حين يزهر الحب

الحب ليس حكايةً نرويها

بل نفحة في روحنا تحيينا

الحب بحر لا شواطئَ عنده

من ذاقَه يوما غدا مفتونا

ما الحب إلا رحمةٌ وسكينةٌ

تسمو النفوسُ بها وتزكو دِينا

والحب وبل من حنانٍ هاطلٍ

يسقي الفؤاد حلاوةً إيانا

الحب إنْ حلَّ القلوبَ تبدَّلتْ

فغدا الترابُ بفضله مكنونا

إني لأنظر في الوجود بأسره

لكنّ كون الحب يزهر فينا

لا تطلبوا حبا بقلب كاسر

والحب طير يهتوي مأمونا

فالحب سر الكونِ، لولاهُ لما

وُجدتْ خليقةُ ربِّنا إنسانا

الحب سحر والهيام ظلاله

وبه الحياة تطيب بل تغنينا

والحب يجعل كل قفر جنَّة

وبه الجنان تدرجا تنسينا

أوصافه لا تنتهي أعدادها 

وله الملوك تجاوزوا الأوطانا 

أحبِبْ فإن الحب أجمل نعمة

وبه الحياة مسرة أزمانا

محرم الشهداء

أيا زمان ما أشبه يومك بأمسك فكفى

أبيت إلا أن تجعل لنا المواجع حبلى

في كل محرم نبتلى بشهيد فكفى

ذاك الحسين بغدر العرب قضى

بعده إسماعيل بخسة اليهود ارتقى

أيا محرم لما فيك القلوب تكوى

كيف نكفكف البكاء وكيف نرثي

أعلام الفداء دونهم الأمة ثكلى 

يا هنية هنيئا لكم المقام في العلى  

مع علي والحسين بجوار المصطفى

استبشروا لمن لم يلحق بالبشرى 

أنبكيكم أم نرثي بطن أم عقيمة تكلى

خونة وضعت كجمر الغرقد يشظى

بالذل والخذلان رضى وعن أصوله تخلى

توخى التطبيع للصهيوني ولسوف يصدى

يا هنية لك  جوار المصطفى والبشرى

مع علي والحسين وشهداء الأقصى

لأرواحكم الزكية السلام ولسوف ترضى

ولغدنا سلام وللقدس السلام بالفدى 

ثورة الوجد

دَعِــي عَـهْـدَ الـتَّـقَوْقُعِ وَالْـبُـرُودِ

لِـنُـحْرِقَ مَــا تَـرَاكَـمَ مِــنْ جَـلِيدِ

تَـعَالَيْ نَـنْسِفِ الْأَسْـوَارَ عِـشْقًا

وَنَـنْـسَـى كُـــلَّ تَـقْـيِيدٍ شَـدِيـدِ

أُرِيــــدُكِ ثَــــوْرَةً بَـيْـضَـاءَ تَــأْتِـي

لِـتَـقْـتَلِعَ الْـخُـمُـولَ مِــنَ الْـوَرِيـدِ

تَـعِـبْنَا مِــنْ قِـنَـاعِ الـزَّيْـفِ دَهْـرًا

نُــوَارِي الـشَّـوْكَ زَعْـمًـا بِـالْـوُرُودِ

إِذَا شَـاخَتْ سِـنِينُ الْـعُمْرِ هَـمًّا

فَـجَـدِّدْهَـا بِـعِـشْقٍ مِــنْ جَـدِيـدِ

دَقَـائِقُ مِـنْ صَـفَاءِ الـرُّوحِ تَـكْفِي

لِــتُـولَـدَ مِـــنْ جَــدِيـدٍ كَـالْـوَلِـيدِ

خُــذِي قَـلْـبِي إِلَــى أُفُـقٍ بَـعِيدٍ

لِـنَـبْـدَأْ رِحْــلَـةَ الْـعُـمْرِ الـسَّـعِيدِ

فَـــإِنَّ الْــحُـبَّ أَنْ نَـحْـيَـا جُـنُـونًا

نُــعِـيـدُ بِــــهِ تَـبَـاشِـيرَ الْـعُـهُـودِ

عَشِقْتُ الصَّعْبَ لَمْ أَحْفِلْ بِخَوْفٍ

وَمَـا هَـابَتْ خُـطَايَ مِـنَ الْـوَعِيدِ

سَـنَـتْرُكُ فِـي جِـدَارِ الـلَّيْلِ ثُـقْبًا

لِـيَـغْـمُـرَ نُــــورُهُ كُــــلَّ الْــوُجُـودِ

مطر الوجع

كلّما زيّنوا المطر
بأجمل الأوصافْ،
لم يكن في ذاكرتي
غيرَ وجع قديم مرهَفْ.

