اللغة العربية في سريلانكا

تعتبر اللغة العربية من اللغات ذات الأثر التاريخي والثقافي في سريلانكا، على الرغم من كونها دولة غير عربية لغويًا، حيث اللغة الرسمية فيها السنهالية والتاميلية. وقد وصل العرب إلى الجزيرة منذ العصور الوسطى، إبان توسع التجارة البحرية في المحيط الهندي، وكان لهم دور بارز في نشر الثقافة الإسلامية وتعليم اللغة العربية بين المسلمين السريلانكيين.

تعود أصول استخدام اللغة العربية في سريلانكا إلى الأنشطة الدينية والتعليمية والتجارية. فقد اعتمد المسلمون على العربية في قراءة وفهم القرآن الكريم والحديث الشريف، وهو ما أدى إلى تأسيس مدارس دينية تُدرّس القرآن وتعليم اللغة العربية. كما كان التجار العرب يستخدمون العربية في المعاملات التجارية مع أهل الجزيرة والسواح القادمين من الخليج والهند، ما جعلها لغة للتواصل التجاري والثقافي.

على مر التاريخ، شهدت اللغة العربية في سريلانكا تباينا في مستويات انتشارها. فقد اقتصر تعليمها في البداية على النخبة الدينية وأولياء الأمور الذين يسعون لتعليم أبنائهم علوم الدين، ثم توسع نطاقها تدريجيًا لتصل إلى المدارس الإسلامية الحديثة التي تدمج بين المنهج الديني والتعليم العام. وفي العصر الحديث، أصبحت اللغة العربية تُدرّس أيضًا في الجامعات والمعاهد الإسلامية، حيث يتم تقديم برامج أكاديمية لدراسة علوم القرآن والحديث والفقه والتاريخ الإسلامي، إضافة إلى تعليم اللغة العربية كلغة ثانية للطلاب المهتمين بها.

تلعب اللغة العربية في سريلانكا دورا مهما في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للمسلمين، كما تساهم في ربط الجالية الإسلامية بالثقافة العربية الإسلامية الأوسع. وعلاوة على ذلك، تشجع العديد من المؤسسات التعليمية على تعلم العربية لأغراض أكاديمية ومهنية، خاصة في مجالات الدراسات الإسلامية، والترجمة، والعمل في دول الخليج العربي.

رغم أهمية اللغة العربية، تواجه تحديات عدة في سريلانكا، أبرزها محدودية الموارد التعليمية باللغة العربية، وقلة المعلمين المؤهلين، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على استمرار تعلمها بين الأجيال الجديدة. ومع ذلك، فإن اهتمام المؤسسات التعليمية الإسلامية والجمعيات الثقافية بالمحافظة على اللغة العربية يشير إلى استمرارها وتأثيرها الإيجابي في المجتمع المسلم السريلانكي. إن اللغة العربية في سريلانكا ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي جسر ثقافي وديني يربط المسلمين السريلانكيين بالعالم الإسلامي، وتعكس مكانتها التاريخية والثقافية في التعليم والدين والهوية، ما يجعلها عنصراً حيوياً في المشهد الثقافي واللغوي للجزيرة.

