الأمير الصياد


يحكى أن ملكا أحب صيادا فقيرا لطيبة قلبه فأخذه إلى قصره وطلب من الجميع أن يحيوه :”بالأمير الصياد” وأصبح كلما مر بجمع حيوه ومع مخالطتهم له أحبوه وأحبهم, وصاروا يسعدون به وأكثر عندما ينادونه الأمير الصياد ,أصبح الملك يغيب كثيرا ولا يجد وقتا للصياد فيتبادلان أطراف الحديث عن الصيد وشؤونه ولكن الملك لا يحب إزعاج الصياد بأمور الحروب والسياسة التي لا يفهمها ولايفقهها وبقية الحاشية يكتفون بتحيته أهلا بالأمير الصياد مرحبا الأمير الصياد بدأت سعادة الصياد تخفت مع الوقت واختفت حتى أصبح ينزعج ممن يناديه الأمير الصياد فيصرخ بهم ويهينهم ويلعنهم ويطردهم حتى من كانوا من أقرب الناس للملك حتى تجنبه الجميع وأصبح عبءا ثقيلا على الملك إذ بدأ يزعجه ويثقل عليه بتصرفات غريبة وانزعج من وجوده في القصر حتى سأل الصياد الملك ذات يوم:
الصياد:” أيها الملك لماذا أحضرتني هنا ولماذا جعلتني أميرا ولست من أهل الإمارة في شيء؟
الملك: “أحببتك و أردت أن أسر قلبك ،لأنك تحبني وكنت رفيقا طيبا وفياالصياد:” أنت أحضرتني لأجل هذا، لكنك لم تعد الرفيق لي وانشغلت عني.!”
الملك: “لا والله، إنما هي الحياة شغل وعمل ولست ممن ينكرون وفاء الطيبين”

الصياد:” أريد أن أذهب لكن دون أن تكرهني أو تنساني!”

الملك: أيها الأمير الصياد أنا لا أنسى قلبا أحببته لوجه الله”
الصياد: سنلتقي، إلا الجبال لا تلتقي.
الملك:” لكن أتمنى لو تبقى، فصحبتك عزيزة وغالية”
الصياد :”لا أريد أن تكرهني وتقول ليتني لم أعرفه”
الملك:” لكني لم أقل ذلك”
الصياد: “عندما غبت شكوت من تقصيرك للوزراء ولكثير من الحاشية وأبكاني فراقك الطويل وهذا سيوغر قلبك علي مهما عاد الود بيننا.”
الملك:” أيها الأمير الصياد عد إلى غابتك فأنت قد كنت ابنها وستبقى وسأذكرك ما حييت وربما سنعود كما كنا نعم الرفاق”

كيف أصبحت كاتبا؟

لقد ألهمتني حادثة عندما كنت طالبا في المدرسة الثانوية بكتابة قصص قصيرة.

أم عجوز أمية عانت الكثير من الصعوبات، باعت كل ممتلكاتها لتربية وتعليم ابنها بشكل مريح، وتفانت في خدمة الآخرين كخادمة في البيوت المجاورة. تحقق حلمها بأن يصبح ابنها موظفا، لكنه تركها ورحل بعيدا مع حبيبته التي تعرف عليها في مكان عمله. وظلت الأم العجوز الفقيرة الأمية تلجأ إلي لأكتب إلى ابنها رسائل طويلة لإثارة مشاعره.

لا يزال ذلك المشهد يتردد في ذهني، المشهد الذي رأيت تلك المرأة وهي تتسلق السلالم نحو شرفة بيتي أثناء قيامي بواجباتي المدرسية، وفي يدها ورقة صفراء متسخة وقلم اشترتها من المحلات القرطاسية القديمة. كانت تضعها على مكتبي ثم تجلس على الأرض أمامي، تحكي لي بصوت متقطع عن تضحياتها ومعاناتها من أجل ابنها، تمسح دموعها بطرف المنديل وتتخبط في أنفها وتتوسل قائلة: “يا ولدي، اكتب له واسأله إذا كان يتذكر، كيف رعيته وتربيته؟ أو يتذكر الذهب الذي كان معلقا في تميمة بحزامي وبعته لشراء صندوق الأدوات الرياضية له؟ والآن أصبح ينكر وجودي، يُعاملني ككلب مريض. اكتب كل هذا يا ولدي وأرسله ليثير ضميره. وقل له ألا ينسى ربه وأن يخشى اللعب معه.” ومع كل هذا، لم تكن لديها أدنى شيء من الكراهية نحو ابنها الذي كان يتصرف بجحود لا ينتهي.

تأثرت بشدة بحالة تلك المرأة العجوز، قصتها المؤثرة هزتني. واستمريت في كتابة وإرسال الرسائل إلى ذلك الابن العاق، وأضفت شيئا مني في الرسالة.

وبعد شهرين أو ثلاثة، بدأ بإرسال بعض الأموال إلى والدته دون أن تعرف زوجتها. لا أعرف إذا كان قد عاد إلى رشده أخيرًا أم أنه قد تأثر ببلاغة رسائلي. لقد طننت بفخر طفولتي أن الأمر الثاني هو الحقيقة. جاء ذلك الابن ذات مرة لرؤية والدته وسأل والدته من الذي كان يكتب له كل هذه الرسائل وأجابت الأم بأنها من إنشاء طالب في المدرسة. بلغ كبريائي قمته حينما سمعت هذا الخبر.

