حينما صعق البرق

الدكتورة سميه رياض الفلاحى

كان متوسط القامة، طويل الباع، صابح الوجه، اسمر اللون وفخم البطن يقضى أيامه فى بلدة الجبيل فى المنطقة الشرقية من الدمام لكسب العيش. وكان اعتاد أن يدعو أصدقاءه إلى مائدة واسعة كل يوم ثم أن يزور معهم إلى منتزهات وشواطئ البحر طوال الليل ويعود إلى بيته فى السحور وهذا الجمع المطبوع على حب الظهور والصداقة.

وكان يعيش عيشة كريمة وهو ماض فى طريقه بأجنحته الفخمة يعنى بشيء مما حوله فلا يسمع لمشكلة إلا أن يسرع إلى حلها ولا يرى مأساة إلا أن يشتد ألمه وتقوى رغبته فى إزالتها. وكان ذا مقدرة ومحبة لدى ذويه وفى قريته. فإنه بلا شك كان يقضي أوقاته مفكراً بأموره … وتتابعت الأيام….

وظل يبقى فى المتجر فى اليوم ويسهر الليالى مع الأصدقاء المحبين ثم يعود إلى بيته هنيئا مريئا ويفرح مع عائلته المثقفة تشمل الزوجة وبنتين. ومضت الأيام حتى جاء يوم زوج ابنتيه فى وطنهما ولحقتا بزواجهما، ولقد كان يبغى رؤيتهما ومقابلتهما….

وكان يشعر بضيق الصدر لفراق ابنتيه ويفكر في أمر الذى يسهل الطريق للتعايش مع عائلته الكاملة. وتتابع مر الأيام والسنوات، ولكن ذكراهما كانت تعاوده. وانتهى موسم الشتاء وقصد إلى وطنه وشد الرحال إلى بومباي وعادت الحياة تدب دبيبها المزعج حينما وصل إلى عائلته وزادت حياته نشاطا وابتهاجاً.

سمعت رنة جوال والتقطت المسماع وهززت هزة فريحة ما رمى من كلمات متألقة عن زيارته إلى بيتى حتى جاء اليوم قابلت معه بشدة السرور والبهجة وقضى الأسبوع فحزنت بعد رجوعه إلى بومباي للعلاج.

وكنت أقضى الأيام فى مراقبة إذ وجدت عينيى قد تعلقتا بأبى المشفق فلم تبرحاه …..  وأخذ أنعم النظر فيه واتفحص طويلاً ثم برق وجهى بغتة بابتسامة مشرقة ظافرة حينما عزمت على شد الرحال إلى بومباي.

وحدث يوماً أننى كنت جالسة فى مكانى بقرارة قلبى وفجأة سمعت عن حظر التجوال فعدت إلى حجرتى مهموسة يائسة أشعر بخيبة ذليلة وظلت هذه الحالة متتابعة، فيشتد ألمى……

ومضت الأيام فى دهشة وذعر ولكن سرعان ما تركت إلى الوراء لا اعبأ بما تطوى من بؤس وزجر… 

هل أنت مستعدة لزيارة إلى بومباي يا بنتى الغالية؟ كان يسألنى بشدة شوق ووفور ابتهاج…

نعم! ولكن كيف؟ سألته بالإعجاب.

أنا أرسل إليك تذاكر الطيران فأسرعى إلى ….

وقصدت للسفر فى الشهر القادم بدون اكتراث لما حدث فى الفضاء من جائحة كورونا.

وتوالت الأيام وفجعت بألم شديد في الساعة الثانية صباحاً حينما رفعت الجوال وسمعت صرخ شقيقتى التى كانت تنطق بلهجة مليئة بالوجع والدمع يا أختاه! أبى أصيب بعدوى كورونا حتى اضطر إلى الأوكسجين فلم اتيقن على خبرها لحظة..

ولزم الفراش ولو كان ذا حيوية ونشاط…

وزرت إليه حزينة باكية متوكلة على الله ومتفائلة بالشفاء.

وأصبح حالته لا يلوى على شيء ولا يبالي بها…

ثم برق وجهه بغتة، وخيل إليه أن جسمه اكتسى بالريش، وقد نبت له جناحان حينما رآنى أمام عينيه، وأخذ يشفى ببطء.

ولكن ما لبث أن ساءت حالته الصحية ولكنه أصر على التداوي فى البيت ولم يسمح بدخوله إلى المستشفى متوكلا على الله ويدوم بكلمات التسلية دون خوف أمام أسرته قائلا :”لا تقلقوا، الشفاء إن شاء الله” وكان يهمس بشفتيه :”كل نفس ذائقة الموت” إن كان الله يريد أن يشفينى فهو يشفى وإلا فارجع إليه .

وجاء يوم الخميس وأكثر مرضه وأصرت أسرته وأقاربه على دخوله إلى المستشفى فكان ينظر حوله كأنه يحدق أطرافه ولا يريد أن يخرج من بيته.

عليك أن تدخل إلى المستشفى للعلاج وعليك بالشفاء إن شاء الله … . قلت له …..  فلم ينبس بكلمة.

ثم أصررت عليه فزجرنى وقال :ألا توكلى على الله؟

أنا أتوكل عليه وأومن به …. ولكن قلبى يزعج ….  أجبته بالدموع تنزل من عيونى البرية.

فشرب زمزم ثم خرج من بيته بدون نطق كلمة ….

قلت له : أستودعكم الله….

ومضى يوم فأصبحت حالته سيئة حتى اضطر إلى التنفس الصناعي. وما زلت أدعو الله تضرعا وخفية للشفاء العاجل والكامل وقضيت ثلاثة أيام ساهرة ذاكرة ربى …

يا رب! اشفه …..

وفى هذه الأيام كنت اضغط على ذهنى كثيرا، و لكن بلا جدوى. من أي طريق أصيب بها؟ ومن أين هو أخطأ ولو كان ذا حذر وبال فى أمره؟

وكانت الأسئلة تتلاطم فى ذهنى، ولكن لم يكن لها أى جواب … وكنت بحاجة من يعطف على ولكن من يعطف؟

وجاء يوم الاثنين ظهرا فصعق البرق وخطف أذنى كأن حواسى مشلولة حينما سمعت خبرا متوحشا وحاولت البكاء ولكن عينى لم توافقني، ولم أدر أين اختفت الدموع ؟…

وهممت بالشفاه! الرضا بالقضاء! الرضا بالقضاء!

