حبٌّ لا يُبدَّل عنه

كان الحر شديدا، لا سحابةَ في السماء، والعشب الذي أحرقته الشمس يبدو كئيبا بائسا، حتى لو سقط المطر عليه فلن تعود إليه الخضرة أبدا.

بدأ قاسم يتناول طعامه الشهي مع أسرته، ويتشاور معهم في الأمور الاقتصادية، وكانت الأم تُسرِع في التهام الطعام لتواكب أعمال المطبخ.

وبسوء الحظ، سُمع صوت نارجيل يسقط على سقف البيت، فانكسرت إحدى القرميدات، وتراقبت من الثقب أشعةُ الشمس وهي تتسلل بخجل إلى البيت. فتوقف قاسم عن الأكل، ناسيا اضطرار جوعه، ومستحضرا مسؤوليته عن أهله، وطفق يبدّل ذلك بتنهّدات خارقة. وألقت الشمس ضوءها على وجهه، فصار مكلوما بلجام من العرق الغزير.

فقالت الأم:
يا بني، كفّ عن هذا العمل، فالحر شديد، وسنبدّلها في المساء.

فقال قاسم:
لا بأس يا أمي، أصلحها الآن.

وكررت الأم هذا الأمر مرارا وتكرارا، لكنه لم يُبالِ بقولها، بل أعرض عنها. فانتقلت الأم إلى الغرفة، وأخذت حفيدها، وجاءت به إلى الفناء، ووضعته في مكان تتلألأ فيه أشعة الشمس الحارقة.

فاستشاط قاسم غضبا، وقال:
يا أمي، هل أنتِ جاهلة؟ إنه طفل صغير لا يستطيع تحمّل الحر!

فقالت:
لما مسّ الحر ابنك فآلمك، هكذا آلمني حين مسّ الحر ابني.

عندها أدرك قاسم خطأه في لحظة عميقة، فعانقها أشدَّ العناق.

زئير الأسد سماء اليأس

في عهد الحكم البريطاني، توافد المبشّرون المسيحيّون من أوروبا إلى مناطق الهند للدعوة إلى دينهم المسيحي، وطفقوا ينشرونه في كل أنحاء العالم. وبدأ الناس يَنْجَرِفون إلى دينهم كفيضان الماء في النهر، فارتفع الخوف في قلوب المسلمين؛ إذ أعلن المبشّرون تحدّيًا للمسلمين قائلين: «هل منكم رجل رشيد؟ إن غلبتمونا في المناظرة خرجنا من الهند

مرّت الأيام كالأحلام، وانقضت الليالي كالأعراس، ولم يتقدّم أحد من المسلمين لقبول التحدّي؛ لأن الخوف من الفشل كان مسيطرًا على قلوبهم.

وفي صباحٍ ندِيٍّ طيّب النسيم، حين انقطع رجاء المسلمين وفشا اليأس القاتل والظلام الحالك، وانسدّت جميع منافذ الأمل لإقامة دينهم في قارة آسيا، تهيّأ رحمة الله الكيرانوي للمناظرة كزئير الأسد.

ارتفع الوعي في الساحة، واحتشد الناس جميعًا لمتابعة المناظرة. وألقى المبشّرون على رحمة الله الكيرانوي ثلاثة أسئلة بسيطة:

الأول: أين محمد؟

فأجاب بقوة ونشاط: إنه عند الله.

الثاني: أين كان محمد وقت معركة كربلاء؟

فقال: عند الله، لأنه توفي قبلها.

الثالث: ولِمَ لَمْ يشفع لحفيده كي لا يُقتل في كربلاء؟

في البداية بدا عليه التردد، وكأنه وقع في دوامة التفكير، فكرّروا السؤال مرة ثانية، ولم يحر جوابًا. فازداد سرورهم، ثم أعادوا السؤال مرة ثالثة وقالوا: «إن لم تجب هذه المرّة فستُعلِن فشلَك

فسكت برهة، ثم قال بقوة وحكمة:

«أنتم تدّعون أن عيسى ابن الله، فلماذا لم ينجِّه من الصلب؟ فكيف ينجّي محمدٌ حفيدَه من القتل؟»

فطأطؤوا رؤوسهم ذلًّا ودهشة، وألقوا سلاح الجدال أمام رحمة الله الكيرانوي معترفين بالهزيمة وبطلان دعواهم.

