“هذا فراق بيْني وبينك”…  زاد الأب لابنته وقت الوداع

في زمن قريب بعيد، كانت ثَمَّةَ لحظة دافئة شهدها مدخل سكن إحدى المدارس الأهلية الخاصة بالبنات حين قصدها أبٌ يصحب ابنته الَّتِي لم تَكَدْ تتجاوز ربيعها الرابع عشر، ليُلحقها بها تباشر مسيرتها التعليمية الرسمية؛ والذي كان يجري إلى الآن في كنفه وتحت إشرافه في المنزل، ولإضفاء طابع الرسمية على ذلك التعليم المنزلي بشهادات ودرجات معتمدة عن إحدى المؤسسات التعليمية، وقع اختياره على هذه المدرسة الشهيرة التي يقفان في ردهتها الآن.

قدِم كلاهما إلى هنا قبل أسبوعٍ؛ لتحضر البنت امتحان القبول والتسجيل، الذي سيحدِّد مصيرها من الالتحاق بالمدرسة أو عدمه، وحين ظهرت النتيجة كانت في صدارة الناجحين، وكيف لا تكون والأبُ لم يألُ جهداً في تدريسها وتحفيظها كل ما يتطلبه الاستعدادُ، بل وزاد عليه بكثير!، ولا تسأل عن مدى فرحته بنجاحها؛ إذ أسرع بها نحو لوحة النتائج لترى ثمرة جِدِّها بأمِّ عينيها. ويا لَشِدَّة ذهولِها حين وقع نظرُها على قائمة المتقدمات لامتحان السنة الثانية من برنامج العالمية (عالميت)؛ لتكتشف أنها الوحيدة التي اجتازت الامتحان من بين أربع طالبات جلسن للمنافسة.

وبعدئذٍ، مضى الأب يستكمل إجراءات التسجيل، ويشترى ما تنقص ابنته من أساسياتٍ عرف حاجتها من خلال الحديث مع الآباء وأولياء الأمور الذين جاؤوا إلى المدرسة مع فلذات أكبادهم وعائلاتهم من مختلف أنحاء البلاد، على الرغم من أنَّه كان قد اشترى لها جميع الأساسيات المذكورة في دستور العمل الخاص بالمدرسة قبل مجيئهما إلى هُنا. وهكذا انطوت الأيام الستة سريعةً، ليحلَّ اليومُ السابع الأخير؛ يومُ الفراق والوداع. فها هما الآن يجلسان متجاورين في القاعة المخصصة للقاء الطالبات بأهاليهن؛ الأبُ يزوِّدها بنصائحه الغالية، وهي تُصغي إليه في صمتٍ واهتمامٍ، فرغ من حديثه ونهض، فنهضتْ معه، ليقفا وجهاً لوجهٍ عند الباب الخارجي للسكن. هناك، كانت ساعة الفراق تتقدم نحوهما بخطى حثيثة؛ ساعةٌ ستحلُّ بينهما وتحجبُ أحدهما عن عين الآخر لأسابيع بل لشهور، لن يجمعهما خلالها لقاء أو نظرة، وسيغدو الرابط الوحيد بينهما هو رنين الهاتف، وذلك أيضاً في أيام ومواقيت محددة؛ إذ تنصُّ لوائح المدرسة على ألا يَتَمَكَّنَ الآباء وأولياء الأمور من الاتصال بِهِنَّ إلا مرةً واحدةً كل أسبوعين ما بين العصر والمغرب إلا إذا كان هناك خبر مهم وعاجل لا يتحمل التأجيل؛ فهذا هو دستورُ السكن الصارم وضابطُ لوائحه.

 وبالفعل، حانت اللحظة الحاسمة، ووقفت حائلةً بينهما؛ الأبُ على وشك المغادرة ليعود وحيداً من حيث أَتَيَا، والبنت ستمكث هنا لتُواصل دراستها. كانت جاهدةً تكتم عبراتها، وتَتَجَلَّدُ كيلا تخونها الدموع في هذا الموقف الصعب، وأحسَّ الأب بمشاعرها الجَيَّاشَةِ في صدرها؛ وكيف لا يحسُّ وهو أبوها، يجري في عروقهما دم واحد! فَرَبَّتَ على كتفيها، ونطق بكلماتٍ مشحونةٍ بالتحفيز والتشجيع لتستمر في مُثَابَرَتِها في طريق العلم، رغم أنه بَيَّنَ لها ذلك مراراً طوال الأيام الماضية الستة، ثم التفتَ نحو الباب خطوةً، وتلا الآية التالية بهدوء ورزانة: قال هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا” (الكهف: 78)، وألقى سلام الوداع واعداً بزيارة قريبة، ثم مَضَى مُسرعاً دون أن يلتفت للوراء؛ ربما خشية أن تقع عيناه على وجهها الشاحب، فتثقُل عليه خطى الرحيل.