ولكن قبل أن تتمكن الأم من الاستمتاع بمساعدات ابنها لفترة طويلة، راحت بحثا عن السلام الأبدي. تلك الأم العجوز هي كانت معلمتي الأولى في كتابة القصة القصيرة. كانت قصصي القصيرة الأولى هي الرسائل التي كتبتها لابنها في تلك الأيام. لا أعرف إذا كنت قد تمكنت من كسب قلوب الآخرين بالقصص القصيرة. لكنني أفتخر بأنني نجحت في مواساة أم فقيرة كانت تعاني بصدر حزين وبطن جائع، وفي إثارة شعور شاب ضال في مسار الحب، من خلال تصوير قلب أم عجوز.

التقيت بهذا الابن العام الماضي في كالكوت. وكنا نعرف بعضنا البعض من طريق آخر. وعندما سألته عن رفاهية أسرته، قال: “لقد تركت زوجتي العام الماضي بسبب سوء السلوك، والأطفال معي.” نظر بحزن إلى البعيد وظل صامتًا لفترة، مستغرقًا ومغمورا في أفكاره. شعرت بأنه ربما يتذكر كلمات والدته بالندامة، وهو لا يدرك أن الشخص الذي يقف أمامه هو الطالب الذي استلهم كل شيء من قصص أمه ونقلها له بمزيج من الإضافات المثيرة.

شعرت بالتعاطف حينها، وبقيت أضحك في داخلي. وشعرت بالتعاطف عندما ذكرت قصص تلك الأم التي ماتت حزينة بسوء حظها. وضحكت عندما فكرت بأن هذا الأحمق قد استغرق سبعة عشر عامًا ليكتشف سلوك زوجته.

أيامنا الحلوة

وغادر الطبيب بعد أن أخبر هدى بالحقيقة، وقد مثلت تلك الحقيقة صدمة كبيرة لها، وطفقت تفكر في مآل مَن حولها والصلة التي تربطها بهم.

انهمرت الدموع من عينيها، هاتان العينان البريئتان الخضراوان اللتان ما نظرتا قط ما في أيادي غيرها من نعمة؛ بل كانتا تنظران فحسب إلى الأيادي الفارغة لتملأها من نعمة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

لكن اليوم قد لطخ المرض العينين بالشحوب والهرم، وغلت اليدان في جراح قلبها.

ووضعت كلتا يديها على وجهها، ذاك الوجه المستدير الرقيق ذو الأنف الصغير والشفاه الرقيقة يبسوا كالصحراء الجرداء، وذهب منه نضج الفتاة الشابة العذراء ليحل محلها شحوب المرأة العجوز الشمطاء.

وتحاول أن تبكي بشدة بيد أنها لا تستطيع لأن البكاء الشديد يسبب لها آلاما في قلبها الذي أجري له عملية جراحية خطيرة منذ نحو ساعتين.

وقالت لنفسها في حزن بالغ: البكاء راحة للنفوس بيد أنه صعب المنال بالنسبة لي، فما أنأى الضحك عني إذن، فقد التصقت الشفاه بجراح قلبي.

 وكانت تسعل، تحاول أن تمتص سعالها حتى تخرج رقيقة خفيفة حتى لا تضربها في جراح قلبها الذي لأمه الطبيب في العملية.

قالت في نفسها: لن أستطيع أن أنفق على نفسي لأن الحركة وحدها كفيلة بأن تودي بحياتي، كما أن الزواج فيه خطر على حياتي ولو بعد حين، إذن فما قيمة الحياة بعد ذلك! وفكرت في الخلاص من الحياة بيد أنها لم تعزم هذا الأمر بعد بصفة نهائية.

 ***

جاءها خبر بقدوم ثلاثتهم إليها، كان الطبيب المعالج نقلها إلى قسم الجراحة حجرة 3.

طلبت من الممرضة آنذاك بصوت منخفض يصاحبه سعال رقيق خفيف أن تزين حجرتها وتنظفها لاستقبالهم.

فنظفتها كلها، بيد أن الزهرية التي كانت على منضدة الزينة هوت وتكسرت، وليس هي فحسب، بل سقطت المرايا التي فوقها. فلملمت الممرضة الزهرية والمرايا وألقتها في سلة المهملات لحين إلقائها فيما بعد في التراب.

وكانت الممرضة تقول: لا أدري كيف حدث هذا؟ ولست أدري أيضا كيف ذبلت تلك الأزهار وقد كانت بالأمس ناضجة تلذ الأعين.

لم تنزعج هدى لما حدث، بل كانت تعتقد في قرار نفسها أن تلك المرايا وهذه الزهرية قد حان أجلهم.

وسعت الممرضة نحو النافذة لتفتح الستارة قليلا لدخول أشعة الشمس بالقدر الكافي وهي تقول: تلك الستارة على وشك التهتك والسقوط.

وولت قائلة: الكحكة في إيد اليتيم عجبة.

 ***

استقبلتهم هدى بوجه مبتسم، لم يشعروا حيالها بشيء من الانزعاج أو الخوف حيث كانت طبيعية لأقصى درجة.

نظرت إلى حبيبها أحمد نظرات إشفاق وهي أحوج من تكون لهذه الشفقة، لذلك حثته دون أن تعلمه بما قال به الطبيب لها بوجوب الارتباط ببنت خاله، متعللة بأنها مريضة وأنها بنت ملاجئ، وعلى النقيض، بنت خاله حسنة الخلق والخلقة وذات حسب ونسب فضلا عن ثرائها.

فاستنكر رأيها بشدة، وطلب منها أن لا يسمع منها هذا الكلام مجددا.