واستقبل المسلمون البطل استقبالًا حافلًا، وعبّروا عن تهانيهم بالتصفيق الحار.

يوم لا ينسى

يا له من صباح يوم جمعة وادع، يتهادى فيه النور عبر ستائر النافذة، حاملا معه تغريد العصافير كألحان رقيقة توقظ المدينة. استيقظت فاطمة على هذه السمفونية الطبيعية، لتجد دفء عائلتها يحيط بها: أباها خالد، وأمها ليلى، وأخاها محمد، وأختها الصغيرة جميلة.
وفي غمرة هذا الصفاء، أعلن الأب خالد لأمها ليلى بابتسامة:

“لنذهب إلى ‘ويناد’ اليوم، نُغيّر الأجواء.”
ولكن إعلان النزهة لم يبعث في قلب فاطمة سوى القلق. تضجرت بشكوى صغيرة لأمها، مشيرة إلى كومة ثيابها:

“أمي، إن لباسي قبيح وقديم… ماذا أفعل؟ وكيف سأظهر به؟”
هنا، تحوّل الأب خالد من رب أسرة إلى حكيم يغرس بذرة الوعي. اقترب من ابنته بهدوء بالغ، ونظراته تحمل عمق تجارب السنين، وقال:
“يا فاطمة… انظري حولك. كم من إنسان ليس له إلا لباس واحد يستر به عورته، وكم من قوم لا يجدون قوت يومٍ واحد، ولا يتذوقون طعاما لذيذا أو شرابا طيبا. ومع ذلك، يذكرون الله ويدعونه في كل لمحة ولحظة، ويعبدونه بخفية وتضرع لا يعرفه أحد.”
ثم رفع الأب بصرها إلى أفقٍ أوسع وأكثر ألما:
“يا فاطمة… تذكري أهل فلسطين، وهم يقفون شاهدي حق على طريق الله، يواجهون تحديات جساما ومشقات عظيمةً من أعدائهم. إنهم يجاهدون بكل ما أوتوا من قوة ليعززوا بقاءهم ومكوثهم في وطنهم . إنهم يرون أحباءهم موتى بين أيديهم، ولا يمكن لأحد أن يدرك عمق حزن الأمهات اللواتي يفقدن قطعة من أكبادهن جراء أعمال عدوهن الظالم.”
توقفت الكلمات في صدر فاطمة، فشعرت بخطأها ضئيلا جدا أمام عظمة بلاء أولئك القوم. اهتزت روحها وتفتحت بصيرتها، فاعتذرت لوالدها عن شكواها بدمعة ندم وصوت خافت.
لقد كانت تلك الواقعة درسا أثّر فيها تأثيرا عظيما، فخلّدت ذكراها في كتابها، وسمّت الفصل الذي روته فيه: “يوم لا يُنسى”.

العبرة : انظر دائما إلى من هو أسفل منك في أمور الدنيا وإلى من هو فوقك في أمور الآخرة فهو حل لكل مشكلة سواء كانت قلبية أم نفسية.

رؤية واهنة

على ضفّة النهر، في ظلّ أشجار الجوز والصفصاف، جلس ابنُ فلاحٍ يتأمّل الماء الجاري بهدوءٍ وسكينة، حيثُ تتحدّث الطبيعة بصمتها، الأغصانُ تتعانق، الأزهارُ تتمايل، والطيورُ تتغنّى. كلّ شيءٍ هناك ينادي بقيمة الحياة، يبشّر بالروح.

عاد من المدرسة ذات مساء، فدخل بيته فلم يجد فيه أحدًا. لم يرَ سوى بابٍ موصد، وسكونٍ عميق. خرج متسائلًا، فصادف جارَه، فسأله، فأجابه بكلمة واحدة اختزلت كل شيء: “زواج”. سادَه شعور بالوحدة والضياع، فبدأ يركض، كأنّ الأرضَ تجذبه أو يفرّ منها، حتى أوصلته خطاه إلى طرف المدينة، ثم إلى الغابة.

