قصة قصيرة

كان جاك عسكريًا مشهورًا في الأردن. وكان يعيش حياة البذخ والفرح مع عائلته وأصدقائه، ولكن هذا السرور لم يدم إلى الأبد. غير القدر مسيره، حيث نُفي من وطنه بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. في الحقيقة، كان جاك بريئًا مما اتُّهم به، وإنما أعداؤه وحساده بسبب سمعته ورفعته جعلوه في قفص الاتهام.

”أيها الشرطيون، هذه المحكمة تقضي بإبعاده إلى تل أبيب في شمال إسرائيل لمدة عشر سنوات، قوموا بذلك فورًا.”

أعلن الحاكم جورج كارنل، لم يكن جاك قادرًا على سماع هذا الحكم الذي يكسر القلوب. لحظة… شعر وكأن الأرض تطوى من تحته. خفق قلبه، وتسارعت أنفاسه، وانهمرت دموعه، ولم يجد ما يقوله… 

“سيدي… سيدي… أنا بريء، أنا بريء“

ولكن لم يكن هناك من يسمع كلماته. غادر القاضي المحكمة قاصدًا غرفته، وحينئذ قيّد رجال الشرطة جاك بالأصفاد وأخرجوه إلى سيارة الشرطة.

(بعد مضي يوم في البلد الجديد الذي لاجئ إليه بعد تغريبه…اقرأ الباقي) . 

سرعان….ريح شديد هبت من ناحية الغرب أيقظه من نومه “يا رب ماذا وقع لي” مسح جاك عيناه بيده ونظر جيدا يمينا وشمالا لكن ولم يجد هنا أحدا، لا يدري أن قلبه يخفق بشدة من الفزع والخوف… وكان عيناه مليئة بالدموع الحمراء. 

بعد مضي يوم في البلد الجديد الذي لجأ إليه بعد نفيه، فجأة… هبّت ريح شديدة من ناحية الغرب أيقظته من نومه.

“يا رب، ماذا حدث لي؟”

مسح جاك عينيه بيده، ونظر جيدًا يمينًا وشمالًا، لكنه لم يجد أحدًا هناك. لم يكن يدري أن قلبه يخفق بشدة من الفزع والخوف… وكانت عيناه مملوءتين بالدموع الحمراء.

أين أمي الحنون… وأبي الرحيم… وزوجتي الحبيبة… وبناتي…؟ وكان ألمه أكبر من أن يُصبر عليه.

قام جاك من مضجعه الذي بات فيه قريبًا من موقف الحافلات. فمسح عينيه بطرف جبته التي كان يرتديها، ومشى قاصدًا أي دكان قريب من الموقف.

وطوال مشيه كان يترنح يمينًا وشمالًا، لأنه كان متعبًا جدًا ولم يأكل شيئًا منذ أن ركب البحر.

وعندما استمر في سيره، رأى جاك دكانًا صغيرًا من بعيد، فأسرع إليه حتى وصل أمامه. (كان يظن أن صاحب الدكان مشغول بأمر ما).

“يا سيدي… أعطني قطعة خبز… أنا جائع منذ أيام… وعطشان…”

قال جاك بصوت خافت، ولم يستطع أن يرفعه، لأنه أصبح ضعيفًا بسبب سفره الطويل.

“اخرج من هنا أيها الشيطان اللاجئ… اخرج!“ ورفع صاحب الدكان يده ليضرب جاك.

فتحرك جاك، وسارت قدماه باحثًا عن دكان أخرى. فحينئذ وقع نظره على لوحة معلقة في زاوية الدكان، وقد كُتب عليها: ‘لا دخول للاجئين’.

فأحزنه ذلك وأثقل قلبه بالغم. وكل من رآه في الطريق عبس وجههم وبصق تجاهه.

ولم يستطع جاك الاستمرار في المشي على هذا الحال البائس، فأراد أن يستريح قليلًا تحت شجرة قريبة منه.

“الساعة الثانية عشرة.” نظر جاك إلى الساعة المنكسرة التي كانت في يده، فامتلأت عيناه بالدموع مرة أخرى…
“أبي، هذه جائزة مني، صنعتها بيدي.”
توقَّد شوق جاك لسماع نداء “أبي”.
هذه الساعة التي أهدتها إليه ابنته في يوم ميلاده، حين بلغ الثلاثين من عمره، أعادت إليه ذكرياتها وزوجته الحبيبة.

وبينما هو جالس، وقع بصره على كوب ظن أنه ماء، تركه أحد الرحالة الذين مروا بهذا الطريق.
نهض جاك واستجمع قوته وجرى نحو الكوب المتروك، ولكن للأسف، عندما وصل إليه، وجده فارغًا.

ولم يستطع جاك الصبر على ذلك، فتمتم قائلًا: “يا رب… ألا تدري أني بريء؟ فلماذا لا تخلصني؟” ثم عاد إلى تحت الشجرة التي كان يجلس تحتها.
وكانت الشمس قد اشتد حرها، إذ لم تهطل الأمطار منذ أيام طويلة.

ولكن شعلة الرجاء ظلت متقدة في قلبه، وكان يؤمن بأن صباح الخير سيأتي.

كثرة الأفكار المزعجة دفعت جاك إلى النوم وهو ناعس، فهبت نسمة من وراء الشجرة… غطّ جاك في نوم عميق، ولم يدرِ أنه نائم. مرت الساعات… وجاك ما زال مستغرقًا في نومه. وفجأة، قبلة على وجهه وصوت نداء:

“أبي… أبي!”

فتح جاك عينيه ببطء، متجاهلًا النداء في البداية، ظنًا منه أنه مجرد حلم. ولكن عندما تكرر النداء، نظر جيدًا، ولم يصدق ما يراه! ابنته الحنونة أمامه، وزوجته الحبيبة!

“يا رب… ما هذا؟ هل أنا ما زلت أحلم؟”

تلاحقت أنفاسه، وانهمرت دموعه، ولم يجد ما يقوله… وما هي إلا لحظات حتى تعانقت الصدور، وامتزجت الدموع بالفرح.

“حبيبي… حبيبتي… لقد استجاب الله دعاءك!”

وأخيرًا، سمح لهم الحاكم بالمجيء إليه. انهمرت دموع الفرح والسرور، ولكن عندما نظرت زوجته إلى جروح جسده، غلبها الحزن، فقد كانت آثار ظلم الناس له، فقط لأنه لاجئ غريب. قالت له بحزن:

“دع عنك همّ الطريق… لا أحتاج إلى شيء بعدكما.”

نهض جاك مستندًا إلى كتف زوجته، ومشى مترنحًا يمينًا وشمالًا، باحثًا عن غابة بعيدة عن عيون الناس. عندها تمتمت زوجته بغيظ:

“الحيوان خير من هؤلاء الظالمين الكافرين!”

لكن جاك لم يكن يسمع شيئًا، فقد كان كالمخمور من شدة الفرح بلقائها. وبينما هو كذلك، وقع بصره على بركة ماء زاخرة…

“دعني يا حبيبتي… أشرب…” ترك يده من يدها وركض مضطربًا نحو الشاطئ، ولكن في أثناء الجري، سقط جاك على سطح الأرض ولم يتمكن من الوصول إلى الماء. فغلق عيناه، ناطقًا: “يا الله… لماذا هذا؟”

“حبيبي… لا تتركنا وحيدين…” صراخ وصياح من الأم وابنتها، ولكن لم يسمع أحد. جلست الأم أمام جثة زوجها، كانت عيناها تفيض بالدموع… “أبي… أبي!” نداء من الابنة الصغيرة، لكن الأب لم يسمع نداءها. “يا للأسف.”