فأخذت تفكر في أمره إن هي ظلت على قيد الحياة، لم تنس أنه حاول أن يسرق من أجل أن يوفر لها ثمن العملية وقد لطف الله به، وأنه لن يتورع أن يفعل ذلك مجددا من أجل توفير العلاج والدواء لها لاحقا فضلا عن استحالة زواجه ببنت خاله.

فأدركت أنها حجر عثرة على درب سعادته.

حينئذ أطرقت في حزن بالغ قد ألجم مشاعرها وأخرس لسانها.

ثم ما لبثت أن نظرت إلى علي، سألته عن حاله وهي تسعل، فقال لها متصنعا السعادة بأنه ارتبط ب “خاطرها”

تلك الفتاة دميمة المظهر رديئة الخلق سيئة المعشر، هكذا أخبرها من قبل، كما أخبرها أن الزواج بها أشبه بالجحيم.

وهي تعلم أنه فعل ذلك من أجل أن يوفر لها ثمن العملية الجراحية التي أجرتها منذ نحو ساعتين.

كما تعلم أن بقاءها على قيد الحياة سيجعله يعيش في هذا الجحيم دائما، وإذا رحلت سيتحرر ويخرج من هذا الجحيم.

 فباتت حجر عثرة في حياة علي أيضا، ذاك الفتى الذي تعتبره أغلى من أخيها الذي لم تعلم به.

ثم نظرت إلى رمزي الذي انتفخ وجهه من كثرة اللكمات التي أصابته في المباراة التي أقيمت بينه وبين وحش الإسكندرية.

 كما أنه أصيب بقطع حاد في المنطقة التي بين حاجبه وأذنه اليمينين.

أما ذراعه فمكسور، وقد حُمل على شريط ملتف حول رقبته ومتدل أسفل ذراعه كقاعدة ارتكاز.

فرفعت يدها نحوه متسائلة عن تلك الإصابات التي ألمت به.

فلم يجبها وأمال رأسه إلى الأرض.

فتأكدت أنه لعب مباراة الملاكمة أمام بطل إسكندرية.

فكيلت له تلالا من الملامة معللة بأنه أشبه بالوحش وأنه لا يتواني أن يقتل خصمه تحت ذريعة المباراة.

 وأدركت أن رمزي لن يمانع في أن يخوض مباراة أخرى من أجل أن يوفر لها ثمن الدواء والعلاج اللاحقين.

فقهت الأمر وقالت له في ألم بالغ وهي تسعل: من أجلي طبعا، من أجل أن توفر لي ثمن العملية.

نحى وجهه عنها ولم ينبس بكلمة.

شعرت حينئذ كم هي عبء على كل من حولها.

أدركت هدى عن يقين تام أنها إن عاشت سوف تكون عبئا على المجتمع رغم أنه ضربها في ظهرها ألف ضربة منذ مولدها، حيث رماها هذا المجتمع في ملجأ وهي تصرخ من شدة الجوع والعطش والبرد.

لذلك عزمت على قرارها الذي فكرت فيه قبل دخولهم عليها.

 ***

فلما غادروا ظهرت عليها ملامح الألم والحزن بعد أن شاهدتهم وهم يلتفون حولها ويحيطون بها إحاطة الأم على أولادها.

وجسدت في مخيلتها المستقبل البائس لثلاثة من الشباب كلهم يحبونها إن بقيت على قيد الحياة.

لم يكن بجديد عليها ما سوف تفعله الآن فقد فعلتْ فعلا أشبه بذلك عندما كانت في الملجأ وهي في الخامسة عشر من عمرها؛ حيث كانت لها رفيقة في حجرتها أصابها حادث فنزف دمها إلى حد بلغها رائحة الموت.

ولم يجدوا فصيلة دم صديقتها إلا فيها، وبعد أن أجريت الفحوص عليها تبين أن التبرع بدمها فيه خطورة على حياتها هي أيضا ورغم ذلك وافقت أن تتبرع بدمها لها بكل إصرار وتحد.

وعندما دخلت الحجرة ورقدت على السرير لسحب الدم من يدها دخل عليها عم عامر الذي انتشلها من أمام المسجد عندما كانت حديثة الولادة.

أول ما رأته تذكرت قوله لها عندما سألته عن حالها يوم أن انتشلها.

قال: كنتِ يا ابنتي تصرخين، ولا أدري أكنتِ تصرخين من الجوع أم من البرد.

فأجابته: ربما كنت أصرخ من لعنة الزمن.

قال: كانت ليلة شديدة المطر، ولم يكن على جسدك شيئا.

نظرت إليه وهي مستلقية على ظهرها وقالت: ماذا تريد مني يا عم عامر؟

قال وهو يمسح دموع عينيه بأنامله: يا ابنتي، لا أوافقك على فعلك هذا، فقد علمت أن التبرع بالدم فيه خطورة على حياتك وأنت لم تري الدنيا بعد.

قالت: أريد أن أرد جميل القدر الذي جعلك سببا في انتشالي يا عم عامر، وها أنا ذا أفعل فعلك وأنقذ صديقتي من الموت.

قبلها في جبهتها ثم انصرف متأثرا بصفاء قلبها وعظمة وفائها.

 ***

حينئذ نهضت وقالت في نفسها: لابد أن أكون عند حسن ظن عم عامر.

نظرت بعد مغادرتهم في أركان الحجرة، وقد قررت أن تكون هي موضع نهايتها إلى الدار الآخرة، وقد حمدت الله أنها عرفت نهايتها وتأسفت على أنها لم تعرف بدايتها.

قررت أن تودعهم بطريقتها هي، وداع من طرف واحد، وداع المضحين بأنفسهم في سبيل راحة من حولهم.

