المقامة الصيفية


( قیلت في ارتفاع الحرارة في ديار كيرالا في أيام رمضان وكان الكاتب نسي عن المقامات حقبة من الزمن وذكرته الحرارة العالية في شأنها وبدأ يكتب وقال )

درس أبو أمان عن الاحتباس الحراري
ودرّسه في بعض صفوف الصغار والكبارِ
وخبّر أبناءه عن مكيف الهواء و أضرارِه
إنه يسـبـب الكثير على كل بـر وفاجرِ

وأضاف قائلا:
في ديار كيرالا اليوم حرارة تعتري
تَرقصُ الأشجارُ والأنهارُ فيها تجري
الشمس تلقي حَرَّها على بر وبحرِ
تُشعلُ النيرانَ في بيت وبر ومدرِ

حرارة في كلِّ يوم وفي كلِّ مكانٍ
تَلامِسُ حقا جلودَ البشرِ والجدرانِ
تُطلُ الظلالُ في الأماكنِ بالتفاني
كالأملِ تُفيضُ بردا لقلوبِ السكّانِ

في هذه البقعةِ من الأرضِ الساحرة
حيثُ البهجةُ في الحقول الخاضرة
تُشعُّ أشعةُ الشمسِ بسخاءٍ ماطرة
تُروي الأرواحُ بأملٍ وأفكار باهرة

على شواطئِ البحرِ ينام الشبابُ
يؤكل الشمام فيها ويُترَك الكبابُ
نسماتُ الهواءِ صدت وتفتح الأبوابُ
يتبارَى الأطفالُ فيها وتنبح الأكلابُ

أيُّها الحارِقُ الشمسُ في ديارِ ملبارِ
عذراً لنا إن شكونا حرَّكَ بالأبرارِ
الحرارة تقتل الحياة لكلِّ جبارِ
وتعيشُ الأسر فيها بمنى منهارِ

كانت ديار كيرالا أمس أرضا جدا زاخرة
أشعةُ الشمسِ الحين تنهالُ على البشرة
تعمُّ أفقَها وتحرقُ أرضَها الآن الحرارة
فتنشغلُ الأذهانُ بالحديثِ عن المرارة

ترقبوا أيها الناسُ، فهل من ماءِ؟
تجفَّتِ الآبارُ والأنهارُ جلها كوباءِ
أصواتُ الطيورِ تختفي من داءِ
والزرعُ يذبلُ هل له من دواءِ

صارت الأمطارُ الندرةَ وخبر كانا
بتنا مرهقين في موسم رمضانا
فأصبحتِ السماءُ غائمة بركانا
تتلاشى آمالُ الناسِ كلها فيضانا

وفي الأفقِ تلوحُ علاماتُ الاحتباسِ
كلمحُ البرقِ يشيرُ لتركيب الكل لآسي
الأرض تتسخّطُ وتحتدي مآسي
دعوات من أجلِ الحفاظِ من أناسي

فلنصلِّي جميعاً بقلبٍ وأمانِ
لرحمةِ اللهِ نستسقي مع إيمانِ
لعلَّ السماءَ تفتحُ أبوابَها لإنس وجانِ
وترسلَ السحابَ ليروي كل نَدْيانِ

بروكرستيز

صوت نداء قد ارتفع

كصوت طلقة سهام

في مهب الريح،

في هدوء غابة كثيفة

خالية من الإنسان

“مهلا أيها الأمير، توقف.”

تردد صداه في الكهوف البعيدة

“مهلا أيها الأمير، توقف.”

الأمير ثيسيوس،

أمير أيقظ اليونان القديمة،

أوقف حصانه الراكض،

مع سيفه الموهوب من والده

ودراع أعطاه جده

وتاج أثينا الجميل.

التفت، نظر حوله.

ظلام كثيف ألقى سدوله

بين يديه كالجدران.

نقيق الصراصير

حول أذنيه ارتفع.

هب النسيم كالجنون.

ماست منه أغصان الأشجار

في طريق بارد في الغابة.

غابة مظلمة،

ما رأى حركة إنسان.

من المنادي من هذا الفج العميق؟

صوت نداء يرتفع

كصوت طلقة سهام

في مهب الريح،

“مهلا أيها المسافر، توقف.”

