ملحمة الإسلام في الصين بين مجد الصحابة وجرح الإيغور

في تاريخ الأمم لحظاتٌ فارقة تعيد رسم خرائط الروح قبل الجغرافيا. ومن أغرب وأجمل تلك اللحظات، حين ركب الصحابة الكرام “سفن النجاة” ليقطعوا طريق الحرير البحري، لا طمعاً في ذهب الصين، بل رغبةً في إيصال كلمة الله إلى أقصى الأرض. ومن هنا نبدأ حكايةً بدأت بنور “التوحيد” وتمر اليوم بنفق “التهجين القسري”.

وهب بن أبي كبشة: السفير النبوي خلف البحار

بعد “صلح الحديبية”، انتقل المركز الإسلامي إلى مرحلة “الدبلوماسية العالمية”. وجه النبي ﷺ رسائله إلى ملوك الأرض، وكان من بينهم “ملك الصين”. انطلق الصحابي الجليل وهب بن أبي كبشة (رضي الله عنه)—وهو من أخوال النبي ﷺ من بني زهرة—في رحلةٍ أسطورية عبر المحيطات. لم يكن وهب مجرد داعية، بل كان “خبيراً في أخلاق الأمم”. دخل بلاد الصين، وبالتحديد مدينة “غوانزو” (كانتون)، حاملاً رسالةً بدأت بعبارة تهز الوجدان: “من محمد رسول الله إلى عظيم ملك الصين”. لقد تجلت في هذه الرسالة حكمة نبوية بالغة؛ حيث خاطب الملك بلقب “عظيم” تكريماً لمكانته، ودعاه بـ “كلمة سواء” لا إكراه فيها ولا قهر. ويروى أن الإمبراطور الصيني حينها (من أسرة تانغ) قد فُتن بزهادة الصحابة وأخلاقهم، واعتبر أن مبادئ الإسلام الأخلاقية تتقاطع في جوهرها مع فضائل “الكونفوشيوسية” في احترام النفس والمجتمع، فأذن ببناء “مسجد هوايشانغ” (مسجد الذكرى الشريفة)، الذي ما زالت مئذنته “نور المنارة” شاهدةً على أول لقاء رسمي بين الإسلام والصين في السنة السادسة للهجرة.

التبادل الحضاري: حين كان المسلمون “جسراً” للصين

لم ينتهِ الأمر عند وهب؛ بل تلاه وفدٌ مهيب في عهد الخليفة عثمان بن عفان برئاسة سعد بن أبي وقاص عام 31 هـ. كانت تلك البداية لتاريخ شريف من التعاون؛ حيث أصبح المسلمون هم “العصب التجاري” للصين، يربطونها بالعالم عبر التجارة والأخلاق. لم يكره المسلمون أحداً على الدين، بل دخل الصينيون في دين الله أفواجاً لما رأوا من صدق المعاملة، حتى أصبحت المدن الصينية تضج بحياةٍ اقتصادية وأخلاقية فريدة تحت حكم أسرة “تانغ”.

العصر الرقمي المرعب: “لا مفر” من الحقيقة

أما اليوم، فالصورة قد انقلبت رأساً على عقب. فالتاريخ الذي شهد بناء المساجد بأمر الأباطرة، يشهد اليوم هدمها بجرافات “الإبادة الثقافية”. في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان “لا مفر: القصة الحقيقية لإبادة الصين للإيغور”، ينقل لنا الكاتب الأمريكي من أصل إيغوري “نوري تركل” صرخةً من قلب الظلام. يوثق الكتاب كيف تحولت الصين من “واحة تجارية” إلى “مختبر مراقبة” عالمي. المسلمون في “تركستان الشرقية” اليوم لا يواجهون السجون التقليدية فحسب، بل يواجهون “سجون الخوارزميات”. تقنيات الذكاء الاصطناعي تراقب ملامح وجوههم؛ فمن يظهر عليه مسحة حزن أو يرتل آية في سره، تلتقطه الكاميرات. تم تثبيت أنظمة مراقبة إجبارية على الهواتف، ومن وُجد في هاتفه “كلمات إسلامية” أو “دعاء” كان مصيره الاعتقال.