تنفست أنفاس رماد متهالكة، من رئتين أرهقهما قلبها  المثقل بالمرض.

وضعت يدها اليسرى على قلبها حتى تتمكن من النهوض لتودعهم قبل أن يدركها الموت وحتى تتمكن من الوصول إلى النافذة.

تحاول النهوض شيئا فشيئا وفمها مفتوح لتتمكن من إخراج زفيرها المتهالك من صمامات قلبها الضيقة الجريحة، تحاول أن لا تحرك جسدها حتى تتحاشى الألم الناتج عن الحركة والذي قد يودي بحياتها قبل أن تودعهم فتموت حسرة وكمدا قبل أن تحقق هدفها المنشود.

انزاحت حتى وصلت طرف السرير، ورفعت الغطاء بيدها اليسرى من على قدميها، ثم وضعتها مرة أخرى على قلبها.

وقفت على قدميها بجسد مرتخ، واتكأت على المنضدة التي كانت عليها الزهرية، ومشت خطوتين أو ثلاثة حتى أدركت ستارة النافذة فأمسكتها بيدها اليمنى بينما لا زالت يدها اليسرى تمسك بقلبها حتى لا يتوقف عن النبض قبل إدراك لحظة وداع الأحبة.

ونظرت من النافذة، فوجدت علي ورمزي في المقدمة، بينما أحمد يمد خطواته كي يدركهما.

انهمرت دموع الوداع، وقد نسجت بين خيوطها التضحية في أسمى معانيها، نسجت اللحظة الأخيرة من حياتها.

فلما قرت عينيها، جاءها الموت رغما عنها وهي لم تشبع رغبتها بعد في النظر إليهم وهم يغادرون فناء المستشفى.

وتبين ذلك أنها كانت تمسك بستارة النافذة، كانت تحاول أن تسعفها الستارة في استمرار وقوفها لتملي عينيها من النظر إليهم.

لكن الستارة لم تتحمل وتهتكت في يدها لتسقط على الأرض وتودع الحياة، تودع الحياة التي جاءتها ملقية على الطرقات وهي وليدة، لتخرج منها شابة لم تذق من الحياة إلا مرارتها، ولتقدم رسالة من الرضا والتضحية والوفاء إلى المجتمع الذي خانها وغدر بها وفتح لها أبواب الجنة ثم ما لبث أن أغلقها في وجهها بكل قوة.

تحديّات الجيل الجديد

وصلت اليوم الى الكلّية مبكّرا في الصباح الباهر. والطقس ممزوجا من البرد والحرّفي موسم الربيع. تقع أبنية الكلّية شائقة عريقة حافلة بالتاريخ في وسط حديقة خلّابة. وبها أزهار متنوّعة الأشكال والألوان. وأشجارها عالية مع أثمار يانعة طازجة. وعلى أغصانها عصافير مغرّدة مختلفة الألحان الشجيّة. والطلّاب دائما يجري ويمرح في مروجها الخضراء تحت أشعّة الشمس الذهبيّة، مظاهر خلق الله تعالى البديع وقدرته. كنت جالسا في مكتبي الخاص في بهجة وسرور في هذه الحالة المنعشة في سكوت الصباح الباكر. ولم يدخل الطلاب والأساتذة الى رحاب الكلّية حتى الآن ولم أزل أكتب في وصف الكون ما جرى في خاطري من الالهامات والنزعات من جمال هذا الصباح حتى الساعة التاسعة.

وما ان اتنتقلت الى مهمّاتي والتقطت بضعة الأوراق المهمّة اذ جاء ني الناطور وأخبرني أنّ رجلا يستأذن لزيارتي فأذنته. دخل رجل  نحيل شاحب  في الخمسينيّات على ما ظننت. وكان ذاهلا واجما مرتبكا ويأدّي أقصى احترام لي. لم أتذكّره كيفما حاولت، وعصرت ذاكرتي ولم أنجح. حينما كنت في حيرة قليلة اذ أسرع اليّ الناطور لعوني وأخبرني أنّ هذا الرجل والد ذالك الطالب الذي يواجه إجراءات تأديبيّة منذ أسبوعين. ولمحت برقا خاطفا في خاطري عن الطالب الذي تمّ القبض عليه اثر سلوك غير صالح وسبّبت صراخا هتافا بين الطلّاب.

ومع الأسف، دهشت كيف يكون ابن هذا الرجل الضئيل الكئيب مشاركا في الحادثة التافهة التي انتهت في تعليقه. على كلّ حال طلبت من الناطور أن يحضر لي المحفوظات والشكاوى ضدّه. التمست من الرجل بيانا عن تصرّفات ابنه وموقفه تجاه العائلة والأقرباء. تردّد قليلا ولكن بعد اصراري بدأ أن يقول: ” أنا بائع في متجر صغير حيث أعمل صباح مساء وزوجتي تشتغل في بيوت الأغنياء طبّاخة. وهي تطهي الأطعمة وتغسل الصحون والأقمشة وتربّي الأطفال، ولكنّ المال في أيدينا لم يكن كافيا والمعيشة كانت باهظة التكلفة للغاية”. يكاد يبكي ويصرخ أنّ له أربعة أطفال، ابنان وابنتان وعلى عاتقه عبئ أسرة كبيرة، وحياته في شدّة. “ولم أكشف قطّ عن صعوباتي الى الأطفال حتى لا يضطربوا ولا يحزنوا. والزوجة أيضا كرهت أن يدرك الأطفال عن فقرهم وعدمهم. وهي دائما تذكّرني في تثقيف الأطفال في أقصى وسعهما. هكذا الولد الأكبر أتقن دراسته في الصفّ الثاني عشرة مع علامات عالية وامتياز. رغبت أن يدخل في بعض المتاجر كما أنا، بل الزوجة حالت دوننا وألحّتني في التحاقه بالكلّية. ولم أسترح بعد، طالت لي عمليّة حسابيّة عن تكليفات الكلّية والرسوم الجامعيّة. وأصبحت أبا لطالب جامعيّ وشاركت زوجتي هذه الأخبار السّارّة مع العائلات التي تزورها للخدمة. ووعدوا مالا ومساعدة لاكمال دراسته كما دعوا للتوفيق من الله.”