أخذ الأمير سيفه المسلول،

دوّره وقال:

“من يناديني؟ لا تبقي مختبئًا، تعال”

وحش ذو جسد هائل،

شعر منكوش،

طويل أحمر،

أنياب ملتوية،

كاسٍ من جلود الأدباب.

أطفأ شعلته

ونفخ في ضوء الجمر،

ضحك ساخرا بصوت عال.

تردد صداه في الكهوف البعيدة.

سأله الأمير بوجه طلق:

“أيها الضيف في الغابة،

 ما عرفتك. من معي؟”

ضحك ساخرا بصوت عال

“ألا تعرف بروكرستيز؟

ألم تسمع عنه؟”

منذ زمن طويل،

سمعت أخبار ظلمه،

بكل خوف يروي الناس قصته.

يهرب المارة منه خوفاً.

بكلمات الإقناع يتلوهم،

وإلى المنزل للقِرى يدعوهم،

الخادمون جاهزون،

لتقديم العسل والفواكه لهم.

إذا يغشيهم النعاس في سريره،

ينهب زادهم

ويربط من استيقظوا

بسرير الموتى.

إن كان الجسد أكبر من سريره

فيرمي أرجلهم وأياديهم

مقطوعة إلى البعيد ويحرق.

وإن كان أصغر منه،

دسرهم بالمطرقة وطوّلهم.

جرت في ذاكرة ثيسيوس

روايات خوف من قصة

 بروكرستيز.

غلت الدماء انتقامًا

رعدا وبرقا من الرمح بالرمح

والسيف بالسيف

والحديد بالحديد

في الغابة، ميدان الحرب.

بروكرستيز سقط،

ربطه الأمير بسرير الحديد في كهفه.

قطع العنق رأسًا وجسدا،

رماه إلى الأرض،

أرض متناثرة بالعظام والجماجم.

مغامرة متحمسة،

ثيسيوس نجم خالد

منذ ذلك اليوم

ونور يحمل جبل أوليمبوس

وأبيات شعر لهرموس

لليونان القديمة.

مر الزمان ومرت فيه القرون،

رثت الجثث والقضيب قد انتفح،

تفتحت في كل زهرة قوة.

أثمرت عظام بروكرستيز

في كهوف أثينا فعاد.

ولد مثله ألاف،

بروكرستيزون السياسيون.

ذابوا حديد الأيديولوجيات،

مدوا للناس بيانًا،

وضعوا لهم في كهوف الظلام

ألفا من سرر الحديد.

ينتظرونكم بكل حي،

أتوا بكل إنسان عادي،

طلبوا عن مشاكلهم للحلول

وضعوهم في سرير الفكر.

ضحكوا ساخرين بكل حي.

إن كانت روحهم

أكبر من سريرهم،

رموا أرجلهم وأياديهم

مقطوعة إلى البعيد فحرقوا.

وإن كانت أصغر منه،

دسروهم وطولوهم بالمطرقة.

ينتظرونكم أمام الكهوف

أحزابا أحزابا بكل حي.

متى يعود ثيسيوس؟

بعلامة جهد مبذول

وبسيف مسلول

في نفوس إنسان مأمول

يبحث عن بديل مسؤول…

مكاتبُ التحويل المالية تغتصبُ أموالَ أهل غزة

الجريمة التي ترتكبها مكاتب التحويل المالية، العربية والفلسطينية، في قطاع غزة جريمةٌ كبيرةٌ، لا يمكن السكوت عنها أو القبول بها، ولا ينبغي الموافقة عليها أو تمريرها، فهي خيانةٌ وطنيةٌ، وجريمةٌ ضد الإنسانية، ولعلها كفرٌ وخروج من الملة، فليس مسلماً من يأكل أموال الأيتام، ويغتصب حقوق المحاصرين، وليس عربياً من يتآمر مع العدو ويشترك معه في جرائمه، ويتوافق معه في سياسته، وليس إنساناً ولا ينتمي إلى البشر، من يطمع في كسرة خبز طفلٍ، أو نزع ضمادة جريحٍ، أو حرمان رضيعٍ من الحليب، أو تجويع أسرةٍ وتجفيف قدورها وإطفاء نيرانها، لرغبةٍ منه في تكديس المزيد من الأموال، وجمع الكثير من المدخرات.

