسامة،

والسادةُ من فوقهم يمدّون الدعم الخالص الصرف،

لا يمنّون ولا يُضعفون العزم.

ومرّت الأيام كالأحلام،

وانقضت الليالي كالأعراس،

وامتلأت الكلية قرآنًا وبيانًا،

وتكلم الحكّام بالحكمة ميزانًا وميزانًا،

حتى درج الطلاب أعلى الدرجات،

وصار المهرجان مرجانًا،

ونقَت قلوبُ الحكّام تقوى وصفاءً وإحسانًا.

ثم أتى يومُ النتائج،

فصار النهارُ ليلًا من طول الانتظار،

وترقّبت القلوبُ قبل الأبصار،

فأُعلنت النتيجة إعلانَ القضاء،

فنال فريقُ السيادة السعادة،

وعدل فريقُ العدالة عن مقصدهم وشكوا وبكوا،

ونالت الكرامة بكرامة الله المركزَ الثاني.

فعلمتُ يومئذٍ أن المجدَ لا يُهدى،

وأن المعالي لا تُعطى لمن رقد وغفا،

وإنما تُنال بسهر العيون، وتعب الجفون،

كما قال الشاعر:

ومن طلب العُلا سهر الليالي

وخلّى النومَ غوصًا في اللآلئ

            

أبي الذي أكره

وربما لم أكن أكره؛ لكن…أكتب إليك بمشاعر متضاربة من زاوية ما في هذا العالم الممتلئ بنفس ما أشعر به أنا وما تمر به أنت؛ ولا أعلم إن كنت حيّاً أو ميتاً، ولكن…إن كنت ميتاً معاذ الله أن أتهم الموت بأنه سرقك مني، فلم يحنِ ظهري سوى تخليك عني وتركك لي في منتصف الطريق وحدي.

أكتب ولا أدري من أنت ولا من أنا وكيف لي أن أعرف، لكن…رائحتك المعلقة في تلك المنشفة وهذه الوسادة التي أضع عليها رأسي كي ترتاح قليلاً تذكرني بك في كل دقيقة، تخيل ما زلت أتذكر رائحتك، كيف أصبحت أنت هكذا!؟ وكيف تباعدت المسافة بيننا إلى هذا الحد؟ كلما رأيت طفلاً يلهو ويلعب مع أبيه وأتذكر كيف قضيت طفولتي وحدي لم أستطع مسامحتك، أتذكر كيف كانت لهفتي عليك وفرحتي التي كانت تفرش أرجاء المنزل حينما تعود من العمل وأنا أتراقص وأصفق بتلك الكلمة المعهودة بابا جه بابا جه أتذكر نفسي حينها!! وأتساءل كيف هان عليه هجري أنا وأمي؟ وكيف فعل ذلك بأختي؟ لماذا جعلها تتجرع أول أنواع الخذلان وأشدها قسوة؟ كيف له أن يترك ظهري عارياً هكذا ويكسرني؟ نعم ورغم أنني رجل ولكن يظل الأب هو ذلك الجدار الحصين الذي نستند عليه ونعلم بأنه لن يميل، بعثرني الحنين والاشتياق لحضنك؛ ولكن…ما زلت أتماسك وأتمنى أن لا أكون لولدي ذلك الأب الذي يكره؛ وأظن أنك يوماً تمنيت أن لا تكون ذلك الأب ولكنك لم تنجح في ذلك، ولكن….هذا النوع من الجرح لا يشفيه ألف اعتذار، عذراً يا أبي إن كنت تستطيع أن تعيد لي سنين حرماني حينها سوف أتقبل أعذارك.