ركض عبر الجسور والساحات، جاب جبالًا جرداء، وسلك طرقًا لا يعرفها، إلى أن وصل غابةً موحشة، يسمع فيها زئير الأسد فيختلجه الرعب، وتغريد الطيور فيسلّيه شيء من الأمان.

ركض بسرعة دون أن يلتفت، حتى رأى من بعيد دخانًا يرتفع. اقترب ليستطلع، فإذا هو بتنّورٍ نارٍ يلتفّ حوله أربعة رجال يشربون الخمر. انضمّ إليهم حتى لا يشعروا بغربته، وشاربهم حتى ترنّح معهم سُكرًا، وسلكوا جميعًا طريقًا ملتفًّا تتدلّى الأشجار من جانبيه.

ثم وصلوا إلى أجمةٍ كثيفةٍ مظلمة، تختلف عن باقي الغابة، فدخلوا إليها واحدًا تلو الآخر، ثم خرجوا وثيابهم بأيديهم، ووجوههم غريبة الملامح.

اقترب خفية، فإذا بصوت امرأة يهمس بألم، خافتًا متقطعًا، يشبه الأنين. شعَر في أعماقه أنها أمّه، فتمتم في نفسه:

 “ليت هذه الأجمة الحالكة… هالكة.”

وفجأة… نبح الكلب:

“واه… واه…”

فاستيقظ من نومه مفزوعًا.

كانت شياه تمرّ أمامه، وصوتُ نباحٍ في أذنه، وذكرياتٌ غامضةٌ تتلاشى.

فتح عينيه، فإذا هو في بيته… وأمّه أمامه، تقدّم له كوب ماء.

………….

المنظر المهيب

………………….

كانت ليلة شتائية في شهر ديسمبر، تعالت أصوات تهيب بالفتاة.

وكانت تحدق فى السماء من فوق السقف تفكر فى خلق الكون، وتحمد الله وتثنى عليه.

حتى رأت الطيور تحلق فى السماء وتتأمل حريتها فإذا نزل صاروخ بالسقف فدهشت وتوترت ونزلت الدرج بسرعة، وينظر أهلها إلى السقف بالتحير والإعجاب.

كانت تتنفس مهيبة ومضطرة وتريد أن تعرف الظروف المتقلبة فى حىّ خان يونس.

“ماذا أصابك يا بنتي الحبيبة؟” سأل والدها.

“لا أدري، ولكن رأيت صاروخاً قادمًا إلىّ فتحركت شيئًا، ونزل على سقفى وما حدث بعد ذلك فلم أعثر على أي شيء. ولا أدرى كيف نزلتُ إلى هنا؟” كانت تقشعرّ من شدة الخوف.

“رأيت هناك النار والأشباح” قالت. ولكن لا تدري ماذا تقول؟

“استرخى يا حبيبتي!” قال أبوها. “حسبنا الله ونعم الوكيل” كان يتلو الآية ويكرّرها مرارًا وتكرارًا. ثم ناجى فى أذن بنتها: “ألا تتوكلى على الله يا بنتي الغالية؟”

“بلى!”

“لا تقلقي واستريحي لدقائق.”

فاسترخت لثوان ثم دار المنظر المهيب في نظرها فنهضت من الفراش وبدأت تسعى في الدار كالمجنونة.

فأعطاها أبوها حبوب النوم، وغلب عليها النوم ونامت إلى وقت الفجر حتى سمعت نداء المؤذن قائلا: “حي على الصلاة” فقامت وتوضأت للصلاة حتى فرغت من صلاة الفجر وتلت القرآن حتى بلغت الآية: “ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون”.