وتذكرت ” واصبر صبراً جميلاً ” وقمت من فورى مدفوعة بقوة لا تغلب ولجأت إلى الله.….

ثم رأيته ملفوفا بالثوب الأبيض قاصداً إلى الله، فوا كآبة منظر! أول مرة فى حياتى ……. وإن يوم 9 نوفمبر من سنة 2020 يوم لا استطيع أن أنساه …… اكفهرت الدنيا أمامى.

ولكن سرعان ما تركت حولى ووجهت بصرى إلى السماء مشتكية إلى الله.

هل أنت متشائمة؟ ألا تؤمنى بالقدر ولا توكلى على قضاء الله؟ سألنى ضميرى ووبخنى ملوما فلم البث ثوان إلا أن كرت الآية فى عينى “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم” وجعلتنى اعيش متفائلة……

الخردل

(قصّة قصيرة مترجمة من اللغة التاميلية)

الكاتب: يس.يل.يم. حنيفة

المترجم: ميرا محي الدين

بين يدي القصة

يس.يل.يم. حنيفة، المولود في شرق سريلانكا عام 1946م، أحد كتاب القصص القصيرة في سريلانكا. كان له قصص باهرة في اللغة التاميلية، إحدى اللغات المحلية فيها. أما الكاتب فينتسب إلى المجتمع المسلم في الدولة كما أنه يعتبر كاتبا رائعا كان له مجموعة من القصص القصيرة باسم “مَكَّتُّ سَالْوَايْ” (غَبَانَةُ مَكَّة) وكذا قد نشر عدة من القصص في مختلف المجلات الأدبية.

تمّ نشر مجموعة قصصه “مَكَّتُّ سَالْوَايْ” عام 1992م مع عشر قصص تاميلية. هذه قصص غالبًا تدور حول جوانب الحياة البشرية وتوضح أحوال سريلانكا الاجتماعية والدينية والسياسية والأحوال الحربية اللعينة التي واجهتها الدولة خلال فترة حوالي ثلاثين سنة ماضية.  فلا يوافق الكاتب السياسة الكاذبة كما يحارب الكذب والغشّ والمكر وقصص تصور الحياة البدوية في شرق سريلانكا. لا أرى كاتبا مثله، أظهر حياة الأقلية المسلمة فيها كما اهتمّ بالزراعة حيث تنعكس في جميع تأليفاته. ولا شك أن قصصه تقوي الأدب التاميلي الحديث.

أما هذه القصة “الخردل” فتولّدت من حوار جرى بين الكاتب وابنته الصغيرة “ماجدة” حينما ذهبا إلى قطعة أرضه الزراعية بالدراجة الهوائية حيث يحاور معها الظروف الاجتماعية عبر رؤيتها الطفولية كما أن هذه القصة تبدي الأحوال السيئة التي عاناها المجتمع الإسلامي في الفترة التي جرت الحرب الأهلية في سريلانكا. والجدير بالذكر أنها قد نُشرت في مجلة “فامس” عام 1988م.

القصة

بابا، هل تعلم القصة؟

لا يمكن المكث هنا. إذا طلع الفجر، يصبح قتال فالأخ والأخت يزعجاني كثيرا…

ثم المدرسة فهناك أيضا قتال…

فكان المدرس المولوي يضع جميع الطلاب في صف واحد ويغلق بابه… بابا، هو مدرس وحيد لمدرستنا…

المُدرِّسة شاندي انتقلت وأحرقوا بيتها. طالما كانت هي، كنا نُغنّي القصيدة ونسمع القصة…

“فراشة فراشة… تطير، انظرها… تطير، انظرها…” هي تطير كالفراشة…

كان المدرس المولوي يجيئ ويقول…

“قوموا أيها الأطفال، ارفعوا أيديكم واكتبوا هذا حتى أرجع”

ثم يذهب…

فنجعل نخوض ونلعب…

 كانت العجوزات يجئن إلى مدرستنا لكتابة الرسائل العربية…

ويعطين عشرين روبية لكل رسالة…

إذا جاءت عجوة، يتردد المدرس ويثوب على الأطفال…

الآن، لست برئيسة الصفّ بل، مَغَارِي.

لولا المدرس لكانت تظن كأنها مدرسة.

ولكنها هي سوداء مني.

المدرسة شاندي هي التي جعلتني رئيسة لأنني أولى الطالبات في الفصل.

لقد غيَّر المدرس المولوي. غيّروني لأنك كلّمت عن جدّ مغاري رئيس المسجد الأول في المسرح.

كيف العمل، أشُفْتَ؟

كان لا يحضر للمدرسة منتظماً.

أهؤلاء يُعلِّمون؟

يأكل المدرسون “بيتيس” في المقصف ونحن ننظر.

لما كان العمّ فاروق يدرِّس، يعطي للجميع كوبا واحدا من بَسْكَوَيْت وهذا يعطي كوبين لرِنوسة وابنة المدرس عليار.

عند وقت الفراغ، لن أذهب إلى جانب الأخ مع بسكويت فيغصبها مني… أيجوز أكل الكبار ما أُوتي للصغار؟

مدرسنا يذهب إلى البيت مع بسكويت كل يوم.

ما هذا العمل يا بابا؟

اليوم، ليس شيئ في السوق.

أطعمت ماما الأرز مع البيضة المقلية للغداء.

بسبب حظر التجوّل.

قد تعسر بلعه.

قد سرق الأخ بيضة في الطبق.

أيجوز سرق الكبار أشياء الصغار؟

ها، إنّ تاك بقرتنا “راني” تذهب. في الصباح، حلبت ماما. ركلها “كنّنْ.

مع تقدمه في السنّ، قد ازداد كبره.

أتعلم بابا، أن دجاجتنا عارية الرقبة قد فقست؟

فراخ سوداء ومُنقَّطة وحمراء.

لا تذهب في هذا الطريق – سيجيئ الجيش الهندي.

مُشت أنا وماما في هذا الطريق. حاصرت الشرطة هذا البيت. فيه امرأة ما من الخارج. اسمها سُمِدَة.

ما زال كل واحد في قريتنا يتلفظ باسمها.

أفّ! هي فاسقة. لكنها جميلة بابا.

أوقف السيارة قليلاً. سقط الحذاء.

حسناً، نذهب…

أمس، جاء الأخ يوسف من الجامعة. هناك نُمور في الطرقات، يحملون البندقيات. بابا، كيف يكون النمور؟

لقد قبض الجيش على العمّ سبا الذي يزور بيتنا.

