حجة الإمكان والوجوب في مناظرة المفتي شمائل الندوي والملحد جاويد أختر في السياق الهندي

شهدت الساحة الفكرية في الهند مناظرة لافتة بين المفتي شمائل الندوي، أحد الوجوه العلمية المعروفة في الخطاب الإسلامي، والملحد جاويد أختر الذي يمثل اتجاها فكريا ماديا ناقدا للدين. وقد اكتسبت هذه المناظرة أهميتها لا من طبيعة أطرافها فحسب، بل من السياق الهندي الخاص حيث يتداخل التعدد الديني مع الجدل الفلسفي حول الإيمان والإلحاد.

اعتمد المفتي شمائل الندوي في دفاعه عن الإيمان بالله على حجة الإمكان والوجوب، وهي من أعمق الحجج العقلية التي صاغها الفلاسفة المسلمون، وفي مقدمتهم ابن سينا، ثم وجدت صداها لاحقا في الفلسفة الغربية. تنطلق هذه الحجة من تحليل الوجود ذاته، لا من النصوص الدينية، ما يجعلها صالحة للحوار مع التيارات الإلحادية التي ترفض الاحتجاج بالنقل.

أوضح المفتي شمائل الندوي أن الموجودات التي نعاينها في الكون كلها ممكنة الوجود، أي إن وجودها ليس واجبا بذاته، وكان يمكن – من حيث العقل – ألا توجد. وهذا الإمكان دليل على افتقارها إلى علة تخرجها من حيّز العدم إلى حيّز الوجود. وبذلك فإن الكون بأسره، بما يضمه من ظواهر مادية وقوانين طبيعية، لا يمكن أن يكون مفسرا لوجوده بذاته.

وفي مواجهة طرح جاويد أختر القائم على الاكتفاء بالتفسير المادي أو اعتبار الوجود «معطى بلا سبب»، شدّد المفتي الندوي على أن مجموع الممكنات لا يغني عن العلة، لأن الجمع بين أشياء مفتقرة لا ينتج غنى ذاتيا. ومن هنا انتقل إلى النقطة المركزية في الحجة، وهي ضرورة الإقرار بوجود واجب الوجود، الذي لا يحتاج في وجوده إلى غيره، ويكون وجوده عين ذاته. كما تناولت المناظرة مسألة التسلسل اللانهائي للعلل، حيث بين المفتي الندوي أن افتراض سلسلة لا نهائية من الموجودات الممكنة لا يقدم تفسيرا حقيقيا للوجود، بل يؤجل السؤال ولا يجيب عنه. فالعلة النهائية لا بد أن تكون موجودا غير محتاج، وإلا بقي الوجود بلا تفسير معقول.

وتتجلى خصوصية هذه المناظرة في كونها جرت في الهند، البلد الذي يضم تنوعا دينيا وفلسفيا واسعا، حيث يتجاور الإيمان التقليدي مع النزعات الإلحادية الحديثة. وفي هذا السياق، برز خطاب المفتي شمائل الندوي بوصفه محاولة لإعادة تقديم الفكر الإسلامي بلغة عقلية كونية، تتجاوز الخصوصية الدينية إلى مخاطبة الإنسان بما هو إنسان. وفي المقابل، مثل جاويد أختر صوت التيار الإلحادي الذي يرى أن الدين نتاج اجتماعي أو نفسي، غير أن المناظرة كشفت محدودية هذا الطرح حين يواجه أسئلة الوجود الكبرى، مثل: لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ وهو السؤال الذي تعد حجة الإمكان والوجوب من أكثر الإجابات الفلسفية تماسكا عليه.

وإن هذه المناظرة لم تكن مجرد سجال فكري، بل نموذجا لحوار عقلانيٍ في فضاء تعددي، أكد فيه الفكر الإسلامي قدرته على محاورة الإلحاد بأدوات فلسفية رصينة، وفي مقدمتها حجة الإمكان والوجوب، التي ما زالت تحتفظ بقوتها الإقناعية في مواجهة الأسئلة الوجودية المعاصرة.