تفكرت وتدبرت فى هذه الآية لبضع دقائق حتى أدركت سر الحياة ثم شعرت بالاسترخاء وبدأت على سبيل المثال وتوجهت إلى المطبخ وأعدّت الفطور ودعت أفراد العائلة على المائدة للفطور. جلس كلهم للفطور ومدّوا أيديهم إلى تناول الأكلات المتنوعة اللذيذة، ونسيت هى كل ما حدث بالبارحة وحمدت الله على هذه النعم العظيمة والحياة السعيدة. فإذا تحولت حياتها إلى الظروف السيئة ودار المنظر المهيب فى عينيها مرة أخرى حينما سمعت صوت الانفجار وسقطت صواريخ عديدة على سقفها فحاول كل منهم أن يفروا إلى مكان محفوظ.

فإذا وجدت مظلة حياتها تنكسر ورأت مصباحها ينطفئ فهو الذي ينبعث الحياة، كان تحت القصف محروقًا فى حالة السجدة يتلو الآيات: “إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون” وأحيانًا “حسبنا الله ونعم الوكيل”.

فهرولت إليه وحاولت أن تأخذه ونجحت فيه ولكن بلا جدوى!

نادته “يا أبى مسيرة حياتى! أين أنت؟ أنا معك أريد أن أتكلم وأنت صامت؟”

رأت إليه وهو مات يبتسم وجهه فصرخت وسعت فى كل أطراف البيت تنادى أفرادها ولكن كان الصمت طويلا هنا فخاب أملها ولكنها لم تفشل. أدارت نظرها إلى جميع الجوانب حتى وجدت أمها فى حالة الغشى فتسرعت بها إلى المستشفى خائفة من حملة فاجئة.

وعندما وصلت، كان المستشفى يزدحم بالجرحى والمرضى، تحركت بحذر بين الحضور تبحث عن طبيب أحمد سعيد حتى دنت منه واستسلمت والدتها إليه للعلاج.

ثم عادت إلى بيتها المدمر لكي تهتم بتدفين والدها ولكن لم تجد أي شخص في الحىّ.

كانت تدور من بيت إلى بيت وتحاول أن تتصل بالأقرباء الذين كانوا يسكنون فى مدينة أخرى ولكن خطوط الكهرباء والهاتف كانت مقطوعة، فكانت المنطقة بأكملها مغطاة بسحابة من الدخان والصواريخ الإسرائيلية مازالت تتساقط وتخرب السكن وتحرق جميع السلع المنزلية.

كانت سعاد تبحث عن شقيقها وشقيقتها تحت الدمار كالمجنونة وأصيبت بصدمة عنيفة وكانت الأم تتأوه من الألم وحدها فى المستشفى.

مدت يديها للنصر ولكن المنظر كان مهيبًا، لم تر أي شيء من العافية إلا انفجار الصواريخ المسلسلة وأصوات القنابل المتوحشة.

وبدأت تمشي حتى لم تعد فى استطاعتها المشي وكلما اقتربت إلى الحي غارت في الظلام وابتعدت.

ثم رجعت إلى المستشفى فوجدت أمها في حالة الوجع فاضطربت وسارعت إلى الطبيب وشكت إليه من وجع الأم فاطمئنها وقال “اصبري يا بنتي، فإن الله مع الصابرين”.

فوجدت القوة فى قلبها بهذه الجملة ثم عادت إلى أمها فآستها وبدأت علاجها بالصمت ولكن الصمت لم يدم طويلا ….سألت أمها عن أبيها.

أجابت سعاد بدون رؤيتها: “هلا تقرأي يا أمي؟ “إن الله يأمركم أن تودّوا الأمانات إلى أهلها”

“بلى!”

“ألم تقرأي “كل نفس ذائقة الموت”

“بلى يا بنتي، ولكن ماذا تريدين بهذه الأسئلة؟”

ففاضت دموعها من عينيها وقالت: “إن الله قد أخذ أمانته وعلينا أن نرضى بأداء الأمانة بدون جزع وفزع”

فصرخت أمها وحاولت أن تقام، فقالت سعاد: “ابقي يا أمي. لا تحزني، إن الله معنا”