أما هي، فَبَقِيَتْ شاخصةً كالَّتمثال بلا حراك، مُطْرِقةً رأسها لثوانٍ في ذُهُولٍ لم تعدْ تعي معه ما يدور حولها. ثم أفاقتْ، وسارتْ بخطى ثقيلة نحو المبنى السكنيِّ؛ حيث تقع غرف الطالبات اللواتي وَفَدْنَ من شتَّى ولايات البلاد، من كشمير إلى بنغال الغربية، صعدتْ إلى الطابق الأول المعروف بـ “قاعة السيدة عائشة رضي الله عنها” فدخلتْ الغرفة رقم 48، وجلستْ على سريرها، وهو الأول من جهة اليمين في تلك الغرفة التي تَسَعُ اثني عشر سريراً، وانهمكتْ فوراً في ترتيب أشيائها، وتنظيم كتبها ودفاترها وأقلامها ومدادها، وتجاذُبِ أطراف الحديث مع زميلاتها، كأنْ لَم يحدُثْ قبل قليل شيءٌ ذو بال! كأنَّها لم تودِّع قبل قليل أباها لتبقى وحيدةً في مكان غير مألوف لا تأنس إليه ولا يأنس إليها، وكأنَّها لم تفارِقْ بيتاً دافئاً وعائلةً حنونةً كانت تعيش بينهم حُرَّةً طليقةً؛ لتعيش منذ اليوم ملتزمةً بلوائح السكن الصارمة، وتحت رقابة المشرفات اللواتي سيتابعنها الآن على مدار الساعة، ويُسرعن إلى توبيخها وتأنيبها حالما صدر عنها أيُّ إهمال، أو كأنَّها رضيتْ بكل ذلك عن طيب خاطرٍ، لأنها أدركتْ – في أعماقها- أن هذا الفراق، وإن كان ظاهره الألم والحرمان والشعور بالغربة والحنين إلى الأهل والأسرة، إلا أنه يحمل في طيَّاته أسمى المعاني وأشرف الغايات؛ الغاية ذاتها التي تواترت في فضلها الأحاديث الشريفة التي مفادها أنه مَنْ خرج في طلب العلم كان فِي سبيل الله حَتَّى يرجعَ، وأنَّ طالب العلم تستغفر له حيتانُ البحر.

طفلي

عجبي لطفلي الذي دلّلته كثيرًا وهو صغير. كان يطلب كأس الماء فأناوله له وأنا سعيدة، وكان يثرثر بالساعات وكنت أستمع إليه دون تذمّر أو تأفّف. كنت أستقطع من راحتي لأجل راحته، ولكي يزدهر ويصبح أفضل إنسان. وبعدما أصبح كما تمنّيت، نسي عطائي وحرماني وتضحياتي، نسي كيف كان طرف عباءتي هو أمانه واطمئنانه، وأبلغني بعدما مسّ الشيب رأسي: ماذا كنتِ تقدّمين لي أو تفعلين من أجلي؟ جميع الأمهات يفعلن مثلما كنتِ تفعلين.

صدقًا يا صغيري، جميع الأمهات يفعلن ما كنت أفعله، لكن لن يقدّر ما كنّا نقدّمه سوى المحرومين من عطائهنّ اللامحدود.

ولم ينتهِ نكرانه لما أعطيته له إلى هذا الحد، حتى إنه حينما هرمت وضعفت، اختلجني ضيق الوقت، كنت لا أريده أن يردّ لي ما قدّمته له في صغره، فهذا كان من فيض محبتي له، ولم أكن أريد مقابلًا لذلك. كنت أودّ فقط أن أراه؛ فكان قلبي يشتاق إلى رؤيته كي يطمئن أنه بخير وسعيد في حياته.

ما تقدّمه الأمهات لا يُقدّر بثمن، ومهما أنفقت من وقتك ومالك عليها فلن تعوّضها عمرها الذي أفنته عليك. هي في هرمها تحتاج إلى وقتك وإلى أذنيك أكثر من مالك، فلا تكن بخيلًا معها، وتذكّر أن ما تقدّمه لها اليوم سيعود إليك غدًا.