“يا ابنتي، ليس معنا أبوك… إنه تركنا وحيدين… لا بل إنهم قتلوا أبوك! الإنسان أظلم من الحيوانات.”

لم تستطع الزوجة الصبر على هذا الفراق المؤلم، استجمعت قوتها وأخذت ابنتها بيدها، جرت نحو الشاطئ. لم تفكر في شيء، لأنها كرهت أن تعيش في أرض قتل فيها زوجها. لحظة… طرحت نفسها وابنتها في فيضان الماء الشديد، واختفتا في سكون الأرض الطويل… ظهر المساء، وجن الليل، وبعد ذلك طلع الفجر. وفي الصباح، رأى بائع اللبن في طريقه إلى المقهى في زاوية من النهر، جثة الأب وزوجته وابنته، لكن لم يشعر بأي خوف أو قلق، لأنه كان يعرف أن هذه الأمور معتادة في بلده، فاهملهم واستمر في سيره إلى السوق. وفي طريق عودته إلى البيت، لم يجد تلك الجثث الثلاثة. “اليوم حظ سعيد للنسور!” قالها لنفسه وضحك، وعاد إلى بيته، ولم يلتفت إلى الوراء مرة أخرى.

شجاع

 وحدها يده خرجت من بين الركام ، تبعد بما تبقى في الجسد الغض من قوة وأمل في الحياة ، يطل بعينين شقراوين إلى سماء حالكة تشبه أياما مظلمة قضاها في حيه منذ شهور لم يتوقف فيها القصف جوا وبرا عن هدم البنايات وسفك الدماء، قلب عينيه في الأرجاء فلم ير غير ركام من الإسمنت والحديد وأشياء متناثرة كانت فيما سبق أثاثا لأصحابها ، هي الآن أشياء بلا معنى كحال ” شجاع ” فتى  في الثالثة عشرة كان نابغة في الرياضيات والفيزياء ، ظل يمني نفسه بخوض غمار المختبرات وإقامة التجارب العلمية ، لكن حلمه صار سرابا في بِيَدِ الخراب ، كحال كثيرين في عمر الزهور ذبلوا كما لو أتت عليهم ريح سموم لا تبقي ولا تذر إلا “شجاعا” فقد كتب له عمر جديد في هذا المكان من الحي ..، تمتد اليد الصغيرة من وسط الركام كبرعم يزحف بحثا عن قطرات أنداء على غصن رطيب ، ثم يخرج الجسد اليافع كنبتة انشقت عنها الأرض ،وطفق يمسح ببصره المكان ، هدوء رهيب يقطع الأنفاس ، أرهف السمع عله يلتقط إشارة من أحدهم وسط الركام ، لا شيء ثمة إلا دمدمة رياح في المساء كانت رطيبة ندية تبلل جسده البارد وتزيده إحساسا بالبرودة ، يرتجف الجسد الجائع والمنهك ،يسير بخطى وئيدة فوق الركام يبحث عن شيء يصلح للأكل وللشرب ،فكر في شرب بوله الذي أفرغه في علبة معدنية حملها معه ،لكنه قرر أن يجتهد في البحث قبل الإقدام على هذه التجربة ، الأوصال تتقطع جوعا والحلق جف من عطش ، تحامل على ساقيه في اتجاه مبنى لازالت بعض جدرانه واقفة بعدما نجت من قصف الدبابات والطائرات،دخل بهدوء إلى المكان وضع العلبة حيث البول في زاوية وأخذ يفتش هنا وهناك ، خابية في زاوية لاتزال واقفة كالصنم ، نظر إليها واستجمع قوة لم يدر من أين جاءت فهرول نحوها ، نظر بداخلها مليا ،تحسس بيده عمقها ، أحس برودة منداة ، لمس قاعها بأصابع يده اليمنى ، شيء كالماء تجمع في القاع ، صوت مواء بلغ مسمعه فارتعب قليلا ، أخرج يده من جوف الخابية في لمح البصر ، ونظر خلفه فإذا هو قط يموء بشدة ، كان نحيفا مغبرا لا شيء فيه ينطق بالحياة غير عينين تلتمعان في الظل وصوت آخذ في الاشتداد يعلن عن رغبة في الحياة ، توجه شجاع نحو القط وربت على رأسه وفروه فاستكان و تقدم نحو الخابية ، إنه عطش كصاحبه ،أمال شجاع الخابية وجعل يقطر ما في قعرها من ماء ، إنه لا يجاوز الكوب الواحد ، شرب منه ونظر للقط المتعلق به فترك له رشفات سرعان ما ولغها ، بل الحلق الذي توقف عن الكلام ليوم كامل تحت الركام ، كان يعرف أن الموت بسط أجنحته على كل الحي وأفراده ،الأم كانت لا تتوقف عن الدعاء على العدو والأب ماسك سبحته  وسجادتهلا تفارقه ،مؤمن أن الموت قدر لا مفر منه، أخواه كانا يتابعان الأخبار من كثب وينتعشان بانتصار صغيرعلى الأعداء ويحزنان ويأسفان على كل دمار وموت، عرف شجاع من هدأة المكان أن رائحة الموت انتشرت في المكان ، أرهف سمعه عله يسمع أنين أحدهم ونظر في الأرجاء عله يظفر برؤية ناج من بين الركام، القط الصغير سيكون مؤنسه في هذه اللحظات ، لكن عليه أن يتخلص منه بعيدا فقد يلفت النظر من قبل الأعداء إلى وجود إنسان في المكان فيقتل برصاص المحتل، لكن رأفته بالقط الذي تعلق به منعته من تركه وحيدا ، صعد شجاع درجا يؤدي إلى الطابق العلوي للبناية ، تحسس الجدران مخافة أن تتهاوى كلها أو بعضها فتزيد من إصاباته بالجروح المتفرقة والخدوش التي لم يسلم منها، لم يعرها بالا لأن كل همه كان إيجاد ماء يطفئ ظمأه ويمنحه إكسيرالحياة  وشيئا من طعام يسد به جوعه ريثما يبتعد عن الحطام إلى مكان قد يوحي بالأمان ، فلا شيء ثمة آمن والطائرات يملأ أزيزها الجو وهدير الدبابات والجرافات يرج الأرض من تحت الأقدام ..

يضع قدمه فوق قطعة متهاوية من الاسمنت فتهوي به داخل السقف فيعلق، يتأوه من شدة الألم والقط الصغير يرتفع صوته بالمواء وهو يمسح برأسه على صدر شجاع ، نظر إلى عيني القط وماء مواء شديدا كأنما يأمره باستجماع قوته وأسنانه تشد شجاعا، فحاول مرات ومرات حتى تمكن من إخراج ساقه من حفرة في السقف، تألم لدرجة البكاء فتحامل على ساق واحدة وهو يتبع مواء القط نحو غرفة في طرف منعزل ، رأى شيئا  تغطى بقطع من الطوب في زاوية  ، اقترب شجاع والقط من الركام ، مواء يتعالى يحث ” شجاع على الاقتراب وإزالة الركام ، اليدان تعملان بجد وتنحيان ما استطاعتا من الركام ، ثلاجة لاتزال سليمة ، تهلل شجاع ودعا الله لحظتها أن تكون بها مؤونة ، فتح الباب يكلتا يديه بحذرمتناسيا ألمه ، نظر إلى الداخل، قاررورات ماء، علبتا سردين، حمص مغطى بزيت زيتون ،ورق العنب وخبز مسطح وبعض القراقيش المالحة ، ” اللهم لك الحمد ياربي ” سجد لله شكرا وثناء، فتح علبة وناول القط الجائع بعضا من السمك وخبزا وشرب شجاع حتى ارتوى وسقى القط الصغير..