انتهاك “قدسية البيت” ومسخ الهوية:

المأساة لم تتوقف عند عتبة البيت، بل دخلت في مخدع النوم. تفرض الحكومة نظام “التوأمة القسرية”، حيث يُجبر موظفون حكوميون على العيش داخل بيوت المسلمين الإيغور لمراقبة صلواتهم وطعامهم، بل وتجريدهم من خصوصيتهم النفسية. وفي مراكز الاعتقال (التي تسمى كذباً مراكز إعادة التأهيل)، يُجبر المسلمون على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لـ “غسل أدمغتهم” من الهوية الإسلامية، ويتم تعقيم النساء قسراً في واحدة من أبشع جرائم التطهير العرقي في العصر الحديث. لقد مات الصحابي وهب بن أبي كبشة في أرض الصين، وترك فيها مسجداً كان رمزاً للتعايش والدبلوماسية الراقية. واليوم، ونحن نقرأ التاريخ الصيني الحالي بدموع الهموم، نتساءل: أين غابت تلك الحكمة البليغة التي استقبل بها الأباطرة الأوائل رسائل النبي ﷺ؟

إن إرث وهب وسعد بن أبي وقاص لن يمحوه “الذكاء الاصطناعي” ولا “التعذيب الممنهج”. فالإسلام الذي دخل الصين بكلمة “عظيم”، سيبقى عظيماً في قلوب المؤمنين، وستظل قصص الصمود في “تركستان” فصلاً جديداً من فصول ملحمةٍ بدأت بسفينةٍ صغيرة في جيانغسو، ولن تنتهي حتى يُحق الله الحق بكلماته.      

أحوال الأقليات في ظل العدالة الدستورية

تُقاس قوة الدول بمدى التزامها بالعدل والمساواة بين مواطنيها، لا بشعاراتها السياسية ولا بأكثريتها العددية. فالأصل في قيام الدول الحديثة هو حفظ كرامة الإنسان، وصيانة حقوقه، وضمان حريته في الاعتقاد والعيش الكريم. وعندما يضعف هذا الأصل، تتفرّع عنه أزمات اجتماعية وسياسية تمسّ استقرار المجتمع بأكمله.

يُروى عن كونفوشيوس أنه كان يسير مع أحد تلاميذه في غابة، فسمع بكاء امرأةٍ حزينة. فسألها عن سبب حزنها، فأخبرته أن النمر قتل ابنها، وقتل زوجها من قبل، ومع ذلك بقيت في تلك الغابة. فسألها: لِمَ لا تتركين هذا المكان الخطر؟ فأجابت: «إن العيش مع خطر النمر أهون من العيش تحت حكومة ظالمة لا تحمي رعاياها».

أراد كونفوشيوس من هذه القصة أن يبيّن أن ظلم السلطة أشد خطرًا من خطر الوحوش.

هذه الحكمة القديمة تظلّ حاضرة في واقعنا المعاصر، حين ننظر إلى أوضاع بعض الأقليات الدينية في الهند. فعلى الرغم من أنّ الدستور الهندي يؤكد بوضوح في مادته (14) على المساواة أمام القانون، وفي المادة (15) على منع التمييز بسبب الدين، وفي المادة (25) على ضمان الحرية الدينية، إلا أن الواقع في بعض المناطق يشهد توترات وأحداثًا تثير القلق، من اعتداءاتٍ على دور العبادة إلى مشاعر تهميش وإقصاء اجتماعي.

إن أيّ مجتمعٍ يقوم على التعددية الدينية والثقافية لا يمكن أن يستقر إلا إذا تحوّلت نصوص الدستور إلى ممارسة فعلية في الحياة اليومية. فالعدل ليس مادة مكتوبة في الأوراق، بل هو سلوكٌ ومؤسساتٌ وسياساتٌ تُشعر المواطن — مهما كان دينه أو انتماؤه — بالأمان والانتماء.

كما أنّ استغلال القضايا الدينية لتحقيق مكاسب سياسية يهدد وحدة المجتمع، ويضعف الثقة بين مكوناته. فالدولة العادلة هي التي تقف على مسافةٍ واحدة من جميع مواطنيها، وتمنحهم فرصًا متكافئة، وتحاسب المعتدي أيًا كان موقعه أو انتماؤه.

إن صيانة حقوق الأقليات ليست امتيازًا يُمنح، بل هي مبدأ دستوري وأخلاقي يعكس رقيّ الأمة وتحضّرها. وإذا كان التاريخ يعلمنا أن الظلم لا يدوم، فإن الحاضر يذكّرنا بأن العدالة وحدها هي الطريق إلى السلام الاجتماعي والاستقرار الحقيقي.