مكالمة هاتفية محفورة في الذاكرة: تأملات في أثر الفقد ورحلة الصبر

كنت في نوم عميق حين رنَّ الهاتف رنيناً اخترق هدوء الليل وسكونه، ففتحت عينيَّ بصعوبة، ومددت يدي إليه لأرى من ذا الذي يطلبنا في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولكن لم تكن الشاشة تُظهر اسماً، فأدركت للتوِّ أن المتصل ليس ممن حُفظت أرقامهم في ذاكرة الهاتف، لكنني أجبت ظناًّ مني أن أحداً لن يتصل في مثل هذه الساعة إلا لأمرٍ هامٍّ، رُبَّما يحمل خبراً عاجلاً لا يتحمل التأجيل إلى مطلع الفجر؛ وكانت الساعة حينها تقارب الثانية والنصف بعد منتصف الليل حسبما أتذكر.

على كل حال، ضغطت على أيقونة القبول وجِلةً، فإذا كان على الطرف الآخر أحد زملاء والدي، يطلبُ محادثته على الفورِ لنبأٍ عاجلٍ، موضِّحاً أنه حاولَ مراراً الاتصال به عبر رقمه الخاصِ دون جدوى، لذا اضطُر لمهاتفتنا على رقمِ المنزل، فأخبرتُه بأنه شدَّ الرحال إلى قريتنا لزيارةِ أبويه الكريمين (جدنا وجدتنا) بمناسبة عيد الأضحى، وأنَّ الشبكة هناك تحول دون التواصل الميسر؛ وسألتُه أن يُطلعني على الأمر لأوصِله إليه عبر هاتف جدتي. فوافق، وما إن أفضى بذلك الخبر حتى وجمتُ لثوانٍ، وتجمدتُ في مكاني لشدةِ المَصابِ وثقلِ الوقع، وتمنيتُ بشدةٍ لو كان ما سمعتُه محضَ كذبٍ. انقطع الاتصال، وكانت والدتي النائمةُ بجواري قد استيقظت على رنينِ الهاتف وما تبعه من حديث، فأخبرتُها بما تلقيتُ من نبأٍ عظيم، ولم يكن شعورها مختلفاً عما انتابني لأولِ وهلةٍ حين سماعِ ذلك الخبرِ المؤلم. 

فارق النوم أجفانَنا، وكيف لا يفارق! وهل يُرجى النوم وقد زُلزِلَ كيان أسرة كاملة من جذورها في لمحِ البصرِ إثرَ حادثة فاجعة بينما نهنأُ بالنومِ كأن لم يحدث شيء، والله لا يقدرُ على تجاوزِ هذا الموقفِ أيُ شخصٍ يحملُ في قلبهِ ذرةً من إيمان واحتساب؛ فالدين الذي يقول: “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهم مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائرُ الجَسِدِ بالسَّهرِ والحُمَّى” (رواه مسلم)، كيف يمكن لأتباعهِ أن يسمعوا بابتلاء أسرة منهم بهذا المصاب العظيم، ثم يمرُّوا مرورَ الكرامِ كأن لم يكن؟

استندتُ أنا وأمي في مخدعنا، وقد جافى النومُ أعيننا إثرَ ذلك الخبر الصادم؛ فراحت الذكريات تهرع إلينا، مستحضرةً تلك الأسرة العزيزة، وراجعةً بنا إلى وقت زيارتنا القصيرةِ لهم، التي لم تدم سوى بضع ساعات. كان ذلك حينما حططنا رحالنا في مدينة (حيدر آباد) في طريق عودتنا من جزر (أندمان ونيكوبار) إلى دلهي؛ فما إن وصله نبأ نزول زميله – والدي- في مدينته، حتى سارعَ بدعوته بغاية من المحبة والتقدير لزيارة منزله وتناول الغداء معه، ولم تكن دعوته مجردَ مجاملةٍ عابرة؛ إذ وصل في صباح اليوم التالي بسيارته إلى دار الضيافة لجامعة “إيفلو” جامعة اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية، حيث كنا نقيم، ليصحبنا إلى بيته.