ومضت دقائق وأنها كانت بحاجة أن يعطف بها ولكن من يعطف؟

ثم ودّعت وتوجهت إلى بيتها لكي تدعو الأقارب، والحزن يخنقها. والدنيا أمامها ليل ….. فهناك قمر تمر عليه سحابات، وهناك بيوت تمر عليها أدخنة الصواريخ والقنابل ولم تسمع إلا صرخ الحيوان وبكاء الإنسان ومشت في هذه ظروف سيئة حتى وصلت إلى بيتها ورأت أبيها ملقيا على طاولة الطعام فاجتمعت قواها وتلت القرآن “ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً” وبادرت إلى اهتمام بالتدفين بنفسها حتى رأت أشباحًا طويلة سارعت إليها فخافت فإذا سمعت منها صوتًا خافتًا، “لا تخافي، نحن جئنا باستقبال ضيفنا” وفجأة وجدت القوة فى أعضائها وتسربت الطمانية فى روحها حتى حملت أبيها على كتفيها ثم ألقت جسده على الفراش فقدمت تلك الأشباح إلى ميت ومشت به إلى قبر المنطقة.

انتهت مرحلة التدفين ولكنها كانت متوترة بأنها لم تعثر على أفراد عائلتها ومازالت تدور إلى المستشفى حتى شفا الله أمها فرجعتا إلى البيت.

وما زال الكهرباء والشبكات مقطوعة.

ومضت الأيام فى التوتر وكانت تبحث عنهم فى كل حين.

هى وأمها جلستا فى الظلام فإذا رأتا أشباحا قادمين إليهما من بعيد فخافتا ولكن رأت شقيقها وشقيقتها فى لمحة أخرى وكان كلاهما سعيدة وعانقتهم، فهم كانوا جميعا مغطين بالغبار وملابسهم ممزقة فدخلوا البيت بالسلام والسؤال.

“أين أبونا؟”

“هو راح”

“إلى أين راح؟”

“إلى داره الأبد”

“ولكن كيف؟ كيف حدث هذا؟ لا نتيقن” سألوا معًا وصرخوا…..

قالت: “في يوم نزل الصاروخ ببيتنا”

رجعوا إلى بيتهم بالفرحة والسعادة ولو كانوا فى حالة سيئة ولكن انتقلوا إلى صدمة عنيفة.

وكان الصمت طويلا دون كلام إلا بكاء وصرخة.

فتسلّت بهم سعاد بآية “لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا……”

فقدروا على أنفسهم ووجدوا القوة.

ومرت الشهر على هذا الحال حتى عادت الكهرباء والإنترنت، وأعيد كل شيء وسط الأنقاض إلى وضعه الطبيعي، وانقشعت غيوم الخوف والظلام ولكن المنظر كان مهيبًا فى عينيها فى كل لمحة…..

غرقت في التفكير بدون كلام…… 

الغريب

تندب النائحات “وا أباه”، دموع مترقرقة تنتهي إلى البحار. أرى فيها صورة الأشجان وملامحها، قطرة قطرة، كأنّما رسمها الفنّان في لوحته.

تقف الأمّ وحيدة طريدة، تبرّدت رجلاها ويداها الناعمتان، كأنّما اقتلعت من الثّلّاجة. ويلتهب فؤادها وقلبها لفراق الأب الشّفيق، حتى كاد أن يحترق، ويبعث بنانها شعرا في ناصية أخي الصغير الذي صار يتيما ولطيما.

الشّمس تبثّ أشعتها الأخيرة على كوخنا الصّغير، حتى رمت بنفسها في لجّ البحر العميق، وهي تملأ ألم الوداع والفراق. نعيت بوفاته حينما كانت عيني تسرح في الكتاب في مدرستي، ببعد من خمس كلومتر من كوخنا، وترنّ فيها أصوات صديقي كالصّدى الرّنان، وهو يقرأ بأعلى صوته قصّة الموت.

كان أبي ظلّا ظليلا وآرفا كالدوحة وقدّمت إليّ أقربائي بالعزاء والسلوان، حتى وجدت بردة الراحة في صدري.