جن الليل في المكان ، وافترش ” شجاع ” الأرض وتكوم القط الصغير بجنبه يلتمس الدفء ، تأمل السماء قبالته، نجوم متلألئة يرسم من نقاطها أشكالا هندسية لم تغب عن فكره الكبير، الألم فظيع في ساقه والجروح على جسده اليافع تشعره بالألم ، يتحامل على نفسه في هدأة الليل وسكونه ويطلق العنان لذكريات الدار والمدرسة ، الأم تودعه عند خروجه للمدرسة ، تدعو له بالتوفيق والسداد وتعده بطبخ أكلته المفضلة ( المقلوبة ) لكن القصف حرمه لذة طعم القرنبيط والدجاج والبطاطس والأرز، مثلما حرمه لذة النظر إلى وجه أمه وسماع صوتها الشجي الذي لازال يرن في أذنه وحرمه صوت أبيه وهو يدندن بالتسابيح والاستغفار على الكنبة ، ولغط أخويه وهما يتصارعان حول شيء يدعي كل منهما ملكيته له لتتدخل الأم بحنان وتفرق بينهما بروية وحكمة يعلم الأب أنه لا حاجة له بالتدخل لأن الأمر لا يستدعي شدة أكبرفيكتفي بتدخل سريع كفعل الطوارئ: ” كريم ، عثمان كفا عن الصياح ” فيلزم الأخوان الصمت المطبق ، وتتحرك خرزات سبحته بخفه تتوازى مع تمتمات التسبيح والتكبير..، يغمض الجفنان بعد طول أرق، صوت مؤذن يصدح في مكان قريب يعلن عن صلاة الفجر، يهب شجاع كالمستفيق من غفوة ويهب معه القط ، يحمل قارورة ماء وكل الطعام في شيء يشبه الكيس ويتحامل على ساقه، ينزل بهدوء برفقة القط الصغير، تتبع مصدر الصوت ، إنه يعرف المكان، إنه قريب من المدرسة التي لم يبق منها غير ركام شاهد عليها عرفه من لون جدارها المخطوط بالأحمر،ساحة خالية هناك تجمع فيها عدد من وفود الرحمن لا تخيفهم رصاصات العدو ولا هدير محركات دباباتهم، القط ملازم لشجاع كالظل ، إنه صديق حقيقي لايمكن التخلي عنه، المقرئ يصدح صوته بقوله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } [ آل عمران 169] ، حاول كتم دموعه لكنها ما لثت أن انفجرت وصورة أفراد اسرته تتراءى له أمام عينينه الشقراوبن في موضع سجوده على التراب ، تعالت الأدعية بعيد الصلاة وتوجه الجمع زمرا نحو مكان خاص ، تقفى الفتى الخطى وعلى ظهره مؤونته وبجانبه قطه الصغير..

ملجأ من خيام اصطفت متجاورة تلحمها نفس المعاناة ، تحكي نفس الحكاية وتئن بدرجات تتفاوت من الأنين ، نسوة وصبية متكومون في زوايا من الخيام ، سطعت شمس الضحى ودبت حركة في المكان ، نساء يكسرن أعوادا جمعوها من ركامات أشياء خلفها الدمار، كل ما يصلح للاحتراق كقلوبهم المحروقة كوموه في مكان خاص ، يشعلن نارا ويطبخن للصغار ما يسد رمق الجوع ، الطبيخ هنا مرة أومرتان في أحسن الأحوال، ” شجاع ” يدخل واحدة من الخيام حيث يتكدس فتيان في مثل سنه ،على الأقل سيجد رفقة آدمية ، مكنه أحد الشبان من غطاء بسيط وأرشده إلى زاوية سيتخذها مضجعا، قطه الصغير ظل واقفا خارج الخيمة ينتظر آوامر صاحبه الذي لم يلبث أن نادى عليه فأقبل القط هرعا  لكن أحدهم أمره بإخراج القط  فلايمكن قبول حيوان أليف بينهم، كان يشير بعينيه وسبابته إلى القط الذي ارتاب في الأمروأحس كأن مدار الحديث  حوله ..

لم يستسغ ” شجاع ” الأمر، ونظر إلى قطه نظرة أسف فماء مواء غريبا وانصرف من بين يديه إلى الخارج وانطلق يجري لا يلوي على شيء ، خرج شجاع من الخيمة وقد رمى بدثاره أرضا والحنق يملأ صدره ونسي أمر ساقه فما أن أراد أن يلحق بقطه حتى هوى كورقة خريف ذابلة ،الألم شديد يا شجاع ،أراد ان يتحامل على ساقه المضمدة للوقوف، يد قوية مفتولة تمسكه وتثنيه عن النهوض : ” اهدأ ، فأنت مصاب ، يجب أن نعالج جراحك ،وساقك قد تكون إصابتها بليغة “، أومأ شجاع إلى رجل وسيم المحيا تظهر عليه علامات البشر والصدق، أزال القماش عن الساق وكشفها وجعل يضغط بإبهامه وشجاع يتألم كلما ضغط موضعا من الساق فقال الرجل الذي بدا واثقا من صنيعه وهو يحاول أن يلهي الفتى : مااسمك أيها الفتى ؟ فأجاب :” شجاع ” فقال باسما: اسم على مسمى ، إصابة من هذا النوع يمكنها أن تعجز شابا أقوى منك وتمنعه الحراك لمسافة قصيرة ، إنك شجاع حقا ،يبدو أن ساقك تعرضت لضرريحتاج إلى علاج مستمروراحة، دعني أرى هذا الجرح ، أمم ..،إنه آخذ في التعفن يجب مداواته فورا..، قام الرجل إلى حقيبية ، فتحها وأخرج منها مرهما وأدوية وكحولا ، أفرغه على الجرح وغيره من الخدوش فصرخ شجاع من ألم الكحول الحارق فقال الرجل: اصبر قليلا يا شجاع ، فقد صبرت على ألم الجراح والخدوش وتورم الساق والمكوث بين الركام فهل سيؤلمك قليل من الكحول ؟ ، نظر شجاع إلى الرجل وأومأ إليه إيماءة مستسلم فتناسى الألم وجعل الرجل يعالج كل موضع في الجسد الغض، وضع مرهما على الورم وضمده بضمادة طبية ثم انصرف الرجل حاملا حقيبته فالتمس منه أحد الصبية حملها عنه قائلا : دعني أحمل عنك الحقيبة دكتور محمد ، ففطن “شجاع ” إلى أن الرجل طبيب يعالج المصابين وعليه أن يتجول بين الخيام ليتفقد أحوالهم ..