وهناك، استقبلتنا أسرته بحفاوةٍ بالغة، واستضافتنا بأشهى الأطباق وألذِّ الأطعمة، وخاصة المأكولات التي تشتهر بها مدينة حيدرآباد؛ فقدَّموا لنا “البرياني الحيدرآبادي”، وطبق “باغارة بيغن”، وحلوى “لوكي كي كهير”، وغيرها من الأصناف التي جادت بها مائدتُهم،  وقضينا يوماً ماتعاً عند هذه الأسرة، نتجاذبُ أطراف الحديث معهم، لاسيَّما ابنة الدكتور “زينب” التي لم تكن قد تجاوزت العاشرة من عمرها آنذاك – حسبما أتذكر- مستمتعين بحديثها الطفولي العذبِ المليءِ بالعفوية، وفي المساء، استقللنا سيارته مرة أخرى ليقلَّنا بنفسه إلى مقر إقامتنا من حيث ذهب بنا صباحاً. وطوال الطريق، ذهاباً وإياباً كان هو ووالدي في المقعدين الأماميين، مستغرقين في تناول شؤون العلم والأدب بالبحث، ومناقشة واقع التدريس في جامعتيهما. ولا يفوتني أن أذكر بالمناسبة أن الدكتور (الفقيد) كان بدأ مسيرته المهنية بالتدريس في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة دلهي، قبل أن يتم تعيينه في جامعة مولانا آزاد الوطنية الأوردية حيث كان يشتغل أستاذاً للغة العربية في قسمها العربي إضافةً عن تولِّيه رئاسة القسم وقتئذٍ.

كلُّ شيءٍ بدأ يتراءى أمام أعيننا الآن: صوته، ضحكته، وكلماته التي كانت تقع في آذاننا، ونحن جالسون في المقاعد الخلفية. ورُحنا نفكر في مصير تلك الأسرة التي فقدت سندها وعمادها في هذه الحادثة الفاجعة؛ زوجةٌ كانت تعدُّ الأيام لعودة زوجها الحبيب، وأطفالٌ يترقبون رجوع أبيهم، سيستلمون الآن نعيَه! كيف سيقع هذا الخبرُ المؤلمُ على قلب زوجة فقدت شريك عمرها ورفيق دربها لتبقى وحيدةً في هذا العالم مع ثلاثة أطفال صغار، لا يبلغُ أكبرُهم العاشرة؟ وكيف سيتلقى الصغارُ هذا الخبرَ وهم أحوجُ ما يكونون إلى أبيهم؛ لينشأوا في ظلِّه الظليل، وينعموا برعايتهِ بعيداً عن مشاكل الحياةِ ومصاعبِها؟ هل سيستوعبون ثقل هذا الفقد ومرارة هذا الحرمان، وهم في مرحلة عمرية لا تسمح لهم بوعي هول المأساة؟ أولئك الأطفال الذين كانوا ينتظرون عودته بفارغ الصبر، ومعها ما أمَّلُوه عليه من الألعاب والحلوى والشوكولاته وما إلى ذلك، مَن ذا الذي يجرؤ، وكيف يجرؤ أن يخبرهم الآن أنَّ أباهم لن يعود أبداً؟ وأنهم لن يرتموا في حضنه الدافئ مرة أخرى، ولن يبثُّوه أمنياتهم البريئة أبداً؛ لأن أباهم الغالي قد رحل إلى عالمٍ لا يشبه عالمنا، ولم يمهله القدر حتى ليُسلمهم هداياهم التي اشتراها لهم استجابةً لطلباتهم الرقيقة.

هكذا كانت الأسئلة والأفكار والمشاعر تتزاحم وتتصارع في ذهنينا تجاهَ تلك الأسرةِ الغالية؛ وعلى جانب آخر، كان اليقين يُنبِّهنا أنَّ هذا هو القضاءُ والقدر، وسنةُ اللهِ – عز وجل- في كونه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].

وفي مِثلِ هذه الخطوب، ليس لنا إلا الصبرُ والاحتساب، وألا نقولَ إلا ما يُرضي ربَّنا، مهما بلغتِ الفواجعُ والمصائبُ التي تتقطعُ لها القلوبُ حزناً، وتنفجرُ منها العيونُ عَبَراتٍ.

على أية حال، وقعت تلك الفاجعة وألمَّ بالأسرةِ العزيزةِ ما ألمَّ بها، ثم مضت الأيام مخلِّفةً آثاراً غائرةً في نفوسهم وحياتهم؛ إذ تلك هي سُنّة الحياةِ التي لا يتوقفُ مَسيرُها لشيء. فما ماتَ أحدٌ لموتِ حبيبهِ وإن بدت له الحياةُ بعده مستحيلة، إذ لابدَّ للحيِّ أن يحيى رغم مَرارةِ الفقد. وهذا ما جرى مع تلك الأسرةِ أيضاً؛ إذ تألموا وتعثروا، ثم تجلدوا ونهضوا واستأنفوا المسير.

