أرض المهباج

 آمال خاطر

  لا شيء….

  مستغرب  في أرض المهباج

   فكل شيء .. كل شيء 

  عاقرٌ  ومباح  كما في السيرك

  فقد فصّلوا الظلام

  على مقاسنا
 واقتسموا الشمس
 تحت موائد خيانتهم
 بين

 الكراسي والمشانق

 لا غير

جهل أمةٍ  ….   تسبح بحمد فكرها

 ووعي الأقلام …  تدفع الضريبة

 والوطن …  حبلى بالوعود

 والأيام

 تطلب اللجوء خارج الأزمان 

 لنحمل

 أوزار تخلفنا

 الغابرة والقادمة

 بمشانق أنيقة وضحكات فاترة

 لنثبت

 أننا فقط

 قطيع متسابقون

 نحو معارك الشتيمة

 وكثير …. كثير

 من أل كثير

 من التنظير

 لعباءةِ الخليفةِ 

 لا غير..

 طلقة بندقية

 في رأس الأوطان

 أو قنبلة هورشيما
 وننتهي

  فدق …… دقْ

 المهابيج

 وهزي خصرك
 يا أرض المهباج

 لترفع

 الأقلام  وتجف الصحف

 بصلاة قيامة

 وجنازة وطن

 وتنتهي حكاية الوطن

الخردل

(قصّة قصيرة مترجمة من اللغة التاميلية)

الكاتب: يس.يل.يم. حنيفة

المترجم: ميرا محي الدين

بين يدي القصة

يس.يل.يم. حنيفة، المولود في شرق سريلانكا عام 1946م، أحد كتاب القصص القصيرة في سريلانكا. كان له قصص باهرة في اللغة التاميلية، إحدى اللغات المحلية فيها. أما الكاتب فينتسب إلى المجتمع المسلم في الدولة كما أنه يعتبر كاتبا رائعا كان له مجموعة من القصص القصيرة باسم “مَكَّتُّ سَالْوَايْ” (غَبَانَةُ مَكَّة) وكذا قد نشر عدة من القصص في مختلف المجلات الأدبية.

تمّ نشر مجموعة قصصه “مَكَّتُّ سَالْوَايْ” عام 1992م مع عشر قصص تاميلية. هذه قصص غالبًا تدور حول جوانب الحياة البشرية وتوضح أحوال سريلانكا الاجتماعية والدينية والسياسية والأحوال الحربية اللعينة التي واجهتها الدولة خلال فترة حوالي ثلاثين سنة ماضية.  فلا يوافق الكاتب السياسة الكاذبة كما يحارب الكذب والغشّ والمكر وقصص تصور الحياة البدوية في شرق سريلانكا. لا أرى كاتبا مثله، أظهر حياة الأقلية المسلمة فيها كما اهتمّ بالزراعة حيث تنعكس في جميع تأليفاته. ولا شك أن قصصه تقوي الأدب التاميلي الحديث.

أما هذه القصة “الخردل” فتولّدت من حوار جرى بين الكاتب وابنته الصغيرة “ماجدة” حينما ذهبا إلى قطعة أرضه الزراعية بالدراجة الهوائية حيث يحاور معها الظروف الاجتماعية عبر رؤيتها الطفولية كما أن هذه القصة تبدي الأحوال السيئة التي عاناها المجتمع الإسلامي في الفترة التي جرت الحرب الأهلية في سريلانكا. والجدير بالذكر أنها قد نُشرت في مجلة “فامس” عام 1988م.

القصة

بابا، هل تعلم القصة؟

لا يمكن المكث هنا. إذا طلع الفجر، يصبح قتال فالأخ والأخت يزعجاني كثيرا…

ثم المدرسة فهناك أيضا قتال…

فكان المدرس المولوي يضع جميع الطلاب في صف واحد ويغلق بابه… بابا، هو مدرس وحيد لمدرستنا…

المُدرِّسة شاندي انتقلت وأحرقوا بيتها. طالما كانت هي، كنا نُغنّي القصيدة ونسمع القصة…

“فراشة فراشة… تطير، انظرها… تطير، انظرها…” هي تطير كالفراشة…

كان المدرس المولوي يجيئ ويقول…

“قوموا أيها الأطفال، ارفعوا أيديكم واكتبوا هذا حتى أرجع”

ثم يذهب…

فنجعل نخوض ونلعب…

 كانت العجوزات يجئن إلى مدرستنا لكتابة الرسائل العربية…

ويعطين عشرين روبية لكل رسالة…

إذا جاءت عجوة، يتردد المدرس ويثوب على الأطفال…

الآن، لست برئيسة الصفّ بل، مَغَارِي.