لا حُكْمَ إلّا للحب

الـحُـبُّ يَـحْكُمُنا، فـي شَـرْعِهِ نَـثِقُ

لا بُــدَّ يَـجْـمَعُنا، إِنْ شَـطَّتِ الـطُّرُقُ

لا  حُــكْـمَ إِلَّا لِـقَـلْـبٍ فِـيـهِ مَـوْطِـنُنَا

أَجْـسَـادُنَـا افْـتَـرَقَتْ وَالــرُّوحُ تَـتَّـفِقُ

فَـالْـحُبُّ عَـهْـدٌ إِذَا مَـا غَـابَ صَـاحِبُهُ

تَبْقَى الْعُهُودُ، وَيَفْنَى الشَّكُّ وَالْقَلَقُ

نَـمْشِي وَنَـظْمَأُ فِـي صَـحْرَاءَ قَاحِلَةٍ

لَا بُـــدَّ يَــوْمًـا عَـلَـيْنَا يَـنْـزِلُ الْـغَـدَقُ

إِنْ غَابَ وَجْهُك عَنْ عَيْنِي فَلِي أَمَلٌ

أَنَّ الـنُّـجُـومَ بِــسِـرِّ الْــحُـبِّ تَـأْتَـلِقُ

مَـــا ضَــرَّ عَـاشِـقَ رُوحٍ أَنْ يُـفَـارِقَهَا

جِـسْـمٌ، إِذَا كَـانَـتِ الْأَرْوَاحُ تَـلْـتَصِقُ

فَـالْحُبُّ نَـارٌ إِذَا مَـا الـشَّوْقُ أَوْقَـدَهَا

لَا يُـطْفِئُ الْـجَمْرَ دَمْعٌ، حِينَ يَحْتَرِقُ

نَحْيَا عَلَى الْوَعْدِ، لَا نَخْشَى تَقَادُمَهُ

مَا دَامَ فِي الصَّدْرِ نَبْضٌ صَادِقٌ خَفِقُ

إِنْ ضَـاقَ وَقْتُ اللِّقَا، فَالصَّبْرُ يُوسِعُنَا

وَفِـي انْـتِظَارِك مَـعْنَى الصَّبْرِ يَتَّسِقُ

قَـدْ يُقْصِفُ الْبُعْدُ أَغْصَانَ الرَّجَاءِ، فَمَا

دَامَـتْ جُـذُورٌ ثِـقَالٌ، يَـزْدَهِي الْوَرَقُ

نَـغْـفُو عَـلَى حُـلْمِنَا، وَالـلَّيْلُ يَـعْرِفُنَا

فَـالشَّوْقُ مِـنْ صَـمْتِهِ فَجْرٌ سَيَنْبَثِقُ

لَا نَـسْـأَلُ الـدَّهْرَ عَـنْ وَعْـدٍ يُـخَالِفُنَا

فَـالْـحُبُّ فِـعْـلٌ، وَلِـلْأَفْـعَالِ نَـسْـتَبِقُ

إِنْ كَـانَـتِ الــرُّوحُ لِـلْأَحْـبَابِ مُـنْتَجَعًا

مِــنَ الْـمُـحَالِ لِـهَـذَا الْـحُـبِّ يَـنْزَلِقُ

حبٌّ لا يُبدَّل عنه

كان الحر شديدا، لا سحابةَ في السماء، والعشب الذي أحرقته الشمس يبدو كئيبا بائسا، حتى لو سقط المطر عليه فلن تعود إليه الخضرة أبدا.

بدأ قاسم يتناول طعامه الشهي مع أسرته، ويتشاور معهم في الأمور الاقتصادية، وكانت الأم تُسرِع في التهام الطعام لتواكب أعمال المطبخ.

وبسوء الحظ، سُمع صوت نارجيل يسقط على سقف البيت، فانكسرت إحدى القرميدات، وتراقبت من الثقب أشعةُ الشمس وهي تتسلل بخجل إلى البيت. فتوقف قاسم عن الأكل، ناسيا اضطرار جوعه، ومستحضرا مسؤوليته عن أهله، وطفق يبدّل ذلك بتنهّدات خارقة. وألقت الشمس ضوءها على وجهه، فصار مكلوما بلجام من العرق الغزير.

فقالت الأم:
يا بني، كفّ عن هذا العمل، فالحر شديد، وسنبدّلها في المساء.

فقال قاسم:
لا بأس يا أمي، أصلحها الآن.

وكررت الأم هذا الأمر مرارا وتكرارا، لكنه لم يُبالِ بقولها، بل أعرض عنها. فانتقلت الأم إلى الغرفة، وأخذت حفيدها، وجاءت به إلى الفناء، ووضعته في مكان تتلألأ فيه أشعة الشمس الحارقة.