والآن، وقد مرّ على تلك الفاجعةِ زهاءَ اثني عشرَ عاماً (منذ عام 2014م)، ما زلتُ في كل عامٍ حين تُقبل ليلة عيد الأضحى – وهي ذاتُ الليلة التي تلقيتُ فيها ذلك الاتصال- يتجددُ في مسمعي الرنينُ المرعبُ لذلك الهاتف الذي اخترق سكونَ الليل، حاملاً في طياته خبراً وقعَ علينا كالصاعقة. حينها، أجدُني – عمداً أو دون عمدٍ – أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظات، وأتساءل في حرقة: كيف تلقت تلك الأسرةُ المكلومةُ الخبرَ في تلك الليلة؟ وما مدى الوجع الذي اعتصر قلوبهم لحظة وقوع تلك الكلمات الثقيلة في آذانهم؟ مَن الذي أخبرَ أولئك الأطفال الأبرياء وأوضح لهم أنَّ أباهُم غادرهم دون وداعٍ أو احتضانٍ أخير؟ وكيف تمكَّنت الأسرة من القيام باستكمال الإجراءات الرسمية التي تتطلَّبها الحوادث والفواجع التي تقع في غُربةٍ بعيدةٍ عن الأهلِ والوطن؟ وكيف استأنفوا حياتهم دون سندِهم وكتفِهم الذي كان يقيهم شدائدَ الدهر؟ وكيف واجهوا عواصفَ الحياة وزوابَعها التي تحملها مثل هذه الحوادث في طيَّاتها لأيةِ أسرةٍ؟ خاصةً إذا كان الأطفالُ في مقتبلِ أعمارِهم كما كان حالُهم آنذاك. أسئلة كثيرة تغزو ذهني قبل أن يغلبني النومُ في هذه الليلة، فلا أملكُ إلا أن تلهَج روحي بدعوات من أعماق قلبي بأن يكونوا في أحسن حال وأهنأ بال أينما كانوا؛ فالدعاءُ هو الرابطُ الأقوى، والصلةُ الأسمى، التي تجمعُ بيننا وبين مَن نُحبُّ ونرجو لهم الخير، حين تنقطعُ كافّةُ سُبل الوِصال المادية المتاحة فوق هذه المعمورة.

أبي الذي أكره

وربما لم أكن أكره؛ لكن…أكتب إليك بمشاعر متضاربة من زاوية ما في هذا العالم الممتلئ بنفس ما أشعر به أنا وما تمر به أنت؛ ولا أعلم إن كنت حيّاً أو ميتاً، ولكن…إن كنت ميتاً معاذ الله أن أتهم الموت بأنه سرقك مني، فلم يحنِ ظهري سوى تخليك عني وتركك لي في منتصف الطريق وحدي.

أكتب ولا أدري من أنت ولا من أنا وكيف لي أن أعرف، لكن…رائحتك المعلقة في تلك المنشفة وهذه الوسادة التي أضع عليها رأسي كي ترتاح قليلاً تذكرني بك في كل دقيقة، تخيل ما زلت أتذكر رائحتك، كيف أصبحت أنت هكذا!؟ وكيف تباعدت المسافة بيننا إلى هذا الحد؟ كلما رأيت طفلاً يلهو ويلعب مع أبيه وأتذكر كيف قضيت طفولتي وحدي لم أستطع مسامحتك، أتذكر كيف كانت لهفتي عليك وفرحتي التي كانت تفرش أرجاء المنزل حينما تعود من العمل وأنا أتراقص وأصفق بتلك الكلمة المعهودة بابا جه بابا جه أتذكر نفسي حينها!! وأتساءل كيف هان عليه هجري أنا وأمي؟ وكيف فعل ذلك بأختي؟ لماذا جعلها تتجرع أول أنواع الخذلان وأشدها قسوة؟ كيف له أن يترك ظهري عارياً هكذا ويكسرني؟ نعم ورغم أنني رجل ولكن يظل الأب هو ذلك الجدار الحصين الذي نستند عليه ونعلم بأنه لن يميل، بعثرني الحنين والاشتياق لحضنك؛ ولكن…ما زلت أتماسك وأتمنى أن لا أكون لولدي ذلك الأب الذي يكره؛ وأظن أنك يوماً تمنيت أن لا تكون ذلك الأب ولكنك لم تنجح في ذلك، ولكن….هذا النوع من الجرح لا يشفيه ألف اعتذار، عذراً يا أبي إن كنت تستطيع أن تعيد لي سنين حرماني حينها سوف أتقبل أعذارك.