ضربوه ضرباً شديداً. قالته عمّة الأخ نريش.  انكسرت رجله.

لماذا بابا، لم يحضر ذلك العمّ ذو اللحية والنظارة؟

لم أنَمْ طوال اليلة البارحة…

هناك أصوات البندقية. كانت كما نقوم به في أيام العيد…

طارت هليكوبتر  فوق بيتنا…

لجأت أنا والأخت تحت الطاولة. والأخ فقط كان ينظر إليها مختفياً.     

ماذا يحدث إذا سقطت القنابل على الرأس، لماذا هؤلاء يقاتلون؟

جاءت ابنة النجار عائشة اليوم. كانت المدرسة مملوءة بالأصوات.

ما أروع البنت…

قُرْط “تيسكو” والفستان المكسيكي والحذاء الكعبي…

ما أطيب رائحتها…

أنرسل ماما إلى الخارج؟

ما لدينا راديو أم تلفزيون.

كانت أمها سوداء قبل.

الآن، جاءت من الخارج كالمرأة البيضاء.

بيضاء كأخت صديق. قد تكبرت بأن أمها ترتدي “الفستان المكسيكي” في البيت أيضاً. لا ترتدي الوِشاح.

بابا، هل تعلم؟

أن اللصوص لم يجئ إلى بيت الزراع حسين وسرقوا جوهرات زوجته فحسب بل ذبحوا بقرة “مايل” لصاحب العربة.

تلك البقرة كانت لا تصادم. هي كبنت.

ماما لا تنام في الليل. لعلّهم يذبحون بقرتنا…

الآن، هنا نتعسر باللصوص. يجب عليك أن تشتري لي حذاء كعبيا براتب هذا الشهر. وعدتني للشهر الماضي. لكن لم تشترِ…

لا تنس أن تشتري في هذا الشهر. بابا ماذا نشتري لمرقّة الليلة؟ أنا أحبّ سمكة الأرنب. قَلْيُ نصفها لذيذ.

الأخت لا تعرف قلي السمك. ستحرُقها.

أصابت الحساسية جلدي. قد تمّ مسحوق الحرارة الشائكة. لا يعرق هكذا في بيت الأخت نونا بمَدْوَالَا. هناك برد دائم…

في الليلة البارحة، ذهب الجيش الكثير  في طريقنا.

لقد عضّ جندي جديد خدّ امرة.

بابا، العمّ باوا الذي أيقظنا للصوم كل يوم، أطلق الجيش النار عليه. يا للخسارة…

قد أغلقت ماما الباب!

أنا اطّلعت عبر الشباك قائمة على طاولتك. الغبار ثائر.

كانوا يرتدون أحذية ضخمة ويحملون بندقيات على ظهورهم. هل تصدّق بابا، بأنهم يطلقون النار على الصغار؟

ماذا أفعل… لو كانت لديَّ بندقية… أنا أيضا…!

تيك توك أو الموت

فضل صديق الفاروقي

قبل الزمان والأوان… كان في قرية تيك توك(Tik Tok) شاب غني وكان لديه مزرعة التعليقات(comments) الواسعة و محلات لايك مختلفة(likes) فلذا كان لديه كثير من المتابعون والمؤيدون  وقاتل مع من عارضوه بالسان وبأسلحة الحروف  حتى أصبح إحتكار في قريته .مرت الأيام ،،يوما وكان يمشي في مزرعته بكل الفخر والكبر فجأة اصابه العمى..فقط في عيونه الظلام,,فقد بصره. . صرخ بصوت مرتعش….أيها الناس…تفضلوا…ولاكن ما جاء أحد فقط الظلام والصمت…..

يا حسنى اصبري

إبراهيم الندوي

كان في مدينة بعيدة من عاصمة, فتاة صغيرة جميلة ذكية ,في أحد الأيام استيقظت من نومها صباحا لتذهب الى المدرسة ذهبت الى الاستحمام فغسلت لما فرغت من الغسل خرجت نحو الغرفة  فإذا مرت أمها بغرفتها، رأتها تلبس لباس المدرسة قالت لها ماذا بك ؟ أين تذهبين صباحا  فقالت الى المدرسة مبتسمة  أخبرت أمها أن عطلت وأغلقت المدارس والكليات والمكاتب والمراكز التجارية الا المستشفيات والصيدليات ومخافر الشرطة بسبب تفشي الكرونا في أقطار العالم  فسرت بسماع العطلة ورقصت كما انتفض العصفور من بلله ورقص ثم قضت عطلتها بنشاط و حيوية ولعب ولهو صباحا مساء .

فثم في وقت اللاحق غضبت أمها على ضياع أوقاتها الفراغة وغبن صحتها خاصة بألعاب الفيديو ومشاهدة أفلام الكرتون وشتمتها وضربتها ضربا شديدا بالعصا وتركت مليا وملت بها لما لم يكن فيها شيء مختلف من المتعة والترفيهية وكانت تلك مفاجعة لها وهي تردد في وقت وآخر ثم جلست بجوار النافذة تنظر الى الشوارع خالية من السيارات والماشيين فخطرت في بالها صورة ورسمتها في ورقة ,جاء ابوها سائلا يا بضعتي بما تشتغلين ؟ وقع نظره على هذه الورقة فجأة وفيها فتاة صغيرة، مطرقة الرأس بما يبدو عليها الحزن، قائمة بالوحدة محاطة الغيوم والأمطار فأدرك أحاسيسها وأمسك عن الكلام معجبا.

قالت :يا أبي إلى متى نبقي مستمرين في المنازل ؟ إن الدنيا ومن فيها تسجن بالفيروس المستجد الذي يقبّل قاصيها ودانيها وأما رأيت عطيسة صغيرة تسبب للهروب بعيدا؟  وأما رأيت أعينا لم تزل تسيل دموعها، وأذرعا تمتد الى باريها وقلوبا تبتهل الى ربها و أقدامنا تغادر إلى المنازل على  ساق بلا مواصلات أميالا و بطونا تربط  بالأحجار من الجوع وأصبحت الملاعب والقطارات مستشفيات ثم إن تزايد عدد الإصابات بهذا الوباء  يقل ضحاياها وإن تزايدت ضحايا الإصابات يقل عددها .