وهو الآن في رجاء وثقة في أنّي سأصفح لابنه على ما حدث. وينتظر من ثغري بما ينتظر الظمآن لشرب ماء. وكان الرجل يعتذر مرارا حتى يكون ذاهلا متعبا، وفي هذا الفراغ سألته عمّا يعرف عن حالة ابنه في الكلّية ومستوى علاماته في الامتحانات الفصليّة والجامعيّة وما هي انجازاته الدراسيّة وغير الدراسيّة. ولم يتكلّم قطّ ولم يكن لديه أيّ المام عن هذه الامور. منعتني الدموع المنحدرة عل خدّيه من الاسئلة. فات الوقت في هذا المأزق. وفي هذا الأثناء جاءني الموظّف وذكرّني عن النّدوة الوطنيّة مقرّرة، وأنّ المنظّمين ينتظرونني. لا بدّ لي أن أخرج، ونظرت الى الرجل في التعاطف والحنان وأخبرته عن حاجتي للخروج. مشيت الى قاعة الندوة والموظّف ورائي. سرعان ما فكّرت لم أتعهّد بعد لالقاء خطبة افتتاحيّة في الندوة. ولم أر بدّا الّا أن أتراكم بعض الملاحظات التي تحيط موضوع الندوة، بل الوقت ضيّق. وكان ذهني خال الوفاض كما كان قلبي مقلقا ومضايقا. دخلت القاعة ولفتت انتباهي لوحة ملوّنة مكتوبة عليها عنوان الندوة وهي: “تحديّات  الجيل الجديد”. جلست على المقعد المخصّص لي.

القاعة مملوئة بالطلّاب والطالبات وعلى المنصّة شخصيّات بارزة من مختلف مناحي الأكاديميّة. نظرت الى أعين الطّلّاب واحدا واحدا حتى شعرت مع أنّهم في شرخ الشّباب وهم في  انهيار آمالهم وفقدوا حماستهم وأصابهم اليأس والاحباط. كما شعرت، في الحقيقة،  أنّ لهم آمال وأمنيّات وحبّ استطلاع. وهم ينظرون الى البعيد في حدّ ذاتهم. وعائلتهم تنتظر أوبتهم في تقديم حمايتهم وعونهم الى حدّ كبير. والمجتمع أيضا يجبر عليهم نصيبا وافرا. وهم مشدودون ومقيّدون بعمرهم وجيلهم ويحاولون محاولة جادّة صادقة ليخرجوا أنفسهم من حبال المجتمع الفاسدة وشدائده. ألآن أحسست بعزاء وركّزت في ذهني بعض والملحوظات والأفكار عن موضوع الندوة.

حان وقت خطبة افتتاحيّة وبدت النقاط تظهر أمامي. بعد الحمد والصلا ة والتحيّة بادرت قولي في مدح الشّبّان والشّباب. وهم يخالطون فيما بينهم مع أنّهم ينتمون الى مختلف الأسر والخلفيّات الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة. يتعلّم الطالب فنّ الحياة من البيئة أكثر ممّا يتعلّم من الدّروس. وحكيت لهم بعض الحوادث التي مضت في واقع حياتي في الأيّام الجامعيّة، وذكريّات تلك الأيّام الغابرة لا تمحوها الشهور والأعوام مهما طالت. ما أحلاها وأجملها. ولكن ذكّرتهم أنّ الذكريّات لم تكن دائما عذبة الّا اذا لم ينجح الانسان في تحقيق امنيّاته وقضاء مسؤوليّاته. والحياة الجامعيّة فرصة رائعة لإثبات الكثير من التميّز والابداع. وعلى الطالب الذي يعي مصلحته جيّدا أن يحرص على هذا التميّز بكلّ ما يملك من قوّة وبكلّ ما لديه من شبابه واندفاعه. وليست الدراسة الجامعيّة لقرائة النصوص واجتياز الامتحانات فحسب، وانّما هي لإعداد المستقبل والاستزادة من العلم والمعرفة والتجربة. وفي كلّ خطوة يسير الطالب ويدنو إلى مصيرته في حياته. وهودائما يصمّم حياته متأثّرا بحياة الآخرين وخبراتهم الواقعيّة ومعاناتهم الشخصيّة. الانطوائية لدى الشباب تعتبر ظاهرة اجتماعية معقدة تستدعي فهمًا عميقًا لعوامل متعددة تشمل النفسية والاجتماعية. وهم يواجهون تحديات فريدة تتطلب فهمًا دقيقًا ودعمًا فعّالًا. الانطوائية تتجلى عادة في تجنب المشاركة الاجتماعية والحلّ الوحيد لمعالجة هذه القضية، هو تعزيز الوعي الذاتي لدى الشباب والتشجيع على تطوير مهارات اجتماعية والتفاعل مع الآخرين بطرق إيجابية.