وعاءُ العلم

إنّ العربية ليست حروفًا تُرصّ، ولا ألفاظًا تُسطّر، بل هي جوهرُ العقل، وروحُ البيان، ومرآةُ الفكر، ووعاءُ المعنى، بها تنضبط المدارك، وتستنير الأفئدة، وتتجلّى المفاهم، وتتشكل طرائقُ النظر، ومناهجُ الاستدلال. فهي ليست أداةً تُستعمل، بل آلةٌ تُستبطن، وحاكمةٌ على الفكر، لا محكومةٌ له، بل هي مناط التمييز بين الخطأ والصواب، والرشاد والضلال، والتقعيد والتفريع.

وما ضعفُها في أمةٍ إلا كان شاهداً على اختلال الفهم فيها، واضطرابِ التفكير بين أبنائها، وسوءِ التصور في قضاياها، وانحدارِ مناهجها التربوية والتعليمية. وإن نبوغها في القلوب والعقول، دليلُ رُقيٍّ في سائر مجالات الحياة؛ من التعليم، إلى القضاء، إلى الطب، إلى الفقه، إلى الإعلام، إلى التخطيط والمعرفة.

وقد قرّر أهل الأصول: أن الوسائل لها حُكم المقاصد، واللغة هي الوسيلةُ العظمى، فحُكمها من حُكم العلم والفهم والدين؛ فكل تراجعٍ عنها هو تراجعٌ عن العقل، وعن البيان، وعن الدين.

وما أجمل ما قاله علماء اللسان: إن اللغة سجلّ الأمم، وصورة وجدانها، فإن بادت اللغة، باد الوجدان، وإن اغتربت، اغترب العقل عن ذاته، وإن صلحت، صلح البناء الحضاري كله.

ويقرر هذا أبو منصور الثعالبي (ت 429هـ) إذ يقول: «من أحب الله – تعالى – أحب رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه؛ اعتقد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح الثقة في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد. ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة، وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للضارب، ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة التبصر في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان لكفى بهما فضلًا، يحسن فيهما أثره، ويطيب في الدارين ثمره» فقه اللغة وسر العربية: للثعالبي، (المقدمة)، بتحقيق السقا وآخرين، ط. الحلبي، سنة 1392هـ.

طيف اللون الأبيض

أستطيع أن أدوّن الألم…
الآن فقط أدركتُ تلك القدرة: أن أجسّد جراح الروح على الورق.
لكنني اكتشفتُ أيضًا أنني عاجزة عن السماح لأولئك الذين نفثوا الأذى نحوي أن يمرّوا عبر السطور.
الحروف طاهرة، ثمينة، وبعض الأفعال لا ترقى للتدوين، ولا للحفظ، ولا حتى للبوح.

ضحكت سيدتان يومًا وهنّ يُخبِرن أمي أنني عزمتهنّ على كوب من الشاي، أعددته بأوانٍ لعبة، أكواب بلاستيكية ملأتها بالماء وقدّمتها لهنّ مقلّدة أمي.
لم أشعر بالإحراج إلا حينما كبرتُ قليلًا.
أصبحتا تُذكّرانني بها من باب الدعابة.
كنتُ أخجل في سرّي، وأُخلّد الموقف بصمت، لأنني لم أنسَ ما فعلتاه حينها: شربتا “شايّ الماء” في أكواب بلاستيكية كما لو كان حقيقيًا.
ذاكرة الطفل لا تصدأ، ولا تعرف النسيان…

في موقف مشابه، فُزعت أمي يومًا وهي تسمع حديثًا صاخبًا يخرج من الغرفة، ولم يكن سواي معها في المنزل.
وحين سألتني، أجبتها: “ألعب مع نفسي”.

نفسي… هكذا أجبت دون أن أعرف معنى آخر لهذه الكلمة، لا أفلاطونيًا ولا صوفيًا ولا لغويًا.
كلّ ما كنت أعرفه أن “نفسي” هي الشخصية الأخرى التي تُطبّق كلّ الأدوار التي أمليها عليها.
كانت هي “الآخر” الذي أتخيّله فيتجلّى في مخيّلتي، يملك صوتًا يُشبه صوتي، ووجهًا يُشبه وجهي، وينصهر في قالب كلّ الأدوار التي اخترتُ له أن يجسّدها.

كنتُ أيضًا أتحدّث مع الجمادات.
ربما لأنها تُجسّد الأدوار أيضًا وتتحدّث بما أُحبّه؟
لكنني كنت أشعر أنها تملك لغة، وأحاسيس مكنونة، تتواصل مع من يفهمها ويحاول إتقان لغتها.

