الأرواح تتكلم بلغة الكرة

 كرة القدم بحر تطاولت أمواجه على شواطئ عواطف القارات، وشمس أشرقت على اَفاق القلوب، أشعّتْ أنوارها في عروق الطبيعة وانغمست في أجواء الحياة. لا تحتاج هذه الرياضة إلى تعريفٍ بالعربية أو بالإنجليزية أو بالإسبانية، فمجرد إشارتك إلى قدميك تكفي، إذ هي لغة عالمية ورياضة ممتعة وحكايةُ شغفٍ واتحادٍ بين الشعوب. أبكت الجماهير، وأثارت الفنون، وجنّت لها العقول.

عندما نذكر كرة القدم، فإنها تطرق أبواب القلوب وتختلطُ بمشاعر حارّة. وإنها ليست مجرّد تسعين دقيقة، بل هي حياة كاملة تحتوي الفرح والسرور والضحك والبكاء، والأمل واليأس، والطموحات التي لا تنتهي. كم من العيون سحرتها هذه الرياضةُ المدهشة؟ وكم من القلوب وجلت تحت سحرِ هذا الفنّ المثير؟ تتراقص الكرة بين أقدام اللاعبين كأنها تجسِّد نشوتها فوق العشب الأخضر النديّ؛ تضحكُ عند قبلة الشباك، وتغضب حين تُصدّ التسديدات.

الجماهير تتعالى هتافا وضحكا وبكاء، تنادي وتسبّ وتفرح وتخاف بحسب الموقف. التمريرات تمطرُ في الذاكرة، والتسديدات تشتعل في الطموحات، والمهارات تلهب الجنون؛ كلها تحكي روعة هذه الحياةِ المبرقشة بالألوان. وحين يُطلق الحكم صافرتَه، يشتعل الميدان بالنيران فوق الأعشاب اللامعة، كشرارةٍ تُلهب الحماسَ في قلوب المشجعين. توجيهات المدربين تبعث الحياة في أرواح اللاعبين، والرايات الركنية ترفرف كأنها أجنحة الفخر، فريقان يتناظران بلغة الجوارح، وكأنّ هذا المشهد لوحة من الأناقة والعنفوان. العشب الأخضر النديّ يحكي قصة لا تنتهي، رُسمت عليه أجمل الذكريات، وكُتبت فيه أروع الحكايات. وما زال المشجعون على اختلاف أعمارهم يرفعون أعلام فرقهم، ويلبسون قمصانهم، ويهتفون عند كلِ تمريرة وتسديدة ومراوغة، وترتجف أرواحهم مع كلّ هجمة.

وحين تُسجّل الأهداف، تتحوّل أجواء المباراة إلى عاصفة من الصيحات والرعد والبرق. ما من شباك إلا وقد تشبّعت بقبلات الأهداف. أنفاس اللاعبين تمتزج بأنفاس المباراة، ونشاطهم الدؤوب يُظهر كنوزا خفيّة من الفنّ والعزيمة. هناك الماهر الفنان كالنجم الذي لا يشبهه نجم، والمهاجم الغدّار كسيف لامع يمزّق الشباك، وثعلب يترصّد الفرص لاقتناصها.

صار هذا الفنّ ظلا يستظلّ به الناس في أوقات الضيق والإنهاك. ليس فيه انتصار للفرد، بل هو سباق عدالة وجمال بين الأجناس المختلفة في ميدان واحد. وفيه روح العمل الجماعي، وتناسق الجهود، وموازنة دقيقة بين الصبر والإصرار. فهي روح وإثارة وفنّ جماعيّ يؤلّف بين العقول والاتجاهات والثقافات في سماء الاضطراب والقلق، غدتْ رمزا حضاريا، ومرجعا فنيا، حتى حُمّلت أوصافا وأسماء لا تُحصى.