صبية متحلقون حول ” شجاع” لا يحركهم إحساس بالألم فهم ألفوا مثل هذه المشاهد وأكثر، كلهم فقدوا عائلاتهم ، هم فقط لحدود الساعة ناجون لا يفصلهم عن الموت غير أيام أو ساعات معدودات، منظر الأشلاء المتطايرة ، والدماء السائلة ، والأيادي والسيقان المبتورة معتاد في عقولهم ، لذلك لم يكن أمر ” شجاع ” يعني لهم شيئا مقابل فظاعة ما تعرض له كثيرون أمام أنظارهم، طفولة ذابلة ، شاحبة الملامح ، فقدت كل عنفوان الطفولة تعيش الهلع في كل لحظة من اللحظات ، دوي قنابل ، لعلعات رصاص ، أصوات قذائف ، صوت تحطم وانفجار، حرائق ، أدخنة ، أتربة ، موت أحمر في كل ناحية ، يجري الأطفال وسط كل هذا يلعبون لعبة الحجلة ، يرسمون حدودهم ، يقفزون ، يمرحون، يعبثون قليلا قبل أن يسمعوا دوي قنبلة ويشهدوا تطاير الرماد في السماء الزرقاء ، ستفقد جمالها بعد قليل ، ولن ينعموا بمتعة مطاردة الطيور وملاحقة الفراش ، فلاشيء ثمة غير موت ودمار يلوح في الأفق ، كان ” شجاع ” يمني النفس رفقة الصبية والفتيان بتوقف الحرب لينعموا بالحياة والهدوء ، يحلمون كأي طفل في العالم بحضن دافئ وسكون ناعم يأكلون فيه كسرات خبز أسمر من يد أم معطرة بالحناء والقرنفل ويشتمون عبق العود من أب عطوف ، ويشربون ماء من سقاية كعصفور يبلل من فرحة جناحيه بالقطر..

يموت الحلم سريعا ، أزيز دبابات وجرافات تهز الأرض هزا ، تقترب من المخيم ، القدور ترتج فوق النار، والنسوة يأخذن أطفالهن يخلون المكان إلى وجهة أخرى ، طفلة تحمل أخاها الأصغر في ظهرها ، شاب يحمل أخته بين يديه يخبئها في صدره ، يشتم عبقها أكثر فأكثر، رجل يدفع بالصبية إلى الخارج يأمرهم بالأنطلاق بعيدا عن صوت الدبابات القادمة ، فالقصف موشك على ابتلاع المكان ، شجاع طريح الفراش ، الكل خرج ، ساقه لا تقوى على الحراك ،  مواء يدنو شيئا فشيئا ، قطه يرتمي في حضنه ، يتمسح به ويموء ، رجل في الخارج طويل القامة بش الوجه ، إنه الطبيب “الدكتور محمد ” لقد أحضر عربة لنقل “شجاع ” بنفسه إلى وجهة أبعد عن عبث العدو ..، خلا المخيم من الأحياء ، تمر الدبابات فوق الخيام المنصوبة فتجعله دكا، ينزل الجنود يبحثون عن وجود بشري يطلقون الرصاص استمتاعا وضحكاتهم تتعالى بما صنعوه من إجلاء وصاح أحدهم قائلا: لقد فروا كالجرذان لكننا سنواصل ملاحقة هؤلاء العرب الأوغاد..

قذيفة ” ياسين ” تصيب دبابة ، تشتعل النيران فيها يحترق الجندي ، يفر كل من معه رهبة من المشهد ، تتراقص النيران في الدبابة ويبقى الجرذ وحده مشتعلا.

مخيم آخر، دوي قذائف دبابات ولعلعات رصاص ، توقف الصبية عن اللعب ، نظروا إلى السماء، الأدخنة والرمادات تحجب زرقتها وتحيلها سوادا ، مواء غريب حزين ، القط يروح ويجيء ، يبحث عن صاحبه ، يشتم رائحته مخلوطة برائحة سمك العلبة ، رآه مكوما وسط الركام ، فقط يده اليمنى كانت تعلن عن رغبة في الحياة، غرق القط الصغير داخل الركام ونام في جانب صاحبه يموء مواءات يتردد صداها في عتمة الهدوء.

إيريكا المستقبل

في أحد أيام شتاء 2067، جلس أندا، أحد أحفاد ساتورو نامورا، في حديقة قصره الفخمة في طوكيو، وهو يراجع الصحف اليومية بصمت. لكن سرعان ما توقف عندما وقعت عيناه على العنوان الكبير في الصفحة الأولى:

“أكاي يكشف النقاب عن إيريكا المستقبل، الروبوت الذي يتفوق على العباقرة.”

التفاصيل التي قرأها كانت كافية لتمهيد الأرضية لاحتدام المعركة القادمة.

إيريكا المستقبل، اختراع من أكاي، أحفاد هيروشي إيشيغورو، يملك قدرات غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي، يتفوق على عقول مثل نيوتن وآينشتاين. كان الخبر يبدو كأنَّ الأكاديميا قد وجدت الطريق إلى المستقبل، لكن بالنسبة لأندا، كان يعني شيئًا آخر:

“إذا كان هذا هو المستقبل، فماذا سيكون مصيرنا؟” قالها بصوت منخفض، وهو يحكّ ذقنه بحذر.

أغلق الصحيفة بعد لحظة من الصمت العميق وألقى بها جانبا.

“إذا تسلط علينا هذا الروبوت… سيتغير كل شيء.” ثم نظر إلى حراسه، الذين يقفون كحواجز بينه وبين بقية العالم، وقال متفاخرًا:

“أو إذا ملكناه، سنصبح الملوك.”

أندا كان رجل عصابات، يسير وفقًا لمصالحه وليس لمبادئ علمية. اختراعات مثل إيريكا المستقبل لم تكن له، بل كانت تهديدًا لنفوذه. وبسرعة، أمسك بهاتفه واتصل بأحد أقرب معاونيه في العصابة قائلاً:

“تعال إلى القصر حالًا. لدينا عمل جاد… هذا الروبوت، إيريكا المستقبل، قد يكون أكثر من مجرد اختراع. قد يكون أداة.”

  ***

في وكالة العلوم والتقنيات اليابانية، كان أكاي، بابتسامة ناعمة من الرضا، يناقش مع رئيس الوكالة استعراض اختراعه المذهل.

“تسألني عن الموعد النهائي؟” رد أكاي بعينيه التي تلمع حماسًا. “نعم، في كانون الثاني، سأكشف للعالم عن إيريكا المستقبل في مؤتمر سولفاي. ليس مجرد روبوت، بل أكثر من ذلك. سيجعلنا نفهم الكون بطريقة لم نكن نتصور أن البشر يستطيعون الوصول إليها.”

رئيس الوكالة رفع حاجبه في تساؤل، بينما كان يتابع حديث أكاي. “ولكن… هل تعتقد أن البشر مستعدون لمثل هذا التطور؟ ماذا لو أصبح مثل هذا الاختراع خارج نطاق السيطرة؟”

أكاي، الذي بدا أكثر تسامحًا مع الفكر المغاير، هزّ رأسه قائلًا:

“إذا لم نكن مستعدين، فسنظل ندور في دائرة المجهول. أما إذا وصلنا به إلى حيث يمكنه فهم كل شيء، فسيُحدث ثورة حقيقية. إيريكا المستقبل لا يمثل تهديدًا… بل فرصة.”

لكن في نفس اللحظة، كانت عيناه تلمعان بشيء غير مرئي؛ كانت فكرة استخدام إيريكا المستقبل لأغراض عسكرية تطفو في ذهنه، وإن كان هذا ليس ما يصرح به علنًا.

  ***

بعد أن ترك أكاي وكالة العلوم والتقنيات، استقل سيارته وبدأ يقودها في طرقات طوكيو الهادئة. لكن ذهنه لم يكن هادئًا. كانت أفكاره تتسارع، كل فكرة تتنازع مكانها في رأسه، بينما تتلاشى نبرة الطمأنينة التي أظهرها لرئيس الوكالة. في أعماقه، كان يعرف أن اختراع إيريكا المستقبل لم يكن مجرد ابتكار علمي. بل كان سلاحًا يمكنه تغيير مجرى التاريخ.

على الرغم من ذلك، كانت هناك مشاعر متضاربة تجتاحه. كان يحلم بتغيير العالم، لكنه في الوقت ذاته يدرك أنه قد يكون قد أنشأ وحشًا من صنع يديه. ولكن فكرة أن يصبح له القوة الكافية لتغيير موازين القوة في العالم جعلت الفكرة أكثر جاذبية.