علبة الألوان التي تبدو لأي شخص آخر علبة عادية، كنتُ أراها بيتًا.
الألوان تُشكّل عائلات: الأصفر الغامق قرب أخيه الأصفر الفاتح، ثم الأخضر، ثم الأحمر… وهكذا مع بقية الألوان.
لم أكن أضجر خلال فترة المراجعة، فقد كانت كل أداة مدرسية تؤدي دورًا في الحكاية، من الأقلام إلى الدفاتر والكراسات.

كان يبدو الأصفر لامعًا، برّاقًا، مميزًا في كل مرة.
وكانت مكافأتي أن أبرد اللون “المهذّب” أكثر من البقية.
لم أُخبر أحدًا بالأمر، حتى أفراد أسرتي، فقد كان لدي من الوعي ما يكفي لأدرك أنني قد أُنعَت بالجنون إن قلت إن الأدوات تتحدث إليّ.

ذات يوم، بينما كنت أرتّب الأقلام في علبة التلوين، أخبرني القلم الأبيض بشكوى لا تزال تسكنني حتى الآن:

“تعبتُ من كوني قلمًا بلا فائدة.
وتعبتُ أكثر في كل مرة يُصرّون فيها على إبقائي في علبة الألوان، لا لشيء، فقط لكي أبقى على الهامش.
ذنبي أنني شفاف.
لا أحد يرى دوري حين أخفف اشتعال الألوان، أو أخفي العيوب، أو أضيف الضوء في الرسم.
ألون الظلال والمساحات، لكنني بالرغم من كل ذلك، أبقى اللون المنسي.
لا أستطيع حتى أن أكتب على الورق… لأني غير مرئي.
إن كبرتِ يومًا، احملي رسالتي، واكتبي بوحي بقلم حبرٍ جاف… أو أسود.”

لم أستهتر يومًا بشكواه.
كنتُ أخصّه بمعاملة خاصة، وأتعاطف معه، وأحاول التخفيف عنه في نهاية كلّ حصة للتفتح الفني.
كانت المعلمة تأمرنا باستخدام الألوان “الساخنة والباردة فقط”، ولم نستخدم القلم الأبيض أبدًا.

حكاية اللون الأبيض لم تنتهِ في علبة الألوان.
بل تتجلّى في واقعنا أيضًا… على هيئة أشخاص.
لذلك، كلّما رأيتُ شخصًا يبذل ما في وسعه، ويُركن في نهاية المطاف إلى زاوية منسية، أتعاطف معه.
طيف اللون الأبيض ظلّ يرافقني دائمًا، يذكّرني أن خلف كل ما لا يُرى، حكاية تستحق أن تُروى.

حين كبرتُ قليلًا، وكأيّ فتاة يعتريها الشغف تجاه الأعمال المنزلية وتتطلّع إلى أن تُشبه أمّها، بدأتُ أحب الغسيل والكنس والتنظيف.
كانت أمي تقول لي: “لا تستعجلي… عندما تكبرين، ستكرهين كلّ هذا.”
لم تكن كاذبة.
حدث ذلك بالفعل.
ومع ذلك، كنتُ أعود إلى المطبخ لحاجة في نفسي… لأن رحلتي مع الأواني كانت قد بدأت.

تحدّثتُ مع الملاعق الخشبية والعادية، أنِستُ بحديث الطناجر، وواسيْت كلّ من أصبحت بلا غطاء.
غسلتُ الكؤوس بلطف، وعرَفتُ لغة الشوكات الغامضة.

لكنني وجدتُ في عالم الأواني من كُتب عليه أن يُشترى، ويبقى مهملاً في الزوايا…
كانت ملعقة طويلة، تُشبه المغرفة، لكن لها أسنان مثل الشوكة.
لم أعرف ماهيّتها، ولم أكن قد تعلّمت الطبخ بعد.
الأهم أن أزيح عنها شعور الإهمال الذي التصق بها دون ذنب.
لها دورٌ ما لا شك، لكن في ثقافة أخرى، أو بلد آخر…
ومع ذلك كانت تُقتنى.
أو لعلها فُرض عليها أن تُباع ضمن مجموعة لا تشبهها: مغرفة تُستعمل، ومقشدة للزيت… وهي تبقى، بلا وظيفة، ولا ملامح، سوى الحضور المنسي.