فاستشاط قاسم غضبا، وقال:
يا أمي، هل أنتِ جاهلة؟ إنه طفل صغير لا يستطيع تحمّل الحر!

فقالت:
لما مسّ الحر ابنك فآلمك، هكذا آلمني حين مسّ الحر ابني.

عندها أدرك قاسم خطأه في لحظة عميقة، فعانقها أشدَّ العناق.

علا صوته كل الممالك نشرة… أبيات شعرية عن الشهيد صالح الجعفراوي

أُصيب لنا جمعاء رعد الكآبة

بنعي شهيد الله صالح غزة

شجاع صحافي كثير الرواية

أحاديث غزة من دفاع وشجعة

هو البطل الراحل سن الحداثة

مؤثر آلاف فؤاد الأعزة

وأخمد صوت الناس بل صوت غزة

بإعدام صالح عامر ذي الإمارة

ورسّخ أهل غزة المستبدّة

محبة عشق عاشق للحبيبة

علا صوته كل الممالك نشرة

صحافا وفي إعلام غزة شهرة

وقد طار صيت بطلنا ذي المهابة 

خلال نشوب الحرب حرب الإبادة

وصوّر أحداث المظالم فجأة

نشيطا قويّ هِمّةٍ وعزيمة

فيا أيها الحافظ يحميك حفظة

بمنٍّ من الله الكريم بمنة

وحياك بالغفران رب البرية

حباك بجنّات وتيجان عزة

الشهيدان أبو عبيدة المشتبهان المتشابهان الكحلوت واللداوي

يوم أن أعلنتُ عن استشهاد أخي الأصغر عبد الله، المكنى بأبي عبيدة، قائد كتيبة الشهيد عماد عقل في لواء الشمال بقطاع غزة، يوم التاسع والعشرين من شهر تشرين أول/أكتوبر 2025، إثر تعرضه قبل عشرة أيامٍ من استشهاده رفقة الشهيد تاج الدين الوحيدي لغارةٍ جويةٍ إسرائيلية، استهدفت مكان إقامتهما غرب مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد الوحيدي فوراً، وإصابة أخي إصابةً بالغةً، بترت فيها يداه من أعلى الكتفين، ومزقت شظية أحشاءه الداخلية أدت تداعياتها إلى تسممه واستشهاده.

ظن كثيرٌ من المتابعين أن أخي الشهيد عبد الله هو الملثم أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، وأعادوا نشر تغريدتي التي أعلنت فيها خبر استشهاده، وذيلوها بعبارات تشي بأنه الملثم، علماً أن جيش العدو الإسرائيلي كان قد أعلن قبل أكثر من ثلاثة أشهر أنه “قتل” الملثم أبا عبيدة، وكشف عن اسمه الحقيقي، وتفاخر الناطق باسم جيش العدو أفيخاي أدرعي بــــ “مقتله”، وأخذت وسائل الإعلام المحلية والدولية تتناقل خبر استشهاده، وتنشر صوره القديمة، وتعيد بثت مقاطع من كلماته العامة وخطب الجمعة إذ كان خطيباً، وغيرها من المناسبات والفعاليات العامة التي كان يشارك فيها بوجهه المكشوف وصورته المعروفة.

إلا أن كتائب الشهيد عز الدين القسام، المصدر الرئيس والأساس الموثوق لدى الشعب والمقاومة، لم تؤكد الأخبار الإسرائيلية ولم تنفها، ولم تعلق شيئاً يعزز رواية العدو أو يشكك فيها، وتركته يتخبط حائراً لا يعرف مصداق ادعائه، ولا يملك القدرة على معرفة الحقيقة، وإن كان جيشه يؤكد أنه استهدف المكان الذي يتواجد فيه أبو عبيدة “الملثم”، بعد أن حصل على المعلومة الذهبية التي تؤكد وجوده، فقرر على عجل، باستخدام أحدث الأسلحة وأدقها وأكثرها فتكاً وتدميراً استهدافه، وظن أن أحداً بموجب الأسلحة المستخدمة في الغارة، ممن يصادف وجوده في المكان حال قصفه لن ينجو من “الموت” المحقق.