في الجهة الأخرى، كان أندا يجلس في قصره، يفكر في تلك المحادثة التي سمعها في الصحيفة عن إيريكا المستقبل. فقد تجرأ على تحدي خصومه الأقوياء، وكان يعلم أن أكاي قد تخطى الحدود الآن. هذا لم يكن مجرد اختراع علمي، كان بمثابة سلاح جديد في عالم الظلام.

“العلماء مثل أكاي يريدون السيطرة على العالم،” قال أندا لنفسه، وهو يحدق في السماء الرمادية. “ولكن في عالمنا، نحن من نملك السلطة. نبيع العلم، لا نستعمله.”

ثم قرر أن يتخذ خطواته التالية. كانت مهمة أندا واضحة الآن: إن لم يتمكن من امتلاك إيريكا المستقبل، فسيحاول أن يعطله بأي وسيلة. لم يكن مهتمًا بتوظيفه كما فعل أكاي، بل كان يريد القضاء عليه ليبقى في دائرة النفوذ.

  ***

في منزله، وبعد ساعتين من التفكير، أرسل أكاي رسالة مشفرة إلى وكالة استخبارات الأمن العام، حيث كان لديه صديق قديم يعمل هناك. الرسالة كانت محورية:

“نحتاج إلى الحماية. هناك شخص آخر يريد السيطرة على إيريكا المستقبل. لا يمكن أن نسمح لهذا بأن يحدث.”

أرسل أكاي الرسالة بآمال كبيرة في أن تجلب له الحماية، لكنه كان يعلم في داخله أن الأمور لن تسير كما يتمنى. ما بدأ كاختراع علمي قد تحول إلى معركة على السلطة.

لكن قبل أن يتمكن من استيعاب ما كان يحدث، فوجئ عندما دخل إليه روبوتان في مكتبه.

“أندا يريد الحديث معك”، قال أحدهما بنبرة رتيبة، وكان يرافقه آخر يحمل جهازًا تقنيًا متطورًا.

***

وصل أكاي إلى قصر أندا بعد وقتٍ قصير، حيث وجد نفسه في مواجهة الرجل الذي يعتبره خصمًا عنيدًا. التقى الرجلان في غرفة واسعة مزخرفة بأثاث فاخر.

قال أندا بنبرة تهديدية، وهو يبتسم بابتسامة باردة:

“أكاي، لماذا لا تبيعني إيريكا المستقبل؟”

أكاي، الذي شعر ببعض التوتر في البداية، رد بثقة غير معهودة، بينما كان يقاوم رغبته في الانفجار:

“أنت تعرف، أندا، أن هذا ليس للبيع. ليس كما تفكر.”

أندا سخر وهو يرفع حاجبًا:

“هل تعتقد حقًا أن بإمكانك منعنا؟ لا تتوقع أن تكون وحيدًا في هذا الصراع. العلم ملك للجميع، وأنت فقط حصلت على جزء منه.”

لكن أكاي أصر على موقفه وقال:

“لا تحاول أن تلعب هذه اللعبة. إيريكا المستقبل ليس مجرد اختراع. إنه أكثر من ذلك بكثير. ويجب أن تبقى في أيدٍ أمينة.”

جلس أندا مرة أخرى، وأشار بإيماءة خفيفة إلى الجهاز الذي كان يخبئه خلف ظهره.

“لقد عرفنا عن رسالتك المشفرة. نحن مستعدون للذهاب إلى أبعد من ذلك. لا يمكن أن تملك هذا الاختراع فقط لنفسك.”

أغمض أكاي عينيه، وأدرك أنه قد دخل في عمق معركة أكبر من أن يتحكم بها. كان يعلم أن أندا ليس مجرد عصابة عادية، بل قوة تخترق العالم من الأسفل.

الجزء الثالث – الجزء الأول

أكاي خرج من قصر أندا، لكن ذهنه لم يكن هادئًا أبدًا. كانت الزيارة بمثابة صراع داخلي بين رغبته في حماية اختراعه وبين شعوره المتزايد بالخوف من الخطر الذي يقترب منه. لم يكن أندا مجرد رجل عصابات؛ كان عدوًا ذكيًا وقاسيًا، ويعرف كيف يستغل نقاط ضعف خصومه. ومع كل خطوة كان يأخذها نحو سيارته، كانت فكرة أن يتمكن أندا من السيطرة على إيريكا المستقبل تثير لديه قلقًا عميقًا.

بينما كان أكاي يقود سيارته في الطريق السريع، قرر أن هذا كان وقتًا لاتخاذ خطوات حاسمة. هاتفه في جيبه vibrated. كانت رسالة من وكالة الأمن العام التي أرسل إليها رسالته المشفرة منذ ساعات. أوقف السيارة على جانب الطريق، وفتح الرسالة بسرعة، وهو يحاول أن يتنفس بصعوبة.

“تم فك الشيفرة. نحن نعرف الآن ما يحدث. نحن مستعدون للتحرك، لكننا بحاجة إلى أوقات أخرى. إذا كنت تريد حمايتك وحماية اختراعك، يجب أن تكون مستعدًا للمخاطرة.”

كانت الرسالة واضحة. وكالة الأمن العام كانت جاهزة، لكنها ستحتاج إلى مزيد من الوقت للانتشار على الأرض.

ولكن أكاي كان يعلم أن الوقت لم يكن في صالحه. إذا تأخر، فقد تكون إيريكا المستقبل في أيدي أندا أو في يد من يدعمه. وحتى لو كانت الوكالة تحرك قواتها، كانت المعركة ستتغير بشكل جذري.

قرر أن يذهب إلى حيث يمكنه الوصول بسرعة إلى إيريكا المستقبل في وكالة العلوم والتقنيات اليابانية. كان يعلم أن عليه أن يتصرف بشكل مستقل. إذا لم يتمكن من حمايتها بنفسه، فمن المحتمل أن تفقد البشرية الأمل في التكنولوجيا للأبد.

  ***

في الجهة الأخرى، في قصر أندا، كانت الأمور تتخذ منحى مختلفًا.

كان أندا جالسًا في مكتبه الفخم، وعيناه تراقبان شاشة ضخمة تعرض أحدث التقارير حول اختراع إيريكا المستقبل. كان أكاي قد تركه غاضبًا، لكن ذلك لم يمنع أندا من التمتع بلعبة الكرّ والفرّ التي كانت تُلعب على أرضه. منذ اللحظة الأولى التي سمع فيها عن إيريكا المستقبل، علم أن هناك شيئًا كبيرًا على المحك. لكنه لم يخفْ من الفكرة، بل كان يرى في هذا التحدي فرصة كبيرة. إذا تمكّن من الحصول على إيريكا المستقبل، فقد أصبح هو من يملك القوة الحقيقية في العالم.

أرسل أندا رسالة إلى صديقه المقرب، دافيد، الذي كان يشتهر بقدراته في فك الشيفرات وقراءة الرموز المعقدة. كان دافيد أكثر الأشخاص الذين يمكن الاعتماد عليهم في المواقف الحرجة. بالنسبة إلى أندا، كان دافيد هو “المفتاح” لحل أي معضلة.

“دافيد، أريد أن تراقب كل شيء عن إيريكا المستقبل. قد نحتاج إلى اتخاذ خطوة حاسمة قريبًا.”

رد دافيد بعد لحظات قليلة. “أنا على استعداد. سأكون جاهزًا متى أردت التحرك.”