ثم توقفت عن الكلام وتعلقت بثوب أبيها رعبا وخوفا على الفيروس الغامض  وأخذت توجه الحديث اليه … قالت ان هذا الفيروس كائن لا يرى بالعين ولا أدري من أين يأتي و هل يدخل الى جسدي ويوهن ويتعب نفسي ويفقد داستي الشم والتذوق حتى يميتني؟ وقالت حزينة إن الأحلام كلها أصبحت سحابة عارضة والكمامات تغطي الوجوه و الأيادي تجمح عن المصاحفة والجثث مطروحة ومدفونة والعالم يحاول السيطرة على هذا الوباء وها تلك الامور تحملني على الرعب والقلق والخفقان.

وبكت رافعة صوتها .

أخذها والدها بالود وقال :  اصبري يا حسنى لان الغم والهم عند البلاء يعجزك وما نزل الداء الا بدواء ان وصل الى كل بلاد العالم وما يعلم جنود ربك الا هو لانه يحيط كل شيء ولا ينتقل العدوى بنفسه الا اذا أذن الله لان بيده كل شيء ومهما كنت قوية النفس ومتفوضة امورك الى الله ومتوكلة عليه ومتخشية بذكه ومستغفرة عن الذنوب ومواظبة على الصلوات الخمسة ومكثرة على صلوات  النبي  فانت في ذمة الله وقضيته ولا تحملي نفسك فيما لا طاقة لك

وأضاف قائلا أن انشغلي عن ألعاب الفيديو وقومي بالقراءة والرياضة واهتمي برعاية قوة حمايتك التي تحفظك من البكتيريا واغسلي يدين بانتظام بماء والصابون وتجنبي لمس عينيك وأنفك وفمك بغير نظافة اليد وسلي الله العافية والصحة . فأصبحت حسنى سعيدة بحديث أبيه و هزت رأسها بالسرور ثم تقفزت قفز الأرنب. وعادته إلى طبيعتها من القلق والرعب.

الطفل المفقود

ملك راج آنند ترجمة: دكتور ن. عبد الجبّار

 وكان مهرجان الربيع. ظهرت حشود بشريّة بين ظلال الأشجار في الممرّات والأزقّة الضيّقة، سار بعضهم على أقدامهم بينما ركب البعض الآخر على خيولهم. وركب حتى الآخرون في عربات مصنوعة من الخيزران وعربات الثيران. ركض صبيّ صغير بين ساقي والديه ممتلئا بالحياة والحيويّة. ” تعال بنيّ، تعال”، ناداه والده بينما كان متخلّفا كثيرا في الطريق، مفتونا بالألعوبة المعروضة في المتاجر على جانبي الطريق. سارع نحو والديه مطيعا لندائهما، و لا تزال عيناه عالقتين في الألعاب المتلألئة. عندما وصل الى حيث توقّفا لانتظاره، لم يستطع قمع رغبة قلبه، على الرغم من أنّه كان يعرف جيّدا معنى التحديق الحادّ منهما. ” أريد تلك اللعبة “، توسّل اليهما. نظر اليه والده محمرّة العينين بطريقة مألوفة له. وكانت والدته في حالة مريحة. مدّت اصبعها اليه لتمسّك به وقالت: “أنظر الى الأمام يا بنيّ “. وكان هناك حقل واسع من الخردل المزدهر المصفر مثل الذهب المصهور ممتدّا على أميال وأميال من الأرض. تعجّ وتطير مجموعة من اليعسوب بأجنحتها الأرجوانيّة البديعة، و ظهرت نحلة سوداء أو فراشة صفراء تبحث عن حلاوة من الأزهار المختلفة. اتّبعها الطفل وراءها بنظرات مستغربة في حبّ الاستطلاع.

وفي بعض الأحيان تستريح أحد الفراشة بلا حراك وحاول الطفل أن يقبضها. ولكن، للأسف، عندما كان على وشك الامساك بها ترفرف في الهواء. نادت والدته بانذار: تعال الى الطريق؛ يا بنيّ. فجرى نحو والديه في مرح جنبا الى جنب لفترة مّا حتى تخلّف وراءهما لمرة ثانية. جذّبته الحشرات والدّيدان على حافة الطريق وهي تعجّ من مخابئها لتمتّع بأشعّة الشمس.

” تعال يا ولد، تعال! دعا والداه من ظلّ الشجرات في حديقة حيث جلسا لاستراحة على حافة بئر. جرى الطّفل نحوهما. سقطت عليه بتلات الأزهار حينما دخل الحديقة. جمع الأزهار بقدر ما أمكن في يديه وجيوبه. ولكنّ الأزهار سقطت من يديه لمّا جرى وراء الحمائم وهو يصرخ ” الحمامة، الحمامة”. وكان في شديد الفرح والسعادة.

” تعال، يا ولد، تعال!” نادى كلاهما بأعلى صوت. وكان الطفل يركض الآن خلال نبات الكبر البرّي حول شجرة البانيان. وأخذا طريقا ضيّقة قصيرة مع الطفل تؤدي الى ميدان المعرض عبر حقول الخرذل. وكانت هناك متاهة المسرّات المزدحمة. عندما اقتربوا من القرية، شاهد الطفل أمامه عديدا من الممرّات المليئة بالناس وخرج عن الطريق التي اتّبعها الزوجان. وكان في نشوة الفرح والسرور حتى سحره العالم الجديد الذي يدخله أولا في حياته.

سمع الطفل بائع حلوى عند زاوية مدخل المعرض الذي صاح في صوت عال ” جولاب جام، وراسا غولا، وبارفي، و جليبي”. واندفعت مجموعة من الناس الى كشك البائع، عنده مبنى صغير مصنوع من الحلويّات الملوّنة المزخرفة بأوراق الفضّة والذّهب. حدق الطفل اليها بعينيه مفتوحتين و فمه يسيل في رغبة أكل البارفي، حلوته المفضّلة. لم يختف رغبته وتمتم ” أريد البارفي”. ولكن يكاد يعرف اجابة والديه أنّه نهم و شره، و انصرف. دعا بائع الزهور: ” اكليل من جولموهار، اكليل من جولموهار“! تحرّك الصبي نحو بائع الأزهار كأوّل غريزة له. وانزلق الصبي نحو السلّة التي تراكمت فيها الأزهار وغمغم في صوت ضعيف ” أريد هذاالاكليل “. ولكنّه ذكر حالا أنّ والديه سوف يرفضان له تلك الأزهار ادّعاء أنّها رخيصة. ولذا انتقل دون انتظار لإجابة منهما. ورأى رجلا ممسكا بعمود تتطاير منه البلونات صفراء، وحمراء، وخضراء وأرجوانيّة. والطفل تحت رغبة شديدة في الحصول عليها جميعا. ولكن كان يعرف حقّا أنّ والديه لن يشتريا له البالونات أبدا لاكتشافهما أنّه أكبر من أن يلعب بهذه اللعبات البسيطة، فانصرف مقبلا.                                                    