جريمة أصحاب مكاتب التحويل المالية، التي تبغي الربح الكبير وتتوخى الكسب الحرام الممنوع، وتمتص دم الفقراء وتنهب أموال المتبرعين، وتغتصب حقوق الغلابة والمساكين، المحرومين المحاصرين، الصائمين قبل الصيام، والجائعين كل الأيام، لا تقل خطورةً عما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي ضد أهلنا المحاصرين فيه، الذين يتعرضون لعمليات القتل اليومية الممنهجة، وسياسات التجويع المقصودة، فهذا العدو يريد قتلنا بالجملة بطائراته ودباباته، أو يعمل على تجويعنا ليمارس ضدنا القتل البطيء بلا رحمة، ولعله يعلم أن الجوع ذلٌ، وأن الحاجة تكسر، وأن الجوع لا يقرص البطون فقط، وإنما يذل الهامات ويحني الرؤوس.

ما تقوم به مكاتب التحويل المالية يشبه تماماً ما يقوم به العدو الإسرائيلي، بل لعلهم ينفذون سياسته، ويطبقون خطته، ويسهلون عليه مهمته، فهو إن لم يكن قادراً على سلب أموال الناس وسرق خيراتهم، ومنع العرب والمسلمين من التضامن مع إخوانهم الفلسطينيين، فهو يسلط عليهم شرذمة قليلة من التجار الجشعين، ورجال الأعمال الفاسدين، وأصحاب المكاتب المالية التي لا تعرف ديناً ولا تلتزم خلقاً، ولا يهمها سوى جمع المال وتكديس الثروات، ولو على حسابِ شعبٍ يموت، وأطفالٍ يتضورون، ونساءٍ قد أوهى الجوع أجسادهن وأذهب قواهن، ورجالٍ اسمرت سحناتهم، وتغضنت جلودهم، وقد ربطوا على بطونهم أكثر من حجرٍ علهم يسكتون به جوعهم، وينسون به ألمهم.

تعمد مكاتب التحويل المالية إلى اقتطاع نسبة كبيرة من أموال المتبرعين والأهل المغتربين، تحت مسمى “العمولة” أو “كلفة التحويل”، وهو أمرٌ متعارفٌ عليه ومقبول، ولا يعترض عليه المستفيدون ولا يجادل بشأنه المتبرعون، فهذه خدمة كبقية الخدمات يلزمها رسوم وتكاليف مقبولة، لكن أن تصل نسبة الخصم 15-20% من قيمة الحوالة المالية، فهذ جريمة كبيرة، وخيانة وطنية، وهي من الكبائر التي لا تغتفر، والجرائم التي لا يعفى عن فاعلها ولا يغفر لمرتكبها أبداً، أياً كانت نيته وجهده، ومهما بلغ عمله وخدماته.

لا تتوقف مكاتب التحويل عند جريمة الخصم غير المنطقي، والعمولة الكبيرة غير المبررة، التي ربما يشاركهم فيها تجارٌ إسرائيليون، بل تلجأ إلى تسليم المواطنين الفلسطينيين في غزة حوالاتهم التي يتعمدون تأخيرها، ويذلون أصحابها والمستفيدين منها في طوابير طويلة، بالشيكل الإسرائيلي، وليس بالعملة التي تم بها التحويل، بل بالعملة الإسرائيلية، وبسعر التصريف الذي يروق لهم ويناسبهم، رغم أن أسعار الصرف معروفة ومعلنٌ عنها.

إلا أن التجار الذين يتحكمون في الأسواق، يفرضون شروطهم، ويطبقون سياستهم، ولا يلتزمون بأسعار النشرة المالية، ولا يعيرون المعترضين اهتمامهم، بل يردون عليهم “يلي ما بدوش ما يلزموش”، و”يلي مش عاجبه ما يحول”، و”مش عاجبك شوف مكتب آخر”، وغيرها من العبارات الفوقية، والكلمات القاسية المؤذية، لعلمهم أنه لا يوجد غيرهم، ولا يستطيع أحدٌ أن يقوم مقامهم ويؤدي الخدمات المالية مثلهم.

تعلم مكاتب التحويل المالية، العربية والفلسطينية، أنه لا خيار أمام الفلسطينيين، ولا سبيل آخر أمامهم، بعد أن دمر العدو بيوتهم وسرق أموالهم، واستنزف مقدراتهم ومدخراتهم، ولا يوجد عندهم مصادر دخل غير ما يأتيهم من أهلهم المغتربين، أو من العرب والمسلمين المتبرعين، سوى أن يخضعوا لها ويدفعوا لها العمولة التي تحدد، ويقبلوا بالنسبة التي تفرض.