لولا المدرس لكانت تظن كأنها مدرسة.

ولكنها هي سوداء مني.

المدرسة شاندي هي التي جعلتني رئيسة لأنني أولى الطالبات في الفصل.

لقد غيَّر المدرس المولوي. غيّروني لأنك كلّمت عن جدّ مغاري رئيس المسجد الأول في المسرح.

كيف العمل، أشُفْتَ؟

كان لا يحضر للمدرسة منتظماً.

أهؤلاء يُعلِّمون؟

يأكل المدرسون “بيتيس” في المقصف ونحن ننظر.

لما كان العمّ فاروق يدرِّس، يعطي للجميع كوبا واحدا من بَسْكَوَيْت وهذا يعطي كوبين لرِنوسة وابنة المدرس عليار.

عند وقت الفراغ، لن أذهب إلى جانب الأخ مع بسكويت فيغصبها مني… أيجوز أكل الكبار ما أُوتي للصغار؟

مدرسنا يذهب إلى البيت مع بسكويت كل يوم.

ما هذا العمل يا بابا؟

اليوم، ليس شيئ في السوق.

أطعمت ماما الأرز مع البيضة المقلية للغداء.

بسبب حظر التجوّل.

قد تعسر بلعه.

قد سرق الأخ بيضة في الطبق.

أيجوز سرق الكبار أشياء الصغار؟

ها، إنّ تاك بقرتنا “راني” تذهب. في الصباح، حلبت ماما. ركلها “كنّنْ.

مع تقدمه في السنّ، قد ازداد كبره.

أتعلم بابا، أن دجاجتنا عارية الرقبة قد فقست؟

فراخ سوداء ومُنقَّطة وحمراء.

لا تذهب في هذا الطريق – سيجيئ الجيش الهندي.

مُشت أنا وماما في هذا الطريق. حاصرت الشرطة هذا البيت. فيه امرأة ما من الخارج. اسمها سُمِدَة.

ما زال كل واحد في قريتنا يتلفظ باسمها.

أفّ! هي فاسقة. لكنها جميلة بابا.

أوقف السيارة قليلاً. سقط الحذاء.

حسناً، نذهب…

أمس، جاء الأخ يوسف من الجامعة. هناك نُمور في الطرقات، يحملون البندقيات. بابا، كيف يكون النمور؟

لقد قبض الجيش على العمّ سبا الذي يزور بيتنا.

ضربوه ضرباً شديداً. قالته عمّة الأخ نريش.  انكسرت رجله.

لماذا بابا، لم يحضر ذلك العمّ ذو اللحية والنظارة؟

لم أنَمْ طوال اليلة البارحة…

هناك أصوات البندقية. كانت كما نقوم به في أيام العيد…

طارت هليكوبتر  فوق بيتنا…

لجأت أنا والأخت تحت الطاولة. والأخ فقط كان ينظر إليها مختفياً.     

ماذا يحدث إذا سقطت القنابل على الرأس، لماذا هؤلاء يقاتلون؟

جاءت ابنة النجار عائشة اليوم. كانت المدرسة مملوءة بالأصوات.

ما أروع البنت…

قُرْط “تيسكو” والفستان المكسيكي والحذاء الكعبي…

ما أطيب رائحتها…

أنرسل ماما إلى الخارج؟

ما لدينا راديو أم تلفزيون.

كانت أمها سوداء قبل.

الآن، جاءت من الخارج كالمرأة البيضاء.

بيضاء كأخت صديق. قد تكبرت بأن أمها ترتدي “الفستان المكسيكي” في البيت أيضاً. لا ترتدي الوِشاح.

بابا، هل تعلم؟

أن اللصوص لم يجئ إلى بيت الزراع حسين وسرقوا جوهرات زوجته فحسب بل ذبحوا بقرة “مايل” لصاحب العربة.

تلك البقرة كانت لا تصادم. هي كبنت.

ماما لا تنام في الليل. لعلّهم يذبحون بقرتنا…

الآن، هنا نتعسر باللصوص. يجب عليك أن تشتري لي حذاء كعبيا براتب هذا الشهر. وعدتني للشهر الماضي. لكن لم تشترِ…

لا تنس أن تشتري في هذا الشهر. بابا ماذا نشتري لمرقّة الليلة؟ أنا أحبّ سمكة الأرنب. قَلْيُ نصفها لذيذ.