شيّعت الجنازة بين من يمرّ ويركب، أقلعت رجلي على حين، وأخطو خطوة يسيرة لكي لا تتألّم الأرض التى ستعانق أشعرها من أبي كأنّما أعرض أبي ضمّتي إلى ضمّة الأرض.

قلّبت صفحات ذاكرتي ورقة ورقة، حتى وجدت ورقة أبي الذي يمسك يدي في كلّ مصيبات، وورقة يحسن فيها أبي إليّ، حتى أكون في غمّ عميق وجرّعت علقم النّدم وتعب خدّي بالدّموع وجريت إلى غرفة أبي مخبوءا وجهي، ورأيت مذكّرته القديمة وقلّبت أوّل ورقة. فلمّا اطّلعت على السطر الأوّل، اختطفت عيني بسائر الهموم والكآبة وخررت على الأرض مغشيّا عليّ.

في ليلة ليلاء، ذاهلة النجم ما بين الطرفين، وفي هجدة طويلة وفي رقاد عميق، أتت ملائكة الأحلام بأبي. وألقيت عليه السّلام وهو يسكت فأعدت عليه السّلام، فعاد الصّمت مرّة أخرى. وقلت بصوت مرتعش:

– يا أبي…هل أنت.. تكرهني…؟

رأيت أنّ لسانه يتحرّك ببطء، ولكن لم أسمع صوته. تنقش أغاريد الطّيور من وراء البحر.

فجأة، انطلق صوت لم يتوقّعه أحد، من فم أبيه:

– يا بنيّ هل سمعت قصّة الإبداع عن الشّجعان؟

– لا.. اسمع لي قصّة الشّجعان … من فضلك

نبس بنت شفتيه أن تقصّ:

تساقطت حبّات النّدى على الورود النّديّة، وأشرق الصّبح بنسيماته العذبة. لمّا دفّق الله روح والد شامل، كان شامل يلعب في الميدان، فصرخ أصدقاؤه بخبر وفاته، هرول إلى بيته بخدّ قد استولت عليها دموع مترقرقة.

يئنّ أنين الوالهة الثكلى في الفراش، وسقط على الكرسيّ باكيا منتحبا، قد زحف في قلبه همّ وحزن، وبقي في باله طوال الدّهر. ولكن اندرأت في قلبه فكرة محمّد ﷺ وتنوّر قلبه بالهداية المجيدة.

فجأة، استيقظت من حلمي، وأطفأت دموعي التي جفّت على خدّي، وزال حزني الذي رسم على صميم جلدي، حتى أطلقت من شبّاك داري نظرة مختلسة إلى البدور التي تسبح في نهار السّماء، والقراقد ترقص بضياء العالم. ذهبت قرب البدور، وسمعت أذناي غنّة العصافير التي تجلس على أغصان الأشجار وهي تنشد وتغنّى:

ليس الغريب غريب الشّام واليمن

إنّ الغريب غريب اللّحد والكفن

فتأمّلت سطور مذكّرة أبي “اللهمّ اغفر لابني وزوجتي، لانّهما شقيقتان في حياتي وامنح لهما الجنّة والمقام العالي، ولو أُلقيت في نار جهنّم الأليم”. امتلأ قلبي بعبرة قصّة الشّجعان. ومررت من عالم الكآبة إلى عالم الشّجاعة حتى لقيت ملك عزرائيل.

قصة قصيرة

كان جاك عسكريًا مشهورًا في الأردن. وكان يعيش حياة البذخ والفرح مع عائلته وأصدقائه، ولكن هذا السرور لم يدم إلى الأبد. غير القدر مسيره، حيث نُفي من وطنه بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. في الحقيقة، كان جاك بريئًا مما اتُّهم به، وإنما أعداؤه وحساده بسبب سمعته ورفعته جعلوه في قفص الاتهام.

”أيها الشرطيون، هذه المحكمة تقضي بإبعاده إلى تل أبيب في شمال إسرائيل لمدة عشر سنوات، قوموا بذلك فورًا.”