بقي الاشتباه قائماً بين الشهيدين “أبي عبيدة” حتى اليوم الذي ظهر فيه الملثم الجديد، أبو عبيدة الثاني، وارث الكنية وصاحب المهمة، وحامل الراية والأمين على الرسالة، والصادح بصوت المقاومة الصادق الرواية، ببلاغة سلفه وبيانه، وبدقة كلماته ووضوح عباراته، وبكوفيته الحمراء وسبابته المرفوعة، وبصوتٍ غزيٍ يكاد يشبهه، معلناً استشهاد سلفه مع كوكبةٍ أخرى من قادة المقاومة ورجالها الشجعان، ومؤكداً أن الراية التي حملها لن تسقط، وأن الصوت الذي عهدناه فيه لن يسكت، والحقيقة التي عودنا عليها لن تغيب، فهذا عهد الشهيد وهذه وصيته، وهذا وعده وهذه هي عقيدته.

إعلان استشهاد “الملثم” أبي عبيدة، أعاد من جديد السؤال عن سبب الاشتباه ووجه التشابه بين الشهيدين، وكأن الاشتباه لم تحسمه الشهادة، ولم يقطع بها إعلان الناطق الرسمي الجديد، فهما فضلاً عن كنيتهما الواحدة “أبو عبيدة”، وأنهما صنوان وأترابٌ وأبناء جيلٍ واحدٍ، فكلاهما من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وينتسبان إلى لواء الشمال الذي خدما فيه لسنواتٍ طويلة، وهما قدراً جيران، وأبناء منطقةٍ واحدةٍ، وشاءت الأقدار أن يكون الملثم عديلَ أخي الشهيد رائد، الذي استشهدت زوجته معه فسبقت أختها زوجة الملثم أبي عبيدة، ما جعل العلاقة بين الشهداء الثلاثة، تتجاوز علاقة المقاومة والسلاح إلى العلاقة العائلية، التي عززت مقاومتهم، وعمقت علاقتهم، ورسخت انتماءهم، وجعلت الشهادة حلمهم ورضا الله عز وجل غايتهم.

اليوم نميط اللثام بحق ونزيل الاشتباه، ونحسم الأمر ونقطع الشك باليقين، ونعلن أن الشهادة شرف ورفعة، وهي عزة ومكانة، ودرجة ومرتبة، لا يرقى إليها ولا ينالها إلا من انتقاه الله عز وجل واختاره من بيننا وميزه عنا، وقد رفع الله عز وجل بالشهداء قدرنا، وجعل لنا اسماً يذكر في الدنيا، وشرفاً نروم به بين الناس، وذخراً نلقاه به يوم القيامة، ففرحت به عائلته واستبشرت، ورفعت رأسها وتفاخرت، وقد سبقها إلى الجنة وكان فرطاً لها، وعلى أبوابها يستقبلها ويمد يده إليها، ومن قبل يشفع لها ويرجو الله عز وجل أن يغفر لها ويرضى عناه.

رحم الله الشهيدين الأغرين، القائدين المقدامين، المجاهدين الصادقين، اللواءين الأكرمين، القساميين الأجلين، المشتبهين المتشابهين، أبي إبراهيم حذيفة الكحلوت “الناطق الرسمي الملثم”، وأبي عبيدة عبد الله اللداوي قائد كتيبة عماد عقل، وغفر لهما ورفع قدرهما، وجمعهما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته الأخيار، وشهداء أمتنا الأطهار، وإخوانهم الذين سبقوا على الطريق، وكتب لنا من بعدهم نصراً عزيزاً، وعزاً مكيناً، ومجداً تليداً، وتحريراً قريباً، وعودةً مظفرةً، وعوضنا عنهم قادةً جدداً، وأبطالاً أُسداً، صادقين مخلصين، واثقين مؤمنين، ينجز بهم وعده، ويكتب بهم قدره، ويعلي بهم حقه، ويحقق على أيديهم نصره.