كان السوادَ الصغير
الذي رسمتْه السماءُ،
بقطرة تقطُر
من بينِ شقوقِ السقف
على الزي المدرسي
المعلق لِيجُفْ.

كان خطواتِ طفلة صغيرة
تطرق أبواب الجيران مسرعةً،
تبحث عن غِمد نخلة الفوفل
لترقعَ شقوق السقفْ.

كان ليالي طويلةً
لطفلة ساهرة بعين مفتوحة
تحرس من البلل
كُتُبَها المصفوفة
في زاوية الغرفةِ
فوق لوح خشبي قديم أجوفْ.

كان قلقَ مصباح الكيروسين
الذي يقاوم حتى اللحظة الأخيرة
خائفا من أن تنطفئ شعلتُه
بنسمة ريح عابرة تتلطّفْ.

كان أوانيَ مكسورةَ الأفواه،
تركض نحو قطرات السقفْ،
لتجمع المطر المتساقط.
وكان رطوبةَ كيس الخيش
المفروش على أرضية
مطلية بطين ناشِفْ.

كان بردَ الليالي
حين تخترق القطرة الحصيرَ،
وتضم الجسد الصغير
إلى أن ارتجفْ.
فتصطكُّ الأسنانُ
كأنها تعزف لحنَ الخوفْ.

كان لونَ الرجاء وقد بهت
في ملابس معلقة فوق الموقد.
وكان مظلّةً مكسورة
تضحك عليها العيون،
ولا ترى القلب الصغير
الذي كان ينكسر تحتها
مع كل قطرة تُقذفْ.

فقل لي.. بعد كل هذا،
كيفَ أرسم مطري
أكثرَ عُريًا من هذا؟
وكيفَ أرقصُ مع ألحانه
التي تحبّونها بقلب يَنزفْ؟

مطر لا ينقطع

في ليلة ماتت فيها أم كلثوم،

بقيت أمّها وحيدة خارج الباب.

كان الأحبة قد رحلوا،

أخذوا الكراسي المستأجرة،

والفوانيس والحصر،

صار الفناء خاليا مهجورا.

 لفّ الظلام فجأة حتى غشي

 شجرة الزنبق التي زرعتها عند السياج،

فغطاها بالكامل.

وبقي ضوء المصباح الصغير الضئيل،

كأنه يمسح بقايا الدموع.

حذاء خلعته أم كلثوم،

عند عتبة الشرفة الأمامية،

لزمته القطة وكأنها يحنّ إليها

فتحسست بلامبالاة،

ثم مضت لتختبئ في حفرة.

كان ثوبها الصغير البالي قليلا يتأرجح

على حبل الغسيل في الوراء،

داعبته الرياح التي كانت تطوف حوله،

قبل أن تتسلق أغصان الأشجار.

في تلك الليلة،

بينما كانت الأم تبقى وحيدة،

هطل المطر الغزير فجأة،

هرعت الأم إلى الداخل،

وأخذت تلك المظلة الملونة

التي طالما اشتكت

من كسر في قضبانها.

فتحتها وجرت بها ووضعتها

فوق كومة التراب الرطبة في المقبرة.

ومنذ تلك الليلة التي ماتت فيها أم كلثوم،

السماء تبكي مطرا غزيرا لا ينقطع.