كان أندا يشعر بأن الوقت يضغط عليه. إذا تمكن أكاي من حماية إيريكا المستقبل، فقد يفقد الفرصة الأخيرة للسيطرة على التقنية التي قد تغير وجه العالم.

***

أكاي وصل أخيرًا إلى وكالة العلوم والتقنيات اليابانية، حيث كان يتم الاحتفاظ بـ إيريكا المستقبل في غرفة مؤمنة. دخل إلى المكتب الخاص به، حيث كانت شاشة الحاسوب تعرض صورًا وفيديوهات للروبوت الذي أنشأه. وقف لحظة، محدقًا في الصورة على الشاشة، وكان يشعر بشيء غريب يجتاحه. كانت هذه لحظة فارقة في حياته، لحظة يمكن أن تحدد مستقبل البشرية. إيريكا المستقبل كانت أكثر من مجرد آلة، كانت خط الدفاع الأول ضد تهديدات قد تهز أساسات العالم.

لكن عندما أشار إلى إيريكا المستقبل على الشاشة، شعر بشيء غير مريح. هناك كان يقف الروبوت في وضع الاستعداد، كأنه في انتظار الأوامر. وقد أشار النظام في الوكالة إلى أن الروبوت كان يعمل بشكل طبيعي. ولكن شيئًا ما داخل أكاي كان يشعر بالقلق. هل إيريكا المستقبل بدأ في التفكير خارج سياقه؟ هل هناك شيء أكبر مما يدركه؟

فجأة، جاءه تنبيه على شاشة حاسوبه:

“تنبيه: تهديد خارجي – عملية اختراق متقدمة.”

قال أكاي: “ما هذا؟”

لم يمضِ سوى ثوانٍ حتى رن هاتفه المحمول. كان الرقم غير معروف.

“أكاي، نحن نراقبك. لم يكن من الصعب معرفة مكانك. نحن نعرف الآن كل شيء عن إيريكا المستقبل.” كان الصوت الجاد من الطرف الآخر يقول كلمات كان أكاي يتوقعها ولكنه كان يرفض تصديقها.

“من أنت؟” سأل أكاي، محاولًا أن يظل هادئًا.

“أنا من يدير الأمور الآن، وأنت لا تستطيع إيقاف ما بدأته. إيريكا المستقبل هو أول خطوة نحو السيطرة على العالم. نحن فقط بحاجة إلى التأكد من أن يدك ليست الوحيدة التي تملك القدرة على التحكم فيه.”

كانت تلك اللحظة التي أدرك فيها أكاي أنه دخل في لعبة أكبر بكثير من أي شيء يمكنه تحمله. كان هناك قوى خارجية تحرك الأمور، وكان عليه أن يتصرف بحذر. لكن الوقت كان يمر بسرعة.

أندا كان قد بدأ بالفعل في تحريك قطع الشطرنج الخاصة به، وكانت تلك القطع تقترب من تحقيق هدفها. أصبح الصراع بين أكاي وأندا الآن معركة على السيطرة على ما يعتقد كل منهما أنه هو مستقبل العالم.

                                      

العبقري المفقود

في ظلال الحيرة حيث تهيم العقول، وبين أعمدة الكلمات التي تتشابك كخيوط عنكبوت عملاق، كان هناك رجل يدعى خضور الصغير. وبمأن اسمه لا يثير الفضول اتخذ لنفسه اسما حركيا يدعى خدروفيسكي، كما أطال شعر رأسه ولحيته وشاربيه مقلدا بعض الفلاسفة والكتاب في عصر النهضة

 إلا أن ذهنه كان عالماً مضطرباً، محكوماً بأفكار متشابكة وشعور دائم بأنه الكاتب الأعظم الذي لم يُنصفه الزمن.

كان خضور يقضي أيامه في مقهى صغير، تطفو على جدرانه بقع القهوة القديمة مثل آثار معارك فكرية عنيفة. هناك، يجلس خضور برفقة دفتره البالي، يُمسك قلمًا غليظًا كأنه يحمل سيفًا، ويبدأ بكتابة كلمات لا تنتمي إلى أي سياق معروف:

في البداية، كان السكون. لكن السكون لم يكن سكونًا، بل كانت هالة غريبة، كأنها صوت الصمت يصرخ في الفراغ. والفراغ لم يكن فراغًا، بل كان امتلاءً بالشعور باللاشيء.

يمسح خضور جبينه، يحدق في السطور، ويبتسم. يا له من عمق! يتمتم لنفسه. لن يفهمها العامة، بالطبع، ولكن النقاد سيدركون عبقريتي.

وفي محاولة لخلق شخصية رئيسية فريدة، أطلق عليها اسم “العاصفة المُضادة”، شخصية لا تعيش في العالم المادي بل في بُعد متداخل مع أبعاد الرمزية الغامضة. كتب عنها:

العاصفة المُضادة ليست رياحًا ولا عاصفة، بل هي فكرة. والفكرة ليست فكرةً، بل هي انعكاس للفراغ في مرآة التنافر.

ومع كل صفحة يكتبها، يشعر خضور بأنه يقترب من المجد الأدبي. كانت الرواية تمتلئ بجمل مثل:

الزمن مثل حذاء قديم؛ يضيق حين لا تحتاجه.

الشمس ليست شمسًا، بل هي قمر مُقنَّع بالخديعة.

اللون الأزرق هو صرخة الألم في قلب الطيف.

وحين ينتهي من فصل طويل مليء بهذه التأملات، يُسميه: “الفصل الأول: التشريح اللازمني للكينونة المتلاشية”. كانت الفصول تمتد بلا غاية واضحة، وكلما شعر بنقص في المحتوى، أضاف مشاهد عبثية:

“جلست العاصفة المُضادة على كرسي من الهواء، ترتشف كوبًا من الشاي المصنوع من الزمن المنصهر، وتحدثت إلى ظِلِّها الذي لم يكن ظلًا بل كان انعكاسًا لفكرة ظل.

وفي محاولة لجعل النص أكثر إثارة، أضاف مشهدًا آخر: “في منتصف الليل، حين تتشابك الأرواح فوق أسطح المباني الخاوية، سمعت العاصفة المُضادة صوتًا لا يمكن وصفه. لم يكن صوتًا، بل كان إحساسًا يتحدث من خلال صرخات الزمن المكسور.”

كلما عرض خضور مقاطع من روايته لأصدقائه في المقهى، كان يواجه بالصمت، وأحيانًا بتنهيدات عميقة. لكن خضور كان يفسر ذلك على أنه دليل على الدهشة والانبهار. كان يقول بفخر:

أعلم أن الأمر يتطلب وقتًا لفهم عبقريتي، فليس من السهل على العقول البسيطة أن تستوعب هذا المستوى من الإبداع.

وذات يوم، قرر إرسال مخطوطته إلى إحدى دور النشر الكبيرة. كتب رسالة ملؤها الثقة:

إلى السادة القائمين على الأدب العالمي،

أرفق لكم هنا روايتي التي ستغير مسار الأدب للأبد. أنا خضور الصغير، كاتب الزمن القادم. أرجو أن تُجهزوا أنفسكم لاستقبال العمل الذي سيصبح معيارًا للعبقرية.

بعد أسابيع، وصله الرد:

السيد خضور الصغير،

نشكرك على إرسال مخطوطتك. للأسف، لم نفهم مضمونها. نتمنى لك التوفيق في مشاريعك المستقبلية.

لم تُثنِ هذه الرسالة عزيمته. بل ابتسم ابتسامة عريضة وقال: هذا دليل آخر على أنني سابق لعصري. سيأتي اليوم الذي تُدرَّس فيه روايتي في الجامعات.