وقف ساحر الثعابين يعزف على المزمار لثعبان ملفوف في سلّة، ورأسه مرفوع في منحنى رشيق مثل رقبة البجعة حينما كانت الموسيقى تسلّل الى أذنيه المتخيّلتين مثل شلّال لطيف. أخذته غريزته الى الساحر. ولكنّ احساسه الداخلي حذره من انكار والديه لسماع مثل هذه الموسيقى الخبيثة، ومضى. كانت هناك دائرة مزدحمة على قدم وساق. الرجال والنساء والأطفال في حركة دائمة وفي مرح وملآن بالضحك. لاحظهم الطفل عن كثب وقدّم طلبا جريئا. ” أريد أن أدخل الدائرة، اسمحا لي أبي وأمّي”. لم يكن هناك أيّ ردّ فالتفت الى والديه؛ لم يكونا أمامه، وحاول أن ينظر الى جانبيه وورائه بلا جدوى. ارتفعت صرخة عميقة داخل حلقه الجافّ مع رعشة مفاجئة من جسده الشاحب وركض من حيث وقف في خوف مدقع وخيبة أمل. نادى بصوت عال: ” أبي ‘أمّي “. تدحرجت دموع ساخنة من عينيه، وجهه محمرّ غامق بالخوف. أصيب بذعر شديد، جرى من جانب الى الآخر، و الى جميع الجهات، دون أن يعرف الى أين يتّجه. نادى في أعلى صوته مرارا: بابا……..، ماما……. أصبحت عمامته فضفاضة وملابسه متربة. بعد أن جرى جيئة وذهابا في حالة اضطراب وقلق لفترة مّا، وقف مهزوما أخيرا. وخمدت صيحاته وانقلبت الى تنهّد. قد رأى الرجال والنساء يجلسون على الأعشاب الخضرة ويتحدّثون بلا بداية ولا نهاية. وكان يفحص وجوههم بعناية خلال طيّات ملابسهم الصفراء، ولكن لا يوجد شيئ يشير الى والده ووالدته بين هؤلاء الغرباء. بدا أنّهم يضحكون ويتحدّثون فقط لأجل الضحك والتّحدّث.                                                                                        

ركض الطفل بسرعة هذه المرّة الى ضريح مزدحم، كلّ شبر من فضاء هذاالمكان مليئ بالأقوياء من الرجال، جرى خلال أقدامهم، والعويل باق على شفتيه الصغيرتين حتى الآن: ” بابا……..، ماما……”. قرب مدخل المزار اشتدّ الزحام. ولهم أجسام ثقيلة وأكتاف ضخمة وأعين وامضة. كافح الطفل الفقير لاندفاعه بين أقدامهم الطويلة، ولكنّه طرق جيئة وذهابا في تحرّكاتهم الوحشيّة مرارا؛ ربّما تعرّض للدهس تحت أقدامهم لو لم يصرّخ بأعلى نبرة صوته: ” بابا……..، ماما……”.                                         

سمع رجل صراخه المؤلم من الحشد المتزايد وانحنى اليه بصعوبة كبيرة ورفعه بين ذراعيه. “كيف وصلت هنا يا طفل”؟ ومن أنت؟ ” سأله الرجل بينما كان يمهّد الطريق الى الأمام، حاملا الطفل. بكى الطفل أكثر فأكثر وصاح بعناد: ” أريد أمّي، أريد أبي “. حاول الرجل أن يهدّئه وأخذه الى الدائرة وسأله بلطف: ” هل تحبّ ركوب الخيل؟”. تمزّق حلق الطفل في ألف تنهّدات حادّة وصرخ فقط: ” أريد أمّي، أريد والدي”. توجّه الرجل نحو المكان الذي لا يزال فيه ساحر الأفاعي يعزف على الفلوت الى الكوبرا المتمايل، وتوسّل اليه: “استمع الى الموسيقى الجميلة، يا طفل”. ولكنّ الطفل أغلق أذنيه بأصابعه وصرّخ في صوت متزايد مع الاصرار والتوتّر:” أريد أمّي، أريد أبي “. ثمّ أخذه الرجل الى صاحب البالونات وسأله باعتزاز: ” هل ترغب في بالونات ملوّنة بقزح؟”. غضّ الطفل عينيه عن البالونات تطيرعلى العمود، وبكى بكاء مرّا: ” أريد أمّي، أريد أبي “. لا يزال الرجل يحاول اسعاد الطفل في أيّ وسيلة مّا، وحمله الى البوّابة حيث جلس بائع الأزهار وسأله مع الحبّ والاستطلاع: ” أنظر، هل تشمّ رائحة الأزهار الجميلة الناعمة، يا طفل؟ وهل ترغب في وضع اكليل حول عنقك؟”. أدار الطفل أنفه بعيدا عن سلّة الأزهار وكرّر صراخه: ” أريد أمّي، أريد أبي “. أخيرا فكّر الرجل في مواساة الطفل بهدية من الحلويات، و أخذه الى كشك متجر الحلويات وطلب منه في مزيد من المودّة: “ما هي الحلويات التي تفضّلها، يا طفلي العزيز”. الفت الطفل وجهه من محلّ الحلويّات و بكى: ” أريد أمّي ، أريد أبي “.

1- ملك راج آنند كاتب انجليزيّ هنديّ. ولد في بيشوار في الهند (في باكستان حاليّا) عام 1905. كان تعليمه في كلّية “خلصا” تحت جامعة البنجاب في أمريتسار. بدأ حياته المهنيّة كمدرّس وعمل في مختلف الجامعات. وهكذا خدم في جامعات البنجاب و البنارس و الراجستان و الجايبور من 1948 الى 1966. حصل على الدرجة الدكتورة في الفلسفة من جامعة الكامبريدج عام 1930.

رواياته الرئيسيّة هي :                                                                                           

“Untouchable” ( 1935), ” The Coolie” ( 1936) , ” Two leaves and a bud” ( 1937), “The Village” ( 1937) , Sword and the Sickle”( 1942).