الأخت لا تعرف قلي السمك. ستحرُقها.

أصابت الحساسية جلدي. قد تمّ مسحوق الحرارة الشائكة. لا يعرق هكذا في بيت الأخت نونا بمَدْوَالَا. هناك برد دائم…

في الليلة البارحة، ذهب الجيش الكثير  في طريقنا.

لقد عضّ جندي جديد خدّ امرة.

بابا، العمّ باوا الذي أيقظنا للصوم كل يوم، أطلق الجيش النار عليه. يا للخسارة…

قد أغلقت ماما الباب!

أنا اطّلعت عبر الشباك قائمة على طاولتك. الغبار ثائر.

كانوا يرتدون أحذية ضخمة ويحملون بندقيات على ظهورهم. هل تصدّق بابا، بأنهم يطلقون النار على الصغار؟

ماذا أفعل… لو كانت لديَّ بندقية… أنا أيضا…!

يا صبر أيووووب

آمال خاطر


أيا …

عجب العجاب
لعابرونَ

لا يكُفّونَ
عن اللّغو وقواعد العقم
فلا شيء
معربُ
ف ذاك مقلوبٌ …… ذاك واثبُ
وذاك….
لا محل له
من الإعراب
أين الذي كان …ولم يكنِّ…!!
والعقل
أصبح العجبُ

بشعوب العجابِ
بوجه زمنٍ
لا يشبه وجه زمني
ليفقد
اليقين كل مجازٍ
بصمت سكوني
وسكون صمتي
وتبقى
ابتسامة صفراء
بعرض الخيبة
تمتد
عنقها
في وجه المرآة
بعلامة تعجب..!
من طول الغباء
فيا
صبر أيوب…

الفلاح

فضل صديق الفاروقي

قبضوه بأصفاد ساقيه عريان

فنريه هيبة وفي شعاره نيران

وحبسوه في سجن وجدران

خلى الحقول والخضر ميدان

نحن اليوم في فقر وعطشان

وكفاحنا مع وجود وجوعان

التلفزيون

شيخة الفجرية/مريم الزرعوني

إلى العزيزة الشاعرة والكاتبة مريم الزرعوني

 تحية وبعد

يسعدني أن أبعث إليك برسالتي للاطمئنان عليك أولًا، بسبب محاصرة فايروس كورونا الجاثم على عموم الكرة الأرضية، ثم أود أن تشاركيني الحديث عن التلفزيون موسوعة المعارف الناطقة، وأثره في حياتك.

وسأعود في رسالتي إلى الوراء، إلى أولى عشرينيات عمري، حين ذهبت لأول مرة   إلى التلفزيون، إذ تأملت جيداً في المبنيين الذين قابلاني، ما أن دلفت من بوابة مبنى الإذاعة والتلفزيون الكبيرة في مدينة الإعلام في مسقط، المُسَيَّجة بطاقم أمني ودود، استدعيتُ الصندوقين البلاستيكيين (الراديو والتلفزيون) فوراً في مخيلتي، فيما كانت خطواتي تقترب أكثر من هذين المبنيين، في أول زيارة لهما، كنتُ متأبطةً مجموعة من الأوراق، كان في هذه الأوراق نواة مسلسل تلفزيوني ([1])؛ بدأت بكتابته في الصف الثاني الثانوي.

ابتسمت في طريقي القصير ذلك، للخيال الطفولي الذي كنتُ عليه قبل ممارسة الكتابة، حيث لم يكن  التلفزيون إلا ذلك الصندوق البلاستيكي المستطيل الشكل، الملصق به شاشة زجاجية وجهاز يعمل على تشغيله وإغلاقه عن بُعد، والذي كنتُ أفكرُ كثيراً كيف أدخل إليه لمراقبة ما يحدث فيه من مسلسلات وبرامج ورسوم متحركة، أوهمني كلاً من “نيلز”([2]) و”السيدة ملعقة”([3]) أن ذلك ممكناً، إن وجدت ذات المادة التي عملت على تحويلهما إلى أقزام؛ إذ تشغلني فكرة “ماذا يفعل وأين يذهب “نيلز” و”الكابتن ماجد” و”سالي” و”كاتولي” إلخ بعد نهاية كل حلقة؟ كيف يقضون بقية يومهم إلى أن يعودوا إلينا من جديد؟!