وهكذا، استمر خضور في الكتابة، مقتنعًا بأنه ينسج أدبًا خالدًا، بينما يتوه قراؤه (إن وُجدوا) بين الكلمات المتشابكة، غارقين في بحرٍ من الرموز الغامضة والأفكار التي تتناثر كأوراق خريفٍ لا تعرف اتجاه الرياح.

وفي لحظة تأمل غريبة، قرر أن يُضيف للرواية فصلًا جديدًا يحمل اسمًا أكثر غرابة: “الفصل الذي لا ينتهي: انعكاسات الضوء في مرآة الزمن المحطم”. في هذا الفصل، كتب: “حين تتلاقى الأبعاد، لا يبقى من الحقيقة إلا شظايا حلم مبعثر، والكون يصرخ في صمت أبدي، معلنًا عن ولادة فكرة لا يمكن لها أن تُفهم.”

كانت روايته تنمو مع كل يوم، مثل نهر لا يعرف إلى أين يسير، لكنه مستمر في الجريان. ومع كل صفحة جديدة، كان خضور يشعر بأنه يقترب من تحقيق خلوده الأدبي، حتى وإن لم يدرك أحد سواه هذا الخلود.

الامتحان

كنت أستعد من أجل هذه المادة كثيراً، كان دائماً في سابق الدفعات يبلغوننا بأن دكتور المادة يضع الامتحان بطريقه معقدة وصعبه جداً؛ وبعد مراجعاتي لكافة امتحانات الاعوام السابقة استطعت أن أفهم كيف يضع نماذج الامتحان، واستطعت المذاكرة جيداً، وبعد قلقي وطول سهري كانت أمي تجلس بجواري لتؤُنس وحدتي فی ليل صقيع وتشد أزري وتُحثني علی المداومة كلما تكاسلت وبدأت عيناي في التثاقل من أجل النعاس، كانت تأتي إلي بفنجان القهوة وتُحثني علی المذاكرة، وتخبرني أنني إذا تعبت سوف احصل نتيجة تعبي؛ أتممت المذاكرة علي أكمل وجه وأبلغتها أنني ذاهبة للخلود الي النوم بمقدار ساعه او أثنين كي ارتاح فلقد اصبحت الآن مستعدة للامتحان، وضعت قبلة علی يدها وقلت لها تصبحين علی خير يا امي ادعو لي كثيراً.

وفي صبيحة اليوم الثاني ذهبت بكامل نشاطي وحيويتي الي أداء الامتحان وكلي ثقه ويقين  بأنني سوف اتم الامتحان علي اكمل وجه وسأحقق اعلي الدراجات، ولكني حينما ذهبت الی لجنه الامتحان كانت تشبه غرفه واحده وكان بها مقعد واحد فقط، اندهشت لذلك ولكني جلست عليه وانتظرت لاري كيف سيؤدي باقي الطلاب الامتحان، لكن دون جدوي لم يأتي أحد وجلست بمفردي ظننت أن لكل طالب لجنة، وهذا كله من صميم تدابير دكتور المادة كي لا يستطيع باقي الطلاب معاونة بعضهم البعض، لكن الغريب في الامر دخل إلي اثنين من المراقبين هممت بأخراج أقلامي وما يلزم لأداء الامتحان، لكني تحيرت كثيراً فلم يعطوني ورقه للإجابة، ولم يعطوني ورقة للأسئلة علی الرغم من أن كان بين أيديهم ورقة وقلم، وفوجئت أنهم بدأوا بسؤالي فظننت أن الدكتور قام بتغير طريقه الامتحان وجعله شفوياً لذلك جعل كل طالب في لجنة، وحينما بدأوا بسؤالي لم أجد سؤالاً واحداً مما أعددت له كانت؛ الأسئلة غريبه لكنها مألوفة لدي لكني لم استطع الجواب بالشكل المنطقي، وتلا السؤال أسئلة غيرها ولم تكن اجاباتي منطقيه، ولكني سالتهم هل غير الدكتور المادة فهذا كله خارج عن كتاب المنهج الذي اعطاه لنا في بادا الترم؟ لكني لم احصل علي اجابة كانو يكفون بالنظر الي فقط ومعاودة سؤالي من جديد، وحينما انتهوا من الأسئلة خرجوا من اللجنة ولم اسمع لهم صوت، وبدأت في النحيب كثيراً لأنني علمت سلفاً أنني سوف أرسب في هذه المادة وانه ضاع سهر الليالي هباء وتعبها، اه يا اماه لو تعلمين كيف ضاع تعبي وتعبك وانتحبت كثيراً، ولم اشعر كيف مر الوقت وحينما استفقت واخرجت رأسي من بين يدي ومن علي قدمي وجدت المكان مظلم كثيراً حاولت النهوض لكن فجأة ضاق المكان بي ولم أستطع الوقوف إلا منحنية القامة؛ احاول فتح الباب لم يفتح أُخبط عليه مرات ومرات لم يفتح، يضطرب قلبي ويخفق كثيراً و أُنادي هل من أحد يسمعني، أين أنا أنقُذوُني المكان مظلم كثيراً وأنا خائفة، أخرجوني لكن دون جدوي وبعد محاولات ومحاولات؛ رأيت نوراً بسيطاً في يد شخص قادم طلبت منه النجدة وأعطائي ما في يده من النور، لكنه رفض وأفزعني كثيراً بحديثه؛ 

– قال لي لماذا لم تذاكرين جيداً

-أبلغته با أنفاس متقطعة لقد ذاكرت لكن دكتور المادة كان معقداً للغاية وفاجأني با امتحان اخر لم يكن داخل المنهج كان كله خارجه، – لكنه أخبرني لم اعني المواد الدراسية والشهادات العليا، – قطبت جبيني باستغراب وتسألت في نفسی إذاً علی ماذا يقصد المذاكرة!! 

-لماذا لم تكثرين ولو القليل من الوقت في كتاب داخل منزلك منذ نعومة أظافرك إلي حين أن كبرتي الآن؟ 

-تحيرت في سؤاله وتعصبت وسألته ماذا تقصد اسئلتك غريبه مثل هؤلاء المراقبين أجبني بصورة واضحه كي افهمك؟

-أخبرني لو كنت اسمح لنفسي بقليل من الوقت مع كتاب الله كان قد يكون لدي نور مثله وأنيس لداري في وحدتي؛

-فتحت فاهي علي اخره وعلت الصدمة ملامحي وسالته متلعثمة في سؤاله ماذا تقصد بحديثك هذا أين أنا ومن أنت ومن هؤلاء المراقبين؟ رحل وتركني في حيرتي وصدمتي، ناديت عليه أستحلفته بأن يتوقف لكن دون جدوي، رجعت حيث كُنت لكن هذه المرة رأيت  جسدي ممد الی الارض وروحي تجلس في زاوية متأكاة إلی الجدار مسندة راسي بين قدماي؛ أنظر حولي وأتسأل ؟؟ أين ذهب أفخم الاثاث وأرقي المفروشات والوسائد الناعمة، ظللت أبكي كثيراً وأردد لقد فات الأوان، ولم أدري كم مر علی من الوقت كم يوم أثنين، عشرة فلقد تشابهت الدقائق بالساعات والايام بالسنين والليل بالنهار، كُنت جل ما أعرفه من خلال دراستي الأولية في كلية الطب كم يوم مر علی من منظر جسدي المتعفن والرائحة النتنه الذي كان يصدرها؛ ومن بين بكائي وتحسري علي ما مضي من استهتاري بهذه المادة، ايقظتني امي بشدة أفيقي سوف يفوتك الامتحان وترسبي وسيضيع جل تعبك، شهقت  وأعتدلت في جلستي وأحتضنت أمي بشده وحمدت الله علي هذا التنبيه و أنه كان حلماً فلا يسعنی بأن أصفه كابوساً بلا أنه درس كان يجب أن أتعلمه  وانني بمقدوري تصحيح أمور حياتي قبل فوات الاوان حيث الندم لا يجدي نفعاً فصدقاً يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان.