قد أنتج 12 روايات و 9 مجموعات قصص قصيرة مع المسرحيّات و الدراسات العديدة. “الطفل المفقود و قصص أخرى ” مشهورة بين القصص. يتذكّره العالم لمهنته الأدبيّة الطويلة تمتدّ على خمسة و سبعين عاما التي تعكس بحث الهند عن مجتمع عادل منصف و تقدّميّ. و له دور رياديّ في تطوير الأدب القصصي الانجليزي الهندي. وكلّ رواياته تتعامل قضايا مجتمع المهمش الهندي. و هو أوّل روائيّ هنديّ الّذي اختار” منبوذا” كبطل رواية. ولذا لقّب بجارلس ديكنز الهنديّ.                              

قد أسّس مجلّة أدبيّة تسمّى ” المارغ” واشتغل محرّرا لها منذ عام 1946. حصل على عديد من الجوائز الدّوليّة و الوطنيّة بما فيها ” جائزة السلام الدوليّة ” من مجلس السلام العالمي ( 1952)، و “بادما بوشان”( 1968) . أصيب بالتهاب رئوي وتوفي عام 2004 في بيون في عمر يناهز 98 عاما.

وهذه ترجمة مباشرة لقصّة “The Lost child ”                                           

2- دكتور ن . عبد الجبّار،  أستاذ مشارك و رئيس قسم اللغة العربيّة للماجستير و البحوث في كلّية  فاروق ، كيرالا ، الهند ( سابقا) ، ومشرف البحوث و مترجم و عميد كلّية جامعة اسلاميّة للعلوم و الفنون ، كيرلا ، الهند.

أشعر بالفزع……!

د.مسافر عكره

قرأت في نفسي سورتي الإخلاص والمعوذتين، لأنه في هذه الأيام يصطادني الفزع ليل نهار. أستيقظ كل يوم بعدما نقرت زرّ الإغفاءة في المنبه لعدة مرات وحرّكت أعضائي، وإذا بي أنا أشعر بالفزع. كلّ شيئ عندي بفزع. ما آكل وما أشرب إلاّ وأشعر بالفزع، ولا أقرأ ولا أكتب إلاّ يتمشّى في جوفي شيئ من الخوف والفزع.

وهذه بدأت منذ بضعة أيّام. عندما أجلس أمام الكمبيوتر بعد ما استيقظت من السرير وأدخل على الفيس بوك….. بدأت قلبي تدق وترفرف كما ترفرف الحمامة في يد الصياد…. وأشعر بالفزع حتى أكاد لا أرى شيئا في الشاشة، ودموعي تسيلها العينان…. ثم أمسح عيناي فأنظر إلى الشاشة للحظة أخرى..، فإبّان ما أقرأ نصّا أو أنظر إلى صورة أشعر بالفزع الأكبر. لأني أردت أن أنقر على لايك أو أكتب تعليقا. ولكن قلبي بدأت تقول “ما ذا تريد أن تكتب… فلعلها تفجع شعورا دينيا لفلان ما…! ولعلها يزعج شعور شعب ما…! أو تحلل حرمة دولة أو حكومة ما……!”.، حتى جلست إلى الوراء وأغلقت الكمبيوتر وشعرت بأنني محبوس ولست بحر….. وأنني شعرت بالفزع.

ما كانت هذه عادتي… وكنت أقضي ثلث الليل أو نصفه أمام هذه العالم (الشاشة). وكنت أجاهد به جهادا كبيرا. (وأني أشعر بالفزع من هذه الكلمة “جهاد”). ولطالما كتبت وأكثرت تعليقاتي عن تلك الحادثة في دولة سونت [1] عندما أحرق ذلك الفتى بنفسه في الحارة. وما كنت أصادف حادثة أو أقرأ نصا عن حادثة من حوادث الدنيا من صغيرها وكبيرها إلّا وكتبت النصوص والتعليقات والتعليقات على التعليقات…. ولكني الآن أشعر بالفزع، ولا تستقيم أصابعي على لوحة المفاتيح ولا عيوني على الشاشة. واشعر بالفزع من أن أنقر لايك. أفيكم دكتور رشيد يمكن العلاج بي…؟

ثم أردت النوم لمرة أخرى، فاستلقيت على السرير.. فتذكرت أنني لم أصل الفجر. فتوضّأت من داخل الغرفة نفسها لأنني لا أدري كيف يعاملني الغير إن يروني أتوضّأ.. لأنني لعلّي أتوضأ كما لا يتوضّأ غيري… فلا أدري ما يفعل بي إن يروني إذن… فشعرت بالفزع والخوف. فخرجت إلى المسجد أصلي وقلبي تشعر بالفزع.

وقمت إلى الصلاة وأني أخاف الناس أشد خوفا ….. وصارت قلبي تهتز بالفزع وتقشعرّ لأني قد وضعت يدي على صدري كما لا وضعها بعض غيري…. ففاضت قلبي رعبا وفزعا…. ولم أدر ما يفعل بي…! وهربت من الصلاة ودموعي تسيل من الفزع…. أليس فيكم دكتور رشيد يعالجني؟ لأني أشعر بالفزع…!

ثم أردت أن أتناول الفطور… ووجدت رائحة اللحم يطبخ… فسررت وعزمت الأكل وتوكلت على الله. ولكن إبان ما شعرت بالفزع. لأنني سمعت خبر قتيل أكل اللحم وقتله الجمع. وبكيت وصرخت وشعرت بالفزع.

هل عندكم علاج لمثل هذه الشعور… وأما دكتوري فإنه أوصاني بمحاكاة الصم والعميان حتى لا أسمع ولا أرى.، لأنه إذا مثلي يشعر بالفزع وإن ابنته التي شعرت بالفزع توفيت بالفزع.  وبعد هذا ما زلت أشعر بمثل هذه الشعور… أشعر بالفزع في كل لحظة وثواني… وأني أشعر بالفزع عندما أقرأ وأكتب وأظن أهذه تفجع شعورا دينيا أو قوميا أو شعبيا، أو تحلل حرمة من حرمات الآلاف…؟ وأشعر بالفزع عندما آكل وأشرب، وأشعر بالفزع عندما أصلّي وأمشي.. وأشعر بالفزع…. وأشعر بأنني لست بحرّ….

[1]  دولة خيالية

قارب الكراهية

د. محسن عتيق خان

(قصة قصيرة)

رأيت سانجاي في نهاية الصف الطويل. كان لا يزال وسيمًا كما كان دائمًا، ولكن بدا قوامه العملاق كأنه تقوس قليلا، وعلامات التوتر وقطرات العرق على وجهه كانت تحكي قصة تعبه وقلقه. كان ابن صديق طفولتي الحميم الذي انتقل إلى بلد أجنبي مع زوجته منذ فترة طويلة بحثًا عن حياة أفضل وفرصة جيدة، واستقر هناك بشكل دائم. وُلد سانجاي ونشأ هناك وحصل على جنسية ذلك البلد لكنه زار قريتنا عدة مرات مع والديه.