أعلن الحاكم جورج كارنل، لم يكن جاك قادرًا على سماع هذا الحكم الذي يكسر القلوب. لحظة… شعر وكأن الأرض تطوى من تحته. خفق قلبه، وتسارعت أنفاسه، وانهمرت دموعه، ولم يجد ما يقوله… 

“سيدي… سيدي… أنا بريء، أنا بريء“

ولكن لم يكن هناك من يسمع كلماته. غادر القاضي المحكمة قاصدًا غرفته، وحينئذ قيّد رجال الشرطة جاك بالأصفاد وأخرجوه إلى سيارة الشرطة.

(بعد مضي يوم في البلد الجديد الذي لاجئ إليه بعد تغريبه…اقرأ الباقي) . 

سرعان….ريح شديد هبت من ناحية الغرب أيقظه من نومه “يا رب ماذا وقع لي” مسح جاك عيناه بيده ونظر جيدا يمينا وشمالا لكن ولم يجد هنا أحدا، لا يدري أن قلبه يخفق بشدة من الفزع والخوف… وكان عيناه مليئة بالدموع الحمراء. 

بعد مضي يوم في البلد الجديد الذي لجأ إليه بعد نفيه، فجأة… هبّت ريح شديدة من ناحية الغرب أيقظته من نومه.

“يا رب، ماذا حدث لي؟”

مسح جاك عينيه بيده، ونظر جيدًا يمينًا وشمالًا، لكنه لم يجد أحدًا هناك. لم يكن يدري أن قلبه يخفق بشدة من الفزع والخوف… وكانت عيناه مملوءتين بالدموع الحمراء.

أين أمي الحنون… وأبي الرحيم… وزوجتي الحبيبة… وبناتي…؟ وكان ألمه أكبر من أن يُصبر عليه.

قام جاك من مضجعه الذي بات فيه قريبًا من موقف الحافلات. فمسح عينيه بطرف جبته التي كان يرتديها، ومشى قاصدًا أي دكان قريب من الموقف.

وطوال مشيه كان يترنح يمينًا وشمالًا، لأنه كان متعبًا جدًا ولم يأكل شيئًا منذ أن ركب البحر.

وعندما استمر في سيره، رأى جاك دكانًا صغيرًا من بعيد، فأسرع إليه حتى وصل أمامه. (كان يظن أن صاحب الدكان مشغول بأمر ما).

“يا سيدي… أعطني قطعة خبز… أنا جائع منذ أيام… وعطشان…”

قال جاك بصوت خافت، ولم يستطع أن يرفعه، لأنه أصبح ضعيفًا بسبب سفره الطويل.

“اخرج من هنا أيها الشيطان اللاجئ… اخرج!“ ورفع صاحب الدكان يده ليضرب جاك.

فتحرك جاك، وسارت قدماه باحثًا عن دكان أخرى. فحينئذ وقع نظره على لوحة معلقة في زاوية الدكان، وقد كُتب عليها: ‘لا دخول للاجئين’.

فأحزنه ذلك وأثقل قلبه بالغم. وكل من رآه في الطريق عبس وجههم وبصق تجاهه.

ولم يستطع جاك الاستمرار في المشي على هذا الحال البائس، فأراد أن يستريح قليلًا تحت شجرة قريبة منه.

“الساعة الثانية عشرة.” نظر جاك إلى الساعة المنكسرة التي كانت في يده، فامتلأت عيناه بالدموع مرة أخرى…
“أبي، هذه جائزة مني، صنعتها بيدي.”
توقَّد شوق جاك لسماع نداء “أبي”.
هذه الساعة التي أهدتها إليه ابنته في يوم ميلاده، حين بلغ الثلاثين من عمره، أعادت إليه ذكرياتها وزوجته الحبيبة.

وبينما هو جالس، وقع بصره على كوب ظن أنه ماء، تركه أحد الرحالة الذين مروا بهذا الطريق.
نهض جاك واستجمع قوته وجرى نحو الكوب المتروك، ولكن للأسف، عندما وصل إليه، وجده فارغًا.

ولم يستطع جاك الصبر على ذلك، فتمتم قائلًا: “يا رب… ألا تدري أني بريء؟ فلماذا لا تخلصني؟” ثم عاد إلى تحت الشجرة التي كان يجلس تحتها.
وكانت الشمس قد اشتد حرها، إذ لم تهطل الأمطار منذ أيام طويلة.