كنتُ أغسلها بين حين وآخر، لأطارد شعورًا لا أعيشه في البيت، لكن أودعنيه اللون الأبيض…
الأبيض الذي يرافق كل مكان، دون أن يترك أثرًا واضحًا، كما لو أنه يُكمل المشهد دون أن يُرى.
رأيتُه في المدرسة، وفي المطبخ، وفي الزوايا المنسية من كل بيت.
كان يحضر دائمًا قرب الأشياء اللامعة، صامتًا، لكنه ضروري.
كلّ أولئك الذين يُشبهونه — أناس، وأشياء، وأقلام، وحتى ملعقة لا تُستعمل — صاروا عندي وجهًا واحدًا:
المنسيّ الذي يعكس الضوء دون أن يُرى.
تمامًا كما يفعل القلم الأبيض، أو الطفل الذي يتحدث مع الأشياء، ويُصغي لما لا يُقال.

لقد بلغنا زمانا

دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ

وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ

لقد بلغنا زمانا… قد ازدادت فيه نبضة قلوب المؤمنين وزفرة صدور المسلمين غير أنّ كثيرين منهم لا يفقهون سرّ ما هزّ نفوسهم وأقلق خواطرهم  وبعضهم لا يدرك في فهمهم ما بلّغهم إلى زفرة ونبضة. العالم الإسلامي ثلثاه قد انهمك في خضرة الدنيا وحلاوتها واتّبع نظمات وخطوات الغرب حتى غدا أكثرهم نسخةً مكرورةً من حضارته في لباسهم وأحوالهم واتّخذ الغرب في كلّ حدب وثوب.فصار حياتهم متماثلة ومتشابهة، وعرفوا أحوال  الدنيئة  للوطن فلسطين ودمعات بنات وأولاد، واحتراق القران، وأهوال المسلمين اللاجئين في أقاليم مختلفة. ولكنّ لم يجدوا أيديهم إلى مقصدهم وعون لهم وهم محزونون في عقر دارهم وقلوبهم محزونة في بيوتهم كأمٍّ ثكلى فقدت ولدها.

ولقد بلغنا زمانا! فيه رجال ليسوا كرجال الأسلاف وتُقوَّم النساء على عالم الأشرار ونساءٌ وقفن في ميادين الفتنة بين ذئاب الأشرار، يحرّضن على التبرّج ويشجّعن الانحلال حتى عمّ الفحش الأسواق شرقًا وغربًا. إنّ حضارة النساء في بين الرجال في خارج البيوت قد ساق إلى الأشرار الكبريات وهجوم الشهوات، هناك مات الحياء والشعور. وساءت الظنون والعقول وأُذلّتْ الكبائر  حتّى ما لها من حدّ الصغائر. قد خدرت الإنسانيّة  لأنّ المخدرات قد قلعتها فلذا فقد خسرت الإنسانية لأنّ المسكنات قد قتلتها. فبقيت البهيمية فشاهد العالم القتلى بالتهديد والترعيب وأضرار التناسلية والتحرّش الجنسي في قوارع الطرق.

ولقد بلغنا زمانا ! قد دفنت فيه الأمانة والإحسان وغاب الصدق والتصديق وساد الكذب، بذلك اخضلّت السماء بالدموع الخرساء وهي تنظر بعينها المنتقم على أصحابها وهم ينتظرون بالقلوب المعتدية لسخاءها.

ولقد بلغنا زمانا! فيه قد ترقّت التكنولوجية ومعها الإنسان هم ينفقون أوقاتهم في الوسائل الاجتماعية وهم يقتلون لحظاتهم الثمينة في لهو ولعب، هم وقعوا في عمق الحماقة وفي حفرة مسودّة ولا يدرون الأيام ماضية وهم في عميق الجهالة.كلّهم كدائرة الرحى صباح ومساء، يدخلون عالم الهواتف ووسائل التواصل في دوّامة مكرورة، وحياة بلا روح ولا إخاء. صار الجيران خصومًا في نار العداوة، بلا رحمة ولا مودّة هم نسوا الأخوية والإخاء لأنّهم يلهثون خلف المال بهويّة ضائعة، عيونهم شاخصة للغرب فلا يرفعون رؤوسهم عنه أبدًا، وهنا انهدمت القلوب ودمّرت الصدور بالسخريّة العنصريّة حتى في كرّة القدم بين المشجّعين اللاعبين.

ولقد بلغنا زمانا! فيه حرم السوق كلّه وفسدت الدنيا جلّها وحسن التبعّد من الخلق وأحسن التجنّب من المخلوق فصار خيرُ ما يُرتجى أن تعتزل الناس وتتجنّب الخلق، وتصون قلبك وتزكّي صدرك، بعدما خفتت أنوار أهل الصفاء في الأرض. فصدق قول سفيان الثوريّ رحمه الله: «هذا زمان السكوت، ولزوم البيوت، والرضا بالقوت إلى أن تموت.»