قبل خمس سنوات عندما توفي والده، عاد إلى القرية لبيع ما ورث عن أبيه من ممتلكات بما فيها بيته وعدة قطعات من الأرض. ذهبت للقائه بدافع العطف وذكريات صديقي الحبيب، وحاولت إقناعه بعدم بيع هذه الممتلكات فهي ستوفر له حيلة لزيارة أقاربه وتساعده في البقاء على اتصال بجذوره، ولكنني لم أحصل على أي نوع من الاهتمام والاحترام اللذين كنت توقعتهما منه. كان سنجاى بمثابة طفلي تمامًا، ولكنني لمست في عينيه موجات الكراهية التي أظهرت فظاظة ما كان يحدث في ذهنه بوضوح. كنت على دراية بالمواقف السائدة في المجتمع في ذلك الحين، وعرفت كيف أن سياسة بلدنا اتخذت منحنى في بضع سنوات ماضية وكيف بعض الساسة المتعصبين والأحزاب المتطرفة شمرت عن ساقيها لاستقطاب الأغلبية الهندية عن طريق بذر جذور العداوة الشرسة في قلوبهم ضد الأقلية المسلمة، وذلك لمجرد الوصول إلى السلطة لكى يتم تحويل البلد من ديموقراطية إلى ثيوقراطية، ومن دولة علمانية إلى دولة دينية هندوسية. لم يخطر ببالي قط أن هذا المرض كان انتقل إلى المواطنين الهنود الذين يعيشون في الخارج أيضًا ويتمتعون بحقوقهم في المجتمعات الحرة في بلدان أوربا وأمريكا، وأن هذا الصبي قد أصيب بنفس الحمى ويفكر في نفس الاتجاه. عدت إلى منزلي وأنا أشعر بالألم فجلست على السرير مصعوقا لساعات. في الأيام القليلة القادمة، بدأت أفكر عما يجب على أن أذهب إليه ثانية وأقنعه على التخلي عما يروم إليه أو أتركه وشأنه. وبعد الكثير من التفكير، قررت أن أتحدث إليه مرة أخيرة.

كان ذلك آخر يوم سانجاي في القرية وكان من المفترض أن يغادر في المساء. بعد تناول الغداء، طلبت من ابني أن يفرش السرير تحت الظل البارد لشجرة النيم في فنائنا ويجهز نارجيلتي، ثم توجهت نحو منزل سنجائ. رأيته جالساً بين أبناء أعمامه فناديت به باسمه. توجه نحوي وعندما اقترب مني أمسكت بيده وأحضرته إلى فناء منزلي. طلبت منه أن يجلس على السرير وبعد أن أخذت الدخان الأول من نارجيلتي، ألقيت نظرة على وجهه، كان مثل والده تماما في المحيا والمنظر، وهذا جعلني أشعر بالحنين، فخاطبته، "هل تعلم؟ كلما استخدم هذه النارجيلة، هي تذكرني بأبيك، وأنا أستخدمه كل يوم مرتين على الأقل. شجرة النيم هذه هي شهادة طفولتي وطفولة والدك؟ لعبنا هنا لساعات معًا واسترحنا تحت هذه الشجرة في الصيف. كنا نستخدم فروعها الصغيرة كفرشاة للأسنان ونجمع ثمارها المريرة لدفع ثمن الشات[i] في سوق قريتنا مرتين في كل أسبوع. اعتدنا على شراء ورقتين (طبقين) للشات معًا وكنا نتناول الطعام جالسين على هذا التل المرتفع حيث ترى برجا ضخما من خزان المياه لآن." أثناء الحديث معه، وجدت نفسي منغمسًا في ذكريات الأيام الماضية من طفولتي، مرت برأسي ذاكرة مثيرة للاهتمام تلو الأخرى، ولم أستطع التحكم في ابتسامتي كما سألته، "هل تعرف العم شُبراتي؟

وبدون أن انتظر رده، واصلت الحديث، “العم شبراتي كان أحد المزارعين الثلاثة في قريتنا الذين كانوا يزرعون بذور الحمص، كان أفضل شيء أن أحب الجميع مضغ أوراق نباتها الخضراء مع صلصة الفلفل الأخضر، وكذلك ثمارها الأخضر بعد تحميصها على النار. أنا ووالدك كنا ندخل في مزرعته خلسة لننتزع القليل من الفروع وكلما سمعناه يصرخ “من هناك؟” كنا نطلق ساقينا للريح، ولم يتمكن من أن يمسك بنا قط، وكذلك لم نلتقط قط أكثر مما كنا نحتاجه.” لقد نظرت للتو إلى سانجاي فوجدته يصغي إلي بكل جوارحه ثم واصلت الحديث. “هناك الكثير من الذكريات التي نتشاركها معًا، أحدها مرتبط بأيامنا المرحة خلال فصل الشتاء. كان تم ثبت كسارة قصب السكر وراء مصلى العيد في قريتنا. ربما رأيت تلك الساحة البيضاء الكبيرة والقديمة في الطرف الشرقي من قريتنا. كان الثيران يتحركون بشكل دائري طوال النهار والليل والنار مضرمة تحت مقلاة كبيرة يغلي فيها عصير قصب السكر الطازج لصنع كرات مدورة، كانت تلك المناسبة كنوع من الاحتفال لنا فكنا نستمتع كثيرا.” التفتت إليه ووجدته منشغلاً بالأفكار. لقد انفتحت على شخص ما بعد سنوات عديدة وشعرت بالحنين الشديد، كما يبدو أنه يهتم بما يسمعه مني، فلم أكن أتحدث عن نفسي فقط بل عن والده الشفيق أيضًا. الآن فكرت في الوصول إلى النقطة. خاطبته مباشرة قائلاً: “عندما زار والدك القرية في المرة الأخيرة تحدث عنك كثيرًا. قال لي “ابني في طليعة النشطاء بشأن حقوق الشتات الهندي هناك.” فشعرت بالسعادة حيال ذلك لأنني أدركت أنك تحب الثقافة والتقاليد الهندية. ولكن بدا قلقا للغاية عندما أخبرني عن نشاطك الآخر، وكذلك أزعجني أيضا.