ولكن شعلة الرجاء ظلت متقدة في قلبه، وكان يؤمن بأن صباح الخير سيأتي.

كثرة الأفكار المزعجة دفعت جاك إلى النوم وهو ناعس، فهبت نسمة من وراء الشجرة… غطّ جاك في نوم عميق، ولم يدرِ أنه نائم. مرت الساعات… وجاك ما زال مستغرقًا في نومه. وفجأة، قبلة على وجهه وصوت نداء:

“أبي… أبي!”

فتح جاك عينيه ببطء، متجاهلًا النداء في البداية، ظنًا منه أنه مجرد حلم. ولكن عندما تكرر النداء، نظر جيدًا، ولم يصدق ما يراه! ابنته الحنونة أمامه، وزوجته الحبيبة!

“يا رب… ما هذا؟ هل أنا ما زلت أحلم؟”

تلاحقت أنفاسه، وانهمرت دموعه، ولم يجد ما يقوله… وما هي إلا لحظات حتى تعانقت الصدور، وامتزجت الدموع بالفرح.

“حبيبي… حبيبتي… لقد استجاب الله دعاءك!”

وأخيرًا، سمح لهم الحاكم بالمجيء إليه. انهمرت دموع الفرح والسرور، ولكن عندما نظرت زوجته إلى جروح جسده، غلبها الحزن، فقد كانت آثار ظلم الناس له، فقط لأنه لاجئ غريب. قالت له بحزن:

“دع عنك همّ الطريق… لا أحتاج إلى شيء بعدكما.”

نهض جاك مستندًا إلى كتف زوجته، ومشى مترنحًا يمينًا وشمالًا، باحثًا عن غابة بعيدة عن عيون الناس. عندها تمتمت زوجته بغيظ:

“الحيوان خير من هؤلاء الظالمين الكافرين!”

لكن جاك لم يكن يسمع شيئًا، فقد كان كالمخمور من شدة الفرح بلقائها. وبينما هو كذلك، وقع بصره على بركة ماء زاخرة…

“دعني يا حبيبتي… أشرب…” ترك يده من يدها وركض مضطربًا نحو الشاطئ، ولكن في أثناء الجري، سقط جاك على سطح الأرض ولم يتمكن من الوصول إلى الماء. فغلق عيناه، ناطقًا: “يا الله… لماذا هذا؟”

“حبيبي… لا تتركنا وحيدين…” صراخ وصياح من الأم وابنتها، ولكن لم يسمع أحد. جلست الأم أمام جثة زوجها، كانت عيناها تفيض بالدموع… “أبي… أبي!” نداء من الابنة الصغيرة، لكن الأب لم يسمع نداءها. “يا للأسف.”

“يا ابنتي، ليس معنا أبوك… إنه تركنا وحيدين… لا بل إنهم قتلوا أبوك! الإنسان أظلم من الحيوانات.”

لم تستطع الزوجة الصبر على هذا الفراق المؤلم، استجمعت قوتها وأخذت ابنتها بيدها، جرت نحو الشاطئ. لم تفكر في شيء، لأنها كرهت أن تعيش في أرض قتل فيها زوجها. لحظة… طرحت نفسها وابنتها في فيضان الماء الشديد، واختفتا في سكون الأرض الطويل… ظهر المساء، وجن الليل، وبعد ذلك طلع الفجر. وفي الصباح، رأى بائع اللبن في طريقه إلى المقهى في زاوية من النهر، جثة الأب وزوجته وابنته، لكن لم يشعر بأي خوف أو قلق، لأنه كان يعرف أن هذه الأمور معتادة في بلده، فاهملهم واستمر في سيره إلى السوق. وفي طريق عودته إلى البيت، لم يجد تلك الجثث الثلاثة. “اليوم حظ سعيد للنسور!” قالها لنفسه وضحك، وعاد إلى بيته، ولم يلتفت إلى الوراء مرة أخرى.