كنتُ كبيرة لأتخيل أنني ذاهبة لأجدهم يمثلون المسلسلات أمامي، وغيرها من الخيالات التي تجاوزها عقلي قبل ذلك اليوم بوقت طويل، فقد ذهبت مقتنعة أنَّ التلفزيون، نافذة “الثقافة الرفيعة…، صلة بين حضارة مخصوصة وإنسانية كونية” كمايقول  تيري إيجلتون، ويمكن عدّه مجموعة من الأصدقاء، ومجموعة من الأعداء كذلك، ففي ظلِّ التدفق العظيم للبرامج المختلفة من القنوات الكثيرة جداً، تُبثُ عبر أثيرها وإرسالها مجموعة من الأيديولوجيات، التي تتزاحم وتتكالب علينا لتختطف عقولنا؛ في ظل برمجية مبتغاة ومشتهاة منّا بشدة.

ومن هذه البرمجيات تأتي البرامج الحوارية والمسرحيات والبرامج الأجنبية المترجمة، والأغاني، وبرامج المسابقات الغنائية، وبرامج المسابقات الثقافية، ونشرات الأخبار، والبرامج الاقتصادية، والبرامج الدينية والأسرية، كل هذه البرامج تكوّنُ مجموعة الأصدقاء التي رافقتني طوال سني عمري؛ منذ الطفولة مروراً بالمراهقة وإلى اليوم.

 فالتلفزيون هو من ألجأ إليه للترويح بعد المذاكرة، بفضله تكوّنت لدي معلومات أعتمد عليها في الإجابة عن الكثير من الأسئلة في مسابقات المدرسة، أو حتى في الدروس اليومية في الفصل، أتذكر معلمة مادة الدراسات الاجتماعية في الصف الرابع الابتدائي،” الأستاذة رئيفة”، التي هي في ذات الوقت أمينة مقصف المدرسة، كانت تأتي كل يوم بعد الفسحة وتناول الطعام، أي في الحصة الرابعة، تحمل في يديها أكياس النقود(مبلغ البيع اليومي في المقصف)، تقوم بعدِّ تلك النقود على طاولتها أمامنا، ولكي تضمن هدوئنا تسألنا أسئلة عشوائية لا علاقة لها بما ندرس، كنت أسابق زميلاتي في الظفر بالجائزة حين الإجابة، والجائزة في كل مرة مبلغاً وقدره (نصف ريال عُماني)، كان مبلغاً كبيراً بالنسبة لي، ولكنني أتذكر أنني ادخرتُ مبلغاً لابأس به من أسئلة “أبلا رئيفة”([4])، فقط لأنني كنتُ مرتبطة بمتابعة المسابقات الثقافية والبرامج منذ طفولتي، فيما لم أكن أقرأ الكتب؛ أو حتى مجلات الأطفال في هذه المرحلة إطلاقاً.

أما الارتباط بالبرامج الإخبارية، فقد كان ذلك في المرحلة الإعدادية، من أجل تأمين أخبار يومية للإذاعة المدرسية، سرعان ما تحولت مع الأيام تلك المتابعة إلى روتين يومي؛ في متابعة التطورات السياسية وتداعياتها.

في المرحلة الثانوية استهويتُ كثيراً متابعة البرامج التراثية والوثائقية التلفزيونية، حيثُ أكون أمام فرصة معرفية متعددة المصادر على اعتبار أن المتحدثين عن التراث العُماني متعددي الثقافات، فمنهم الأديب والشاعر والنوخذا والبحار والمغني والراقص، وأستطيع القول أنني كنتُ أدونُ ما أسمعه من كبار السن في البرامج التراثية، لأستفهم عنها فيما بعد في حال أردت إعادة استعمال تلك المعلومات؛ في مسلسلاتي وبرامجي الإذاعية والتلفزيونية.

أمَّا البرامج الوثائقية، فهي متنوعة، منها البرامج التي تتناول عالم الحيوان، والحشرات والطيور والبحار والجبال، وتلفزيون السلطنة غني بهذه البرامج المفيدة، سواء تلك التي تختص بالبيئة العمانية (الأفلام الوثائقية عن النمور في عُمان، والطيور والبحر، والجبال ووو إلخ) أو غير العمانية، ومن كل ذلك يمكن القول، أن التلفزيون منظومة ثقافية متنوعة ومتعددة يمكن انتقاء المفيد، الذي يغذي العقل قبل ملأ الفراغ لمجرد ملأ الفراغ فقط، ويأتي الجمال فيما ذكرت هو القالب الفني المؤثر الذي عرضت من خلاله البرامج المذكورة؛ لأنَّه كما يقول فراي:” العمل الفني العميق يجذبنا نحو نقطه نستطيع من خلالها رؤية عدد هائل من الأنساق ذات الدلالة القيمة متجمعة”.