-ماذا اخبرك؟

-“أخبرني أنك وقعت في حبال منظمة فاشية متطرفة لا تؤمن بتعددية الدولة الهندية وتريد أن تخضعها لعقيدة متطرفة متعصبة لا تكون السلطة فيها إلا لطبقة خاصة، وهي لا تؤمن بالمساواة بين الطبقات المختلفة بل يفضل البعض على الآخر. إنها تسعى إلى معاملة الناس بشكل تمييزي على أساس الدين والعرق وتلعب سياسة استقطاب الأغلبية من خلال اضطهاد الأقليات الدينية في بلدنا طوال الوقت. قال أبوك لي إنك تتبرع بجزء كبير من راتبك لتلك المنظمة المتطرفة بانتظام”.

ألقى علي سانجاي نظرة عابرة ثم بدأ يحدق في قدميه وقال بصوت أعلى قليلاً ربما يحاول أن يبدو واثقا بنفسه أكثر مما كان من قبل “نعم يا عمى.” توقف للحظة ثم تابع “أريد أن يكون ديني هو الأسمى ويحكم ليس فقط هذه الدولة بل العالم كله”.

-وهل تجيز تلك الفكرة لك أن تكره أصحاب الأديان الأخرى؟ هل تعتقد أنه سيتم ذلك بنهب حقوق الآخرين، واضطهاد متبعي الأديان الأخرى؟

-“عمي، إخواني في الدين يتعرضون للمضايقة والقمع في البلدان المجاورة لنا”.

-“يا بني، لن أخوض في التفاصيل سواء كان ما قلته يحدث بالفعل أم لا، ولكن هل هذا يعني أنه يجب عليك أن تفعل الشيء نفسه هنا في الهند أيضًا؟ ألا تعتقد أنك تفعل شيئين متناقضين؟ كونك أقلية في الشتات هناك، فأنت تقاتل من أجل حقوقك هناك وتحصل عليها أيضًا ولكن في نفس الوقت، أنت تدعم أولئك الذين يريدون تجريد الأقليات من حقوقهم هنا بغض النظر عن حقيقة أن الأقليات هنا ليست من الشتات ولكن أبناء هذه التربة. دعني أوضح لك نقطة هنا. إذا ألقيت نظرة على شجرة الأنساب الخاصة بنا وعدت عشرة أجيال إلى الوراء ، فستجد أن أسلافنا كانوا من أب واحد، وهذا ينطبق على الآخرين أيضًا، ربما أنا أتبع دينا آخر ولكن نحن من نفس السلالة، وكذلك الآخرون.

– “عمي ، كان هناك الكثير من الظلم خلال فترة القرون الوسطى.”

-“لا أخوض في تفاصيل تاريخ الماضي، ولكن إذا كان هناك عنف، فهل يجب أن نستمر كما كنا في السابق؟ أعتقد أنه إذا كان الأمر كذلك، فيجب أن نتعلم الدرس، ويجب ألا نكرر خطأ الماضي.”

-“عمي لا أريد أن أجادل، علي أن أغادر فليس لدي الكثير من الوقت.”

-“يا ولدي، أنا شخصياً لا أريد أن أجادلك، أردت فقط أن أجعلك تفهم أن بلدنا بلد متنوع للغاية من حيث الأديان والعرق والثقافة وحتى اللغات. إن المنظمات العنصرية لن تضر إلا بالسلام والوئام، وتزعزع استقراره. الشيء الوحيد الذي أود أن أنصحك به هو أن كل ما تفعله يجب أن يستند إلى البر والكرم”.

ثم غادر، وبعد ذلك اليوم لم أره إلا اليوم. من وقت لآخر تلقيت أخبار نجاحه وثروته ودعمه النقدي لتلك المنظمة المتطرفة والعنصرية التي نمت يومًا بعد يوم حتى وصل جناحها السياسي إلى دفة الشؤون في بلدنا بعد الكثير من الدعاية ثم بدأ في خلق الفوضى من خلال تمرير القوانين الصارمة وتصنيف الناس على أساس الدين. قبل شهرين، في تلك الدولة الأجنبية التي عاش فيها سانجاي، بدأت الحكومة في ملاحقة الأشخاص الذين يدعمون المنظمات العنصرية حيث أدركوا أنهم نجحوا في إبقاء المتعصبين والمتطرفين من عرقهم في وضع حرج وعلى حاشية ولكنهم لم يتمكنوا من رصد الأشخاص الذين جاؤوا إلى تلك الدولة من الخارج وتورطوا في دعم المنظمات المتطرفة والعنصرية. وعندما رأيت سانجاي اليوم واقفا في نهاية الصف الطويل أدركت أنه قد تم طرده من تلك الدولة، والآن هو قائم هنا لإثبات مدنيته الهندية كما انا قائم في هذا الصف الطويل.

“عمي أرني مستنداتك” أعادتني كلمات المسؤول هذه من محيط أفكاري، وأدركت أنه حان دوري الآن. سلمت أوراقي إليه، وبعد أن تأكدت من كل شيء، وقفت جانباً في ظل شجرة زنبق حيث كان بعض الأطفال يشربون الماء من المضخة اليدوية. انتظرت أن يقوم سانجاي بتقديم أوراقه، وعندما انتهى، ألقى نظرة علي ومر بي ولكنه لم يعرني أي اهتمام، وعرفت أن الكراهية الجماعية للأقلية المسلمة قد وصلت إلى نقطة اللاعودة.

عدت إلى منزلي، وجلست على سريري أفكر في نوع الهند التي حصلنا عليها من البريطانيين، وكيف تم إصلاحها قليلاً من قبل الآباء المؤسسين الذين استوعبوا تنوع المنطقة والدين واللغة والثقافة مع الاحترام الواجب لكل منها، ثم كيف نمونا وتطورنا وواجهنا تحديات مختلفة وأخيرًا كيف اكتسحت البيئة البغيضة في طول البلد وعرضها مما أدى إلى انقسام عميق في المجتمع الهندي على الخطوط الدينية، وسحق أحزاب المعارضة وإسكات كل صوت يتحدث عن المساواة والعدل، وهذه الكراهية تبدو كأنها تأكل بلدنا من الداخل كالديدان.

(د. محسن عتيق خان رئيس التحرير لمجلة “أقلام الهند” الإلكترونية نيو دلهي، الهند) 


[i] طبق هندي يباع في الطرق على العربة الخشبية