لهذا يجب على كل قادرٍ وصاحب سلطةٍ، العمل بكل السبل الممكنة لمحاربة هذه الظاهرة والحد منها، وعدم الخضوع لها والتسليم بها، وفضح العاملين فيها والمخططين لها، ومعاقبة المخالفين والمتجاوزين بأشد العقوبات الممكنة، الذين يتعمدون ارتكاب هذه الجرائم التي تخدم الكيان الصهيوني وتصب في أهدافه، وتحقق غاياته وتلبي رغباته، وتلحق أبلغ الضرر بالشعب الفلسطيني المحاصر المُعَنَّى المعذب.

فهولاء التجار الجشعون الشرهون المحتكرون الفاسدون المجرمون، الذين يفتقرون إلى الأخلاق والقيم، ولا يتميزون بالشهامة والنبل، يجب أن يحاربوا كما يحارب العدو، فهم لا يحاربون الشعب الفلسطيني فقط في قوته ولقمة عيشه، ولا يسرقون أموال المتبرعين ولا ينهبون أموال اليتامى والأرامل والجرحى والشهداء، إنما يأكلون الربا ويستحلون الحرام ويحاربون الله ورسوله، فعليهم أن ينتهوا عن جريمتهم، ويتوفقوا عن سرقاتهم، وأن يتوبوا ويعيدوا للناس أموالهم، ويحفظوا حقوقهم، وإلا فليأذنوا بحربٍ عليهم من الله ورسوله، ” فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ “.

الأمير الصياد


يحكى أن ملكا أحب صيادا فقيرا لطيبة قلبه فأخذه إلى قصره وطلب من الجميع أن يحيوه :”بالأمير الصياد” وأصبح كلما مر بجمع حيوه ومع مخالطتهم له أحبوه وأحبهم, وصاروا يسعدون به وأكثر عندما ينادونه الأمير الصياد ,أصبح الملك يغيب كثيرا ولا يجد وقتا للصياد فيتبادلان أطراف الحديث عن الصيد وشؤونه ولكن الملك لا يحب إزعاج الصياد بأمور الحروب والسياسة التي لا يفهمها ولايفقهها وبقية الحاشية يكتفون بتحيته أهلا بالأمير الصياد مرحبا الأمير الصياد بدأت سعادة الصياد تخفت مع الوقت واختفت حتى أصبح ينزعج ممن يناديه الأمير الصياد فيصرخ بهم ويهينهم ويلعنهم ويطردهم حتى من كانوا من أقرب الناس للملك حتى تجنبه الجميع وأصبح عبءا ثقيلا على الملك إذ بدأ يزعجه ويثقل عليه بتصرفات غريبة وانزعج من وجوده في القصر حتى سأل الصياد الملك ذات يوم:
الصياد:” أيها الملك لماذا أحضرتني هنا ولماذا جعلتني أميرا ولست من أهل الإمارة في شيء؟
الملك: “أحببتك و أردت أن أسر قلبك ،لأنك تحبني وكنت رفيقا طيبا وفياالصياد:” أنت أحضرتني لأجل هذا، لكنك لم تعد الرفيق لي وانشغلت عني.!”
الملك: “لا والله، إنما هي الحياة شغل وعمل ولست ممن ينكرون وفاء الطيبين”

الصياد:” أريد أن أذهب لكن دون أن تكرهني أو تنساني!”

الملك: أيها الأمير الصياد أنا لا أنسى قلبا أحببته لوجه الله”
الصياد: سنلتقي، إلا الجبال لا تلتقي.
الملك:” لكن أتمنى لو تبقى، فصحبتك عزيزة وغالية”
الصياد :”لا أريد أن تكرهني وتقول ليتني لم أعرفه”
الملك:” لكني لم أقل ذلك”
الصياد: “عندما غبت شكوت من تقصيرك للوزراء ولكثير من الحاشية وأبكاني فراقك الطويل وهذا سيوغر قلبك علي مهما عاد الود بيننا.”
الملك:” أيها الأمير الصياد عد إلى غابتك فأنت قد كنت ابنها وستبقى وسأذكرك ما حييت وربما سنعود كما كنا نعم الرفاق”

الخبيزة،النّبات المُقدّس!