عالجت قضايا الشباب ومشكلات المجتمع وواقع الحياة الانسانيّة طوال خطبتي. واقتبست آراء العلماء والفقهاء وخواطرهم حول البشريّة والحياة. ضمن هذه الهتافات في الحياة  نحن في حاجة ماسّة لمتابعة أشخاص نثق بهم ليقودنا ويهدينا ويزكّينا في مواقف شتّى تهمّنا، والذين يقيمون بدوورهم القيادي في نموّنا وتطوّرنا. ولا أذكر تماما بقية ما قلت عن الموضوع.

وما ان أتممت كلامي حتى أسرعت الى مكتبي حيت ينتظر الرجل أوبتي. وهو يذرف دموعا قليلة يحاول إخفاءها. واعتذر لي عن ابنه عمّا حدث ووعدني بعدم تكراره. وكان واضحا أنّه نادم على ما جرى وخطف يديّ وقبّلها معتذرا. وهو متأثّرا بتفكير خاطئ أنّني الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ ولده من هذا المأزق، ولا يدري الاجراءات القانونيّة لإعادة قبول الطالب بعد تعليقه. ولم تكن عندي وسيلة لأواسيه واهمال  ايقاف ولده مباشرا. وعليّ أن أننتظر قرارا نهائيّا من قبل الهيئة الاداريّة الكلّية. اضطرب قلبي وتنهدر الدموع من عينيّ ومسحتها فورا بأكمامي لأن لا يشاهدها أحد.

بعد طول التفكير أذنت الرجل ليغادر المكان لعلّني أتحدّث الى الطالب. بعد مغادرته لاحت في خاطري فكرة بديعة وظهر في قلبي نور جديد ووقع في نفسي حلّا مثاليّا.طلبت من مأدّب الطالب أن يحضر أمامي مع الطالب مساء.

ميزان أبي

.

    اعتاد واعتدت…….

   علمني الحكمة، فلا أثور ولا يعلو صوتي؛ ولا أشكو من شيء إلى غيره؛ لكن إخوتي كانوا يثورون ولا يهدأون إلا بعد أن يكون الجيران قد عرفوا عنهم أسرارنا؛ لم يكن يصيح فيهم أو يراجعهم أو حتى يعاتبهم، ولم أكن أغضب عندما يراني فيراجعني بذنوبهم، كنت أضحك ساخراً في نفسي كلما استدعاني؛ وأظل على دهشتي منهم ومنه حتى يعاودون ويعاود، لم أكن أتذمر، كما لم أعقد في أي مرة مقارنة بيني وبينهم، ولا حتى اهتممت فسألت نفسي لماذا يُحمِّلني كل ذنوبهم؟!

   علمني أبي القناعة، فأرضى بما يضعه أمامي وقت أن تضمنا “طبلية” العشاء، لكن عيني كانت تسبقني فأردها خجلاً فأرى نصيبي كالعادة أقل من أنصبة إخوتي، كان الصمت لغتي وأنا أطيل من زمن جلوسي في مكاني، ولا أنتهي إلا بعد أن يكونوا قد أجهزوا على ما تحت أيديهم، ثم ينبرون فيمدونها ليتخطفوا مني ما تبقى من نصيبي، وكنت أنتظر أن يزعق فيهم بآية من آياته فيردهم حتى لا يجورون، لكنه لم يكن يهتم إلا بالنظر لي، فأرى في وجهه كل آيات غضبه، فأخفض رأسي، وأكبح نظري، ولا أعترض، فقط كنت أضحك في نفسي ساخراً، وأنا أقوم لأغسل يدي من أديم الطعام، وأحرص كعادتي على نظافة فمي فيظل معطراً برائحة الصابون التي تشبه رائحة الورود التي أعشقها والتي ضاق من جذورها الأصيص القديم.

   ألزمني أبي مساراً لا أحيده إلى غيره، وشدد غير مرة أن ألتزم بأمره فلا أتوه، لكن إخوتي جميعاً كانت لهم طرقهم ومساراتهم المتشعبة، كانوا يذهبون ويعودون دون أن يضلوا في أي مرة الطريق، كما كانوا قادرين على  وصل مسالكهم بدربي، لكن أبي الذي كان يزعجه إن خالفته في صغيرة من التوافه العابرة لم يراجعهم ولم يعب عليهم أفعالهم أو عصيانهم له، كنت في حيرتي منه ومنهم، فأعود لأضحك في نفسي ساخراً حتى يعاودون ويعاود وأنا أحتشد لفاصل جديد من تلك الفصول المتكررة.

   أمرني أبي ألا أنظر في أشياء غيري فأرضى بمصروفي الذي يقرره، وكان لا يتورع في مرات كثيرة من تقليله لصالح شقيق أو شقيقة، حتى وصل به الحال في بعض المرات إلى منعه تماماً، وحرماني من أجلهم، لم أكن أهتم ولم أسع إلى مراجعته أو معاتبته، فقط كنت أضحك ساخراً وأنا أنظر إلى يديه الاثنتين متسائلاً: كيف تبسط بيد وتقتر بأخرى، ولما كانت الإجابة تعييني كنت أنظر في وجهه، ثم أعود ضاحكاً بسخريتي التي اعتدتها وأنا أرى اخوتي يسرفون وهم يصرفون، وكان أبي لا يتورع في كسر حصالتي، وتوزيع مدخراتي عليهم، وكنت أعاود الضحك والسخرية وأنا أتعجب من قليلي الذي يغريهم جميعاً، فيرونه أكثر مما في أيديهم، فلا يتحرجون في الطلب أو السؤال، وكنت كعادتي أضحك في نفسي حتى نبتت بذور الحنظل دون أن يصلها ماء في أصيص الورد العتيق!