من كل ذلك؛ أصبح التلفزيون بالنسبة لي مصدر آخر من مصادر الثقافة والإلهام، لم يعد مجرد صندوق بلاستيكي، بل هو أدب ناطقٌ بالواقعية والخيال معاً، هو عالم أستطيع المشاركة في إثراءه من خلال كتابتي للمسلسلات التلفزيونية؛ فما هي طبيعة علاقتك بالتلفزيون؟

هذا ولك وافر التقدير

 تحياتي: شيخة الفجرية

…………………………………………………………………………

الرد:

عزيزتي الصديقة الأديبة شيخة الفجرية

تحياتي وأشواقي

أرجو أن تصلك الرسالة وأنتِ في أتم الصحة والسرور. قبل أن أجيب على سؤالك، لابدّ أن أخبرك بما فعلته رسالتك، لقد أسعدتني وأعادتني إلى زمن بعيدٍ، كانت الرسائل فيه من ورق، والكلام من حبر تذوب فيه المشاعر وتتسربّ إلى قلوبنا ما إن نقرأ الكلمات. إنه زمنٌ لطالما شدّني إليه حنين جبّار، عندما كنت في المرحلة الثانوية أُكاتب صديقات الدراسة عند زيارتهنّ لبلدانهن في العطلة الصيفية، أنسام في الأردن وغادة وايمان في مصر. لازلت أحتفظ برسالة أنسام الأخيرة التي وصلت قبيل تخرجي من الجامعة، لتبتلعنا فيما بعد دهاليز الحياة.

أعرف أنك كاتبة سيناريو ومؤلفة مسلسلات إذاعية وتلفزيونية، شغوفة بعملك، ولتسمحي لي بالانحراف عن سؤالك والحديث عن الإذاعة قليلاً، فحنيني إلى زمن المراسلات لا ينفصل عن علاقتي بالمذياع، فقد لازمني فترة طويلة وأنا طالبة في المدرسة، كنتُ أعود إلى البيت وأدير المذياع من فوري على برامج المنوعات أبحث بين الموجات المشوّشة والأصوات المتحشرجة عن طرب أصيل وكلمة شجية، فتصادفني نجاة الصغيرة بأغنية تمتد دقائق تزيد على العشر، أتمكن أثناءها من تغيير ثيابي وترتيب كتبي وفق جدول الغد، ثم أوقف المذياع للالتحاق بوجبة الغداء.

لقد كانت الإذاعة امتداداً لأثر جدّي الذي أتلمّسه لشدّة تعلقي به، فقد كان يستمع بعد عودته من السوق مساءً وفراغه من العشاء، إلى النهامين في أغاني البحر وفنّ الصوت، لم أكن أدرك معاني الكلمات آنذاك، لكنني الآن أرى وجه جدّي في كل نهمة بحرية تتسلل إلى أذني.

ثم أدمنت سماع كبار نجوم الطرب العربي فكنت على موعدٍ مع أم كلثوم ظهيرة كل يوم على إذاعة دبي، وفي المساء، يرافقني المذياع وأنا أنهي مهامي المعتادة، فأستمع إلى مختلف البرامج والمسلسلات التاريخية والاجتماعية متنقّلة بين الإذاعات العربية المتاحة، أذكر مما استمعت إليه بدهشة كبيرة وفائدة عظيمة، برنامج المعلومات العامة الشهير “قالت جهينة”، كما قضيت الكثير من ليالي العطلات مع حفلات المطربين الكبار على إذاعة صوت العرب من القاهرة، ومن ضمنها أغنية “من غير ليه” الطويلة، للموسيقار محمد عبدالوهاب في سهرة شتوية عام ألف وتسعمئة وتسع وثمانين ميلادي، أي قبل وفاته بعامين.

هل تعلمين يا شيخة أنني لازلت مرتبطة بشدّة بالإذاعة، فلديّ على هاتفي الجوال تطبيقات العديد من الإذاعات العربية والأجنبية، وعلى رأسها صوت العرب، وإذاعة الكويت، وبي بي سي، فهم رفاقي في السيارة والمطبخ وحتى الجلسات الأسرية في فناء البيت.