عيناك اسئلة

عَــيْــنَاكِ  أَسْــئِلَةٌ  تُــرِيدُ جَــوَابَا

فَــعَلَامَ  تُــغْلِقُ لِــلْهَوَى الأَبْوَابَا؟

أَخْــفَتْ  بِــمَكْرٍ  لَــوْعَةً وَصَبَابَةً

فَفُضِحْنَ  حِينَ الدَّمْعُ مِنْهَا انْسَابَا

ظَــنَّتْ  بِــأَنَّ الــكِبْرِيَاءَ يَصُونُهَا

وَبِــأَنَّــنَا  لَا  نَــعْــرِفُ الأَسْــبَابَا

مَــــا   لِــلْــجُفُونِ   الــنَّــاعِسَاتِ

كَــأَنَّهَا  كَــتَبَتْ  بِأَيَّامِ البِعَادِ كِتَابَا

يَــرْوِي فُصُولاً مِنْ حَنِينٍ مُوجِعٍ

وَيَــصُبُّ فِي كَأْسِ الحَبيبِ عِتابَا

كُــنَّا  كَــرِيشٍ  حَــرَّكَتْهُ زَوَابِــعٌ

هَــلْ  يَــسْتَقِيمُ بِأَنْ نَعِيشَ سَرَابَا؟

يَا مَنْ حَجَبْتِ النُّورَ عَنْ مِحْرَابِنَا

هَــيَّا  نَــعُودُ وَنَــدْخُلُ الــمِحْرَابَا

قَــلْبِي  يَــدُقُّ عَــلَى جِدَارِكِ لَهْفَةً

فَــتَــلَطَّفِي،  لَا تَــتْرُكِيهِ مُــصَابَا

فَــالحُبُّ  سُــلْطَانٌ إِذَا نَادَى النِّدَا

جَــعَلَ الــقُلُوبَ العَاصِيَاتِ تُرَابَا

فَــافْتَحْ لِأَنْــسَامِ الــوِصَالِ نَوَافِذًا

وَاجْــعَلْ  حَدِيثَ العَاشِقِينَ شَرَابَا

العدو الكمين

غدوت يوما أبحث عن نفسي

طلبتها كل الكيان وما وجدتها

فقدتها قبضها منذ أزمان

ولم أبالي حتى بدأ يظلمني

كانت في سلطتي تعمل إطاعة

والآن تسودني وأنا مقبوض

إلا أنا لا أشاهدها أواجهها

قنطت من وجودها في أي مكان

وانصرفت خسرانا عادما

فها هو نداء أيا أسيرا جاهلا

ملتو أنا صرف الأنظار كل الأطراف

إلا ولم يمكن لي أين المنادي

أنا كمين فيك جوفك مستقر

فلا تكثر البحث عني لا تجدني

اضطربت من الكلام المخيف مثل الصرخ

عبد ذليل قد ملك سيده

ويحط بقدميه صدر المالك

ما أعجب الأمر أحوالا

قد صارت السيادة تحت الأسر

وما أصح قول قيل في الدهر

كم من أمير أسير تحت هوى

عدو خفي أشد من ظاهره

إذ لا ندركه وهو مدركنا

شرس هجم يروم كل من

يريد المحاسن في الحياة مزهقا

صياد ماهر قد جاد في الحيل

بكمنه المتميز الفريد المسحر

قوة تصرف الأجسام إلى المكاره

جذبية شديدة وقهر مريد

فلاح ينثر بذور العداوة والشنان

ونواة السامة حقدا وحسدا وغضبا

وكبرا ورياء وسوء الظن

سقاها يوما بيوم إلى كبرها

حتى نشأت وصارت غابات

فإذا نصب للعمل بعد الفراغ

فيا أيها الزميل المخدوع

أصلك مملوئ بمثلها العظيم

والإقلاع بلحظة لا يمكن القوى

فالأمر ضيق إلا إذا أتت ريح

تمرد وتقلع الجذور المشددا

إذا حاولت تبطش نفسك لحظة

وجدت تختفي وتهرب من القهر

فعليك باالمداهنة أولا

ثم تشدها كما شدتك خادعة

فتعرف ان الملك من أطلق جسمه

من أيدي النفس أنيابها

فإن غلبت منها فحسبك

توكل أمرها إلى الجبار الذي

حذر عن بطشه إنه لشديد

بطش علت قوته عن كلما ينقصه

مالك الملوك ذو الجلال والإكرام

آخذ بناصية المخلوقات كلها

فلا تقنط من الخير منه أبدا

تسبح في بحر النجاة والفرح

سليما من كل ملحمة ضجر

قد ضاقت بها الماهية أزمانا

أما قد أفقت الآن من الخطأ

فهمك أن نيل السرور بما

تبغي النفس قصدها هدمك

لكن تظنها ممدة لك كل المدد

وأنها صديقة صاحبة حبيبة بل

ظاهرها البهاء وباطنها العدوان