   عاش أبي كهولته وشيخوخته، ولما غزاه المرض تحججوا كلهم، فاتكأت على ما معي فلم تمتد يدي، ولم يمدوا أيديهم بالمساعدة.

   في المساءات كانوا يتحلقون حول سريره وكان لا يتأخر فيرفع يده بالدعاء لهم، بينما أنا منهمك في ترتيب فراشه، وتنظيف مرحاضه؛ وكنت أعجب أنه يذكرهم جميعاً دوني وهو يدعو ويلح في الدعاء، ولم أكن أملك إلا الضحك ساخراً، فيغادرني سقمي، وأبرأ من كل أدراني، وأعود جديداً، بينما يظلوا هم على أحوالهم!

   عندما أوصى أبي، أوصى لهم جميعاً ولم تشملني بالطبع قائمته، سرت إليه وأنا أضحك في سري ساخراً، ولما اقتربت منه وجدته مثلي يضحك ساخراً، اقتربت منه فمد يده وأمسك بيدي وشدني إليه، وأصبحت في حيرة لما وضع الأخرى فوق رأسي وانساب لسانه في الدعاء، بالرغم مني رفعت رأسي فرأيت وجهه من جديد، وددت لو أطلت النظر لكنه قطع حيرتي، وزاد من دهشتي وهو يناولني ميزاناً قديماً ضاعت كفتاه!.  

تأثير الكلمة

 نهلة ناصف    

تم عقد اجتماع من قبل مديرة مدرسة النهضة من أجل تطوير المدرسة والارتقاء بطلابها فقام أحد الأساتذة بطرح فكرة تزويد الحصص المدرسية بحصة كحصة الألعاب وتسمى بحصة تعديل السلوك والارتقاء اللفظي بالكلمات نظرا لانشغال أولياء الأمور عن ذويهم وتقويم سلوكهم فيأتي هنا دور المدرسة الذي سميت التربية قبل التعليم ويعد بها من بداية الصف الأول لأن كما تعلمون التعليم في الصغر كنقش على حجر ومن خلالها نستطيع بث روح الانسانية والرحمة والخلق الذي بعث بها رسولنا الكريم،  تم الاجماع على أنها فكرة رائعة وسيتم اعتمادها حصة أساسية، دخلت أستاذة ثريا الفصل ذات الصف الأول وألقت عليهم التحية وشرعت بالحديث عن موضوع تأثيرالكلمة.

 قال الله عز وجل ( وقولو للناس حسنا ) سورة البقرة ٨٢: ٨٣

كلام الله حق فحينما يأمرنا بالقول الحسن إذآَ الموضوع مهم وسبحانه من جعل الكلمة الطيبة صدقة سأوضح لكم بطريقة بسيطة كيفية تأثير الكلمة على القلب وطلبت منهم أن يقوموا بإخراج اسكتشات الرسم وطلبت برسم شجرة فكلما أخطئ طفل كلما مسح وأعاد الرسم إلى أن تكسرت الورقة وبهتت ألوانها وأصبحت لا شكل لها ولا تصلح للرسم مرة أخرى، أخبرتهم هكذا القلوب  احذرو الكلمة فهي كفيلة أن تجعلنا ننام دون استيقاظ وإليكم بعض الكلمات المصححة الذي يجب عليكم التدرب عليها في المنزل إلى حين أن نلتقي الأسبوع القادم بإذن الله

شحات … اسمه بيسأل من فضل الله

معاق … اسمه ذوي الاحتياجات الخاصة

أخرس … اسمه أبكم

عجوز … اسمه مسن

أعمى … اسمه كفيف

مشلول  … اسمه قعيد

تتدربو جيدآَ على هذه الكلمات حتى لا تجرحوا أحدا بسوء تعبيركم وتذكروا بأن كل هين لين سهل اللسان قريب من قلوب الناس.

حينما صعق البرق

الدكتورة سميه رياض الفلاحى

كان متوسط القامة، طويل الباع، صابح الوجه، اسمر اللون وفخم البطن يقضى أيامه فى بلدة الجبيل فى المنطقة الشرقية من الدمام لكسب العيش. وكان اعتاد أن يدعو أصدقاءه إلى مائدة واسعة كل يوم ثم أن يزور معهم إلى منتزهات وشواطئ البحر طوال الليل ويعود إلى بيته فى السحور وهذا الجمع المطبوع على حب الظهور والصداقة.

وكان يعيش عيشة كريمة وهو ماض فى طريقه بأجنحته الفخمة يعنى بشيء مما حوله فلا يسمع لمشكلة إلا أن يسرع إلى حلها ولا يرى مأساة إلا أن يشتد ألمه وتقوى رغبته فى إزالتها. وكان ذا مقدرة ومحبة لدى ذويه وفى قريته. فإنه بلا شك كان يقضي أوقاته مفكراً بأموره … وتتابعت الأيام….

وظل يبقى فى المتجر فى اليوم ويسهر الليالى مع الأصدقاء المحبين ثم يعود إلى بيته هنيئا مريئا ويفرح مع عائلته المثقفة تشمل الزوجة وبنتين. ومضت الأيام حتى جاء يوم زوج ابنتيه فى وطنهما ولحقتا بزواجهما، ولقد كان يبغى رؤيتهما ومقابلتهما….