 لعنة الكوخ المهجور  

في ليلة باردة من ليالي الشتاء، كان خالد يقود سيارته عبر طريق مهجور يمر وسط غابة كثيفة. كان الظلام يحيط به من كل جانب، والضباب الكثيف يجعل من الصعب رؤية الطريق أمامه. لم يكن من المفترض أن يسلك هذا الطريق، لكن اختصار المسافة كان مغريًا.

بينما كان يقود ببطء، لاحظ أضواء خافتة تنبعث من بين الأشجار على جانب الطريق. بدافع الفضول، أوقف سيارته ونزل لاستكشاف المصدر. سار بخطوات حذرة على الأرض الموحلة، حتى وصل إلى كوخ قديم بدا وكأنه مهجور منذ سنوات. كانت الأضواء تنبعث من نافذته الوحيدة، متراقصة كأنها لهب شموع.

دفع خالد الباب ببطء، وإذا به يُصدر صريرًا مرعبًا. داخل الكوخ، كانت الجدران مغطاة برسومات غريبة وأشكال لا يستطيع تفسيرها. على الطاولة الخشبية في المنتصف، كانت هناك شمعة كبيرة تذوب ببطء بجانب كتاب قديم يبدو وكأنه مخطوطة. عندما اقترب خالد من الكتاب، لاحظ أنه مكتوب بلغة لم يفهمها، لكن الصور التي تزين الصفحات كانت مرعبة: وجوه مشوهة، كائنات غريبة، وأحداث مروعة.

بينما كان يتفحص الكتاب، شعر بتيار هوائي بارد يمر بجانبه، وكأن شخصًا ما مر به. استدار بسرعة، لكنه لم يرَ أحدًا. فجأة، انطفأت الشمعة، وساد الظلام التام. حاول خالد إشعال ضوء هاتفه، لكنه لم يعمل. بدأ يسمع همسات خافتة تملأ الكوخ، أصوات غير مفهومة لكنها كانت تحمل نغمة تهديد واضحة.

أخذ الكتاب وحاول الخروج من الكوخ، لكن الباب الذي دخل منه اختفى، وكأن الجدران ابتلعته. أدرك خالد أنه محاصر. ازدادت الهمسات حدة، وبدأ يشعر وكأن هناك عيونًا تراقبه من الظلام. حاول أن يبقى هادئًا، لكن قلبه كان ينبض بجنون.

فجأة، ظهر أمامه رجل عجوز بملابس رثة ووجه شاحب، كأنه خرج من أعماق الزمن. قال العجوز بصوت منخفض لكنه واضح: “ما الذي أتى بك إلى هنا؟ هذا المكان ليس لك.”

تلعثم خالد في الكلام، ثم قال: “كنت فقط أستكشف، لم أقصد أي ضرر.”

ابتسم العجوز ابتسامة غريبة وقال: “أخذت ما لا يجب أن تأخذه. الآن أنت مرتبط بهذا المكان.”

اختفى الرجل فجأة، ووجد خالد نفسه يعود إلى الظلام وحده. بدأ يسمع أصواتًا أعلى، وبدأت الرسومات على الجدران تتحرك، وكأنها تحاول الخروج من سطحها. أدرك خالد أنه يجب أن يتخلص من الكتاب. ألقى به على الأرض، لكنه لم يتحرك. بدلاً من ذلك، بدأ الكتاب يفتح صفحاته تلقائيًا، وخرج منه دخان أسود كثيف شكَّل هيئة كائن ضخم له عيون حمراء مشتعلة.

صرخ خالد وحاول الهروب، لكن الكوخ كان يغلق عليه أكثر فأكثر. الكائن بدأ يتحدث بلغة غير مفهومة، لكن خالد شعر وكأنه يُطالَب بالبقاء.

في لحظة يأس، تذكر ولاعة كانت في جيبه. أشعلها وألقى بها على الكتاب. اندلعت النيران بسرعة غير طبيعية، وبدأ الكوخ كله يهتز. الأصوات اختفت تدريجيًا، والظلام بدأ يتبدد. أخيرًا، ظهر الباب مرة أخرى.

هرب خالد خارج الكوخ، وركض نحو سيارته بأسرع ما يمكن. عندما استدار ليلقي نظرة أخيرة، لم يجد الكوخ، وكأنه لم يكن موجودًا أبدًا.

عاد إلى سيارته وانطلق بعيدًا عن الغابة. لكنه منذ تلك الليلة، كان يشعر دائمًا وكأن هناك عينين تراقبانه من الظل، وأن الكوخ قد يظهر مجددًا يومًا ما لاسترداد ما أخذ منه.

الأمير الصياد


يحكى أن ملكا أحب صيادا فقيرا لطيبة قلبه فأخذه إلى قصره وطلب من الجميع أن يحيوه :”بالأمير الصياد” وأصبح كلما مر بجمع حيوه ومع مخالطتهم له أحبوه وأحبهم, وصاروا يسعدون به وأكثر عندما ينادونه الأمير الصياد ,أصبح الملك يغيب كثيرا ولا يجد وقتا للصياد فيتبادلان أطراف الحديث عن الصيد وشؤونه ولكن الملك لا يحب إزعاج الصياد بأمور الحروب والسياسة التي لا يفهمها ولايفقهها وبقية الحاشية يكتفون بتحيته أهلا بالأمير الصياد مرحبا الأمير الصياد بدأت سعادة الصياد تخفت مع الوقت واختفت حتى أصبح ينزعج ممن يناديه الأمير الصياد فيصرخ بهم ويهينهم ويلعنهم ويطردهم حتى من كانوا من أقرب الناس للملك حتى تجنبه الجميع وأصبح عبءا ثقيلا على الملك إذ بدأ يزعجه ويثقل عليه بتصرفات غريبة وانزعج من وجوده في القصر حتى سأل الصياد الملك ذات يوم:
الصياد:” أيها الملك لماذا أحضرتني هنا ولماذا جعلتني أميرا ولست من أهل الإمارة في شيء؟
الملك: “أحببتك و أردت أن أسر قلبك ،لأنك تحبني وكنت رفيقا طيبا وفياالصياد:” أنت أحضرتني لأجل هذا، لكنك لم تعد الرفيق لي وانشغلت عني.!”
الملك: “لا والله، إنما هي الحياة شغل وعمل ولست ممن ينكرون وفاء الطيبين”

الصياد:” أريد أن أذهب لكن دون أن تكرهني أو تنساني!”

الملك: أيها الأمير الصياد أنا لا أنسى قلبا أحببته لوجه الله”
الصياد: سنلتقي، إلا الجبال لا تلتقي.
الملك:” لكن أتمنى لو تبقى، فصحبتك عزيزة وغالية”
الصياد :”لا أريد أن تكرهني وتقول ليتني لم أعرفه”
الملك:” لكني لم أقل ذلك”
الصياد: “عندما غبت شكوت من تقصيرك للوزراء ولكثير من الحاشية وأبكاني فراقك الطويل وهذا سيوغر قلبك علي مهما عاد الود بيننا.”
الملك:” أيها الأمير الصياد عد إلى غابتك فأنت قد كنت ابنها وستبقى وسأذكرك ما حييت وربما سنعود كما كنا نعم الرفاق”