لم تتواطأ نبتة الخبيزة مع الذين وقفوا عاجزين عن إدخال كسرة خبز للقطاع، بل انبثقت من الأرض واهبة نفسها بوفرة لمن أنهك الجوع ما تبقى من أجسادهم التي اخترقها الألم من كل الجهات، برا وجوا، رصاصا وحزنا ودمارا، ثم نهش العجز قلوبهم مليا!
تمر بك قبل الحرب عربات البائعين المحملة بحزم البقولة ثم تمضي عنها خالي البال، دون أن تعتريك فكرة واحدة، فم الذي يمكن أن يستوقف المرء عند رؤية نباتات أو خضر تباع؟ لكنك الآن تستطيع الإجابة حينما تعلم أن نبتة سدت رمق من أذبلك التفكير به وتأنيب الضمير وأنت تشعر بالرهبة حينما تمد يدك لتتناول وجبة ما، الآن تدرك أن كل شيء وإن كان لا يمتلك يدا هرع ليمد أطراف أو جذور المساعدة بينما عجزت أزيد من مليار يد أن تمتد للعون…
لم أجرب طعم البقولة إلا قبل الحرب بأشهر قليلة بعدما أقنعتني صديقة أن أتناولها، ثم شاء القدر أن أتذوق تلك النبتة المباركة، نبتة الجنة التي تعرف أهل تلك الأرض جيدا، وتخبئ في أكنافها ذويهم ريثما التحقوا هم بهم.
لكننا حينما نتحدث عن مكانة الخبيزة في فلسطين فلا يشبه الأمر بذلك مكانتها في بلادي أو بلادك، إنها علاقة سنوات بعيدة المدى، علاقة تراث وارتباط بالوطن، عن حيفا وعن أرض سميت بها قرية باسم “الخبيزة”، علاقة ليست وليدة اللحظة قطعا ولم تنشأ عند العجز أو الحاجة التي خلفتها الحرب، بل تبلورت في الذاكرة مرتبطة بمواسم الفرح لا بالحزن، بالاجتماع لا التفكك وفي سنوات كان شتاءها دافئ على أهل غزة وفلسطين حيث كانت النسوة ترددن الأغنيات والألحان والأمثال الشعبية أثناء القطف، وأخال أن الأماكن التي كانت تقتطف بها الخبيزة لا زالت تحمل صدى إحداهن وهي تغني: ” عزمتني عالعشا وتاري العشا خبيزة”! وصوت أخرى وهي تقول: “خبيزة واللبن يكثر”، فتخبئ الأماكن أصوات غنائهن وتحفظ أطياف كل واحدة حتى تنتهي الحرب لتعيد لهن بحة أصواتهن وعزومة العشاء المنسي واللبن الذي كثر بعد نفاذه طيلة الحرب فذاكرة الأماكن أقوى من ذاكرة البشر…
إن في وضع قوت هؤلاء الأبطال في نبتة تخرج من باطن الأرض حكمة، ورسالة لإنسانية واهنة وخرائب جيوش لا تستحق أن يولى إليها أمر إطعام جائع وذلك أضعف الإيمان، ولو تأمل العاقل في الحوادث عبر الزمن لوجد حكمته -سبحانه وتعالى- تتجلى عبر وسائط الأمور بل وأقلها شأنا أحيانا، فالنخلة التي أطعمت السيدة مريم والغراب الذي علم الإنسان والبعوضة التي أهلكت النمرود إلى الخبيزة التي أطعمت أناسا أبى أهلهم أن يطعموهم…
فتقول سيدة فلسطينية نازحة في هذا الصدد عبر محطة تلفزيونية وهي تعد الغذاء، قامت الخبيزة بما عجز عنه جيوش العرب والعالم، فادتنا أكثر من جيوش العالم ولربما تختصر جملتها هذه أسطرا من الكتابة وشرائط طويلة من التفسير والتصوير والشرح، لذلك فالأمور جميعها تغيرت وحال الأمة قبل الحرب ليس كحالها بعد الحرب، وكذلك الشأن بالنسبة لمرورنا أمام عربة تباع بها الخبيزة، هذه المرة تحتم علينا أن ننحني لها تقديرا عن فعلها ما لم نفعل أو بعبارة نحبها وتزيح العبء عن كاهلنا قليلا: في فعلها ما لم نستطع إليه سبيلا…!