وكان يشعر بضيق الصدر لفراق ابنتيه ويفكر في أمر الذى يسهل الطريق للتعايش مع عائلته الكاملة. وتتابع مر الأيام والسنوات، ولكن ذكراهما كانت تعاوده. وانتهى موسم الشتاء وقصد إلى وطنه وشد الرحال إلى بومباي وعادت الحياة تدب دبيبها المزعج حينما وصل إلى عائلته وزادت حياته نشاطا وابتهاجاً.

سمعت رنة جوال والتقطت المسماع وهززت هزة فريحة ما رمى من كلمات متألقة عن زيارته إلى بيتى حتى جاء اليوم قابلت معه بشدة السرور والبهجة وقضى الأسبوع فحزنت بعد رجوعه إلى بومباي للعلاج.

وكنت أقضى الأيام فى مراقبة إذ وجدت عينيى قد تعلقتا بأبى المشفق فلم تبرحاه …..  وأخذ أنعم النظر فيه واتفحص طويلاً ثم برق وجهى بغتة بابتسامة مشرقة ظافرة حينما عزمت على شد الرحال إلى بومباي.

وحدث يوماً أننى كنت جالسة فى مكانى بقرارة قلبى وفجأة سمعت عن حظر التجوال فعدت إلى حجرتى مهموسة يائسة أشعر بخيبة ذليلة وظلت هذه الحالة متتابعة، فيشتد ألمى……

ومضت الأيام فى دهشة وذعر ولكن سرعان ما تركت إلى الوراء لا اعبأ بما تطوى من بؤس وزجر… 

هل أنت مستعدة لزيارة إلى بومباي يا بنتى الغالية؟ كان يسألنى بشدة شوق ووفور ابتهاج…

نعم! ولكن كيف؟ سألته بالإعجاب.

أنا أرسل إليك تذاكر الطيران فأسرعى إلى ….

وقصدت للسفر فى الشهر القادم بدون اكتراث لما حدث فى الفضاء من جائحة كورونا.

وتوالت الأيام وفجعت بألم شديد في الساعة الثانية صباحاً حينما رفعت الجوال وسمعت صرخ شقيقتى التى كانت تنطق بلهجة مليئة بالوجع والدمع يا أختاه! أبى أصيب بعدوى كورونا حتى اضطر إلى الأوكسجين فلم اتيقن على خبرها لحظة..

ولزم الفراش ولو كان ذا حيوية ونشاط…

وزرت إليه حزينة باكية متوكلة على الله ومتفائلة بالشفاء.

وأصبح حالته لا يلوى على شيء ولا يبالي بها…

ثم برق وجهه بغتة، وخيل إليه أن جسمه اكتسى بالريش، وقد نبت له جناحان حينما رآنى أمام عينيه، وأخذ يشفى ببطء.

ولكن ما لبث أن ساءت حالته الصحية ولكنه أصر على التداوي فى البيت ولم يسمح بدخوله إلى المستشفى متوكلا على الله ويدوم بكلمات التسلية دون خوف أمام أسرته قائلا :”لا تقلقوا، الشفاء إن شاء الله” وكان يهمس بشفتيه :”كل نفس ذائقة الموت” إن كان الله يريد أن يشفينى فهو يشفى وإلا فارجع إليه .

وجاء يوم الخميس وأكثر مرضه وأصرت أسرته وأقاربه على دخوله إلى المستشفى فكان ينظر حوله كأنه يحدق أطرافه ولا يريد أن يخرج من بيته.

عليك أن تدخل إلى المستشفى للعلاج وعليك بالشفاء إن شاء الله … . قلت له …..  فلم ينبس بكلمة.

ثم أصررت عليه فزجرنى وقال :ألا توكلى على الله؟

أنا أتوكل عليه وأومن به …. ولكن قلبى يزعج ….  أجبته بالدموع تنزل من عيونى البرية.

فشرب زمزم ثم خرج من بيته بدون نطق كلمة ….

قلت له : أستودعكم الله….

ومضى يوم فأصبحت حالته سيئة حتى اضطر إلى التنفس الصناعي. وما زلت أدعو الله تضرعا وخفية للشفاء العاجل والكامل وقضيت ثلاثة أيام ساهرة ذاكرة ربى …

يا رب! اشفه …..

وفى هذه الأيام كنت اضغط على ذهنى كثيرا، و لكن بلا جدوى. من أي طريق أصيب بها؟ ومن أين هو أخطأ ولو كان ذا حذر وبال فى أمره؟

وكانت الأسئلة تتلاطم فى ذهنى، ولكن لم يكن لها أى جواب … وكنت بحاجة من يعطف على ولكن من يعطف؟

وجاء يوم الاثنين ظهرا فصعق البرق وخطف أذنى كأن حواسى مشلولة حينما سمعت خبرا متوحشا وحاولت البكاء ولكن عينى لم توافقني، ولم أدر أين اختفت الدموع ؟…

وهممت بالشفاه! الرضا بالقضاء! الرضا بالقضاء!

وتذكرت ” واصبر صبراً جميلاً ” وقمت من فورى مدفوعة بقوة لا تغلب ولجأت إلى الله.….

ثم رأيته ملفوفا بالثوب الأبيض قاصداً إلى الله، فوا كآبة منظر! أول مرة فى حياتى ……. وإن يوم 9 نوفمبر من سنة 2020 يوم لا استطيع أن أنساه …… اكفهرت الدنيا أمامى.

ولكن سرعان ما تركت حولى ووجهت بصرى إلى السماء مشتكية إلى الله.

هل أنت متشائمة؟ ألا تؤمنى بالقدر ولا توكلى على قضاء الله؟ سألنى ضميرى ووبخنى ملوما فلم البث ثوان إلا أن كرت الآية فى عينى “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم” وجعلتنى اعيش متفائلة……