لقد شكّل المذياع أسس ذائقتي الموسيقية وزودني بأنوية عديدة لمواضيع تصلح للكتابة، كالموسيقى العربية، والشعراء الغنائيين، كما فتح لي أبواباً للقراءة والاستزادة عما يُطرح في البرامج الثقافية على وجه التحديد.

وأزيدك يا شيخة عمّا فعل بي المذياع، فصرت هاوية أجمع أجهزة المذياع القديمة، شرط أن تكون صالحة للعمل، من محالّ متخصصة في الإمارات ومن الأسفار أيضاً. فقد صار وجود المذياع في الغرفة والسيارة يحقق لي درجةً عاليةً من الرضا والاستمتاع.

 أما التلفزيون فليس أقل أهمية من المذياع، إلّا أن دوره بالنسبة لي انحسر منذ ارتباطي بالأجهزة الذكية.

لازمت التلفزيون في مرحلة عمرية مبكرة، فكنت أتابع المسلسل الكويتي “جحا” الذي عرّفني بشخصية تيمور لنك، كما كان السبب الرئيس في حبي للزراعة، فعرفت المواسم الزراعية وفكرة استصلاح الأرض، وأنواع المناطق الزراعية تبعاً للتربة في الإمارات، كل ذلك عن طريق البرنامج المحلي “أرضنا الطيبة” الذي كان يعرض في قناة أبوظبي، أما البرامج المحلية في قناة الشارقة فقد شوّقتني لمناطقنا المختلفة وبيئاتها الغنية، فعرفت أننا نزرع القمح في مرتفات رأس الخيمة، والدخن في وادي الحلو، ونصنع نوعاُ من الحلوى اللذيذة المعروفة بمقطوعة الدّخن. كان ذلك دافعاً رئيساً لزياراتي المستمرة للساحل الشرقي عندما تعلمت قيادة السيارة.

 أما “افتح يا سمسم” فقد كان بوابتي التي ولجت منها إلى اللغة العربية والعالم العربي فحفظت معظم أناشيده، وتعرفت إلى العواصم العربية وأشهر معالمها قبل أن تطأها قدمي.

وبعد طول انقطاع عن التلفزيون، أعود إليه الآن مع الجائحة لأستخدم مزاياه الأخرى كتلفزيون ذكي يتيح متابعة الفيديوهات عبر تطبيق “يوتيوب” وفي أضيق الأحوال وعندما لا أجد برامجي المفضلة في شبكة الإنترنت، أعود لأتابع البرامج الوثائقية، والأفلام العربية الكلاسيكية.

ماذا عنكِ، كيف شغفت باللغة وعلومها؟ في انتظار رسالتك.

دمت بخير

مريم الزرعوني.

دولة الإمارات العربية المتحدة

مدينة دبي


([1]) . مسلسل اليرام، حصل على جائزة “أفضل نص درامي” في جائزة الإبداع الإعلامي بوزارة الإعلام 2009م.

([2]) . “نيلز” مسلسل رسوم متحركة.

([3]) . “السيدة ملعقة” مسلسل رسوم متحركة.

([4]).معلمة مصرية، جميلة البشرة والشكل على الرغم من بدانتها، تتميز عن جميع المعلمات اللائي قمن بتدريسي منذ الابتدائية إلى الثانوية، أنها تُشبه هوانم جاردن سيتي في مصر، من خلال ملابسها الغير معتاد لبسها من معلماتنا المصريات، أكثر ما يُضحكني ولست أدري إن كانت تعلم بذلك، إذ كانت أغلب زميلاتي الطالبات ينادينها “أبلا رهيفة”، بعد الصف الخامس عادت أبلا رئيفة إلى مصر.

قيثارة شرقية‎

آمال خاطر

أ أكن
قيثارة شرقية

تنقش
ذكرى
أمس اليومِ
بغدِّ
لأنسج
من خيوطه
تاريخ ابتداء
أعيشه دون انتهاء
أم أبحث في رماد اليقين
عن سجادة حلم
تسمو بي
إلى سابع سماء
عسى الروح
تتحرر
من حضوري المحتظر
وما تساقط مني
وجعاً … لغة
وكثير الكثير
من اليأس
لأشعرني
ببسمة الحياة
الهاربة مني
تحت أنقاض الوجع
أتعلق
برأس خيوطه
عقدة ….. عقدة
لأخرج
من وحل
الواقع المر
والأمل المصلوب
بين أشجار الخوف
وأغسل
رماد قلبي
بشهقة
ودمعتين
وقبلة صلاة
لأفر
مني إليّ
بعامٍ
سبق
خطاه خطايّ