النيروز: رمز للتاريخ العريق ووحدة الشعوب عبر الأزمان

يعد النيروز، أو السنة الجديدة في التقويم الشمسي واحدًا من أقدم وأكبر المهرجانات الشعبية في العالم. ويُعتبر عيد النيروز احتفالًا تقليديًا وثقافيًا ليس فقط للأمة التاجيكية، بل أيضًا أحد التقاليد العريقة لشعوب الشرق. يُعد النيروز من أبرز الاحتفالات بين الشعوب الآرية، حيث يُحتفى به في إيران وتاجيكستان كاحتفال ربيعي يرمز إلى الطبيعة. ينتظر الناس هذا العيد كل عام، ويُقام خلاله مهرجانات رائعة تتميز بالفخامة والأناقة، احتفاءً بقدوم الربيع وتجديد نمط الحياة.

بمجرد أن يعلن الربيع عن قدومه إلى هذا البلد العريق، وخاصة في المناطق التي تتشارك في الفرح والسرور بغض النظر عن اللغات والثقافات، تخرج مبلغ الربيع واليوم الجديد إلى الشوارع والساحات والممرات والأسواق والمدن والقرى. يغنون ويمرحون ويقدمون عروضاً متنوعة وملونة، ويعلنون للناس عن تنظيم فعاليات احتفالية بمناسبة رحيل الشتاء القارس وبداية الربيع الجديد، إيذاناً باحتفال النوروز. وهكذا، يفرح الناس ويسعدون بسماع هذه الأخبار السارة، ويستعدون لاستقبال النوروز الجديد.

كما كانت رسالة النوروز معروفة وشائعة بين شعبي إيران وتاجيكستان منذ العصور القديمة، يقوم الإيرانيون، مثلنا نحن التاجيك، بزراعة القمح الأخضر والعدس قبل حلول النوروز. كما يحرصون على تنظيف وترتيب منازلهم بالكامل، بما في ذلك الأبواب والجدران والساحات. يقومون بطلاء الجدران المحيطة بمنازلهم، ويغسلون وينظفون الأطباق والأواني، ويستبدلون الأشياء القديمة بأخرى جديدة، بالإضافة إلى شراء ملابس مزركشة جديدة لأفراد العائلة.

في مناطق متعددة من إيران، لا سيما خراسان ومازندران وفارس وجيلان والديلم، لا تزال التقاليد والطقوس القديمة للاحتفال برأس السنة قائمة حتى يومنا هذا. خلال احتفالات عيد النوروز، يقوم الإيرانيون باحتفالات تتشابه في الكثير من الجوانب مع احتفال النوروز لدى التاجيك، مما يؤكد مرة أخرى على تضامننا ووحدتنا مع الشعب الإيراني.

من ضمن التحضيرات للاحتفال بأيام النيروز، يتم تزيين مائدة الاحتفال من خلال شراء اللحوم والأرز والزبدة وغيرها من المكونات الضرورية لتحضير آش النوروز (الأرز). كما يتم إعداد مجموعة متنوعة من الحلويات والخبز، التي تعتبر من زينة مائدة رأس السنة النيروزية. يتم تزيين المائدة بشكل جميل، وكما هو معتاد، تُعرض أطباق متنوعة، بالإضافة إلى رموز احتفال النوروز مثل “هفت سين” و”هفت شين” و”هفت ميم”.

يمكننا ملاحظة أن احتفال النيروز في إيران شهد العديد من التغييرات، خاصة فيما يتعلق بمائدة النوروز التي يعدها الشعب الإيراني. تتضمن هذه المائدة الخبز المستدير، والحلويات، والفواكه، والخضروات، بالإضافة إلى تقليد وضع البيض الملون، والزنابق، والمرايا، والقرآن الكريم، وهو تقليد يعود إلى فترة وصول الإسلام ويستمر حتى اليوم. قبل بداية العام الجديد، يقوم الإيرانيون بتحضير السوماناك من الشعير، ويضعون بجانبها زهرة السومان. كما يحرصون على وضع زهرة السومان في وعاء على الطاولة، إلى جانب وعاء من الماء مزين ببعض الأوراق الخضراء. أيضًا، يضعون العسل على مائدة العام الجديد، ويأكلونه بنية أن تصبح حياتهم حلوة ومليئة بالفرح طوال العام. ومن المعتاد أيضًا إضاءة شمعة أو مصباح في المنزل احتفالًا بهذه المناسبة.

يُحتفى باحتفال النيروز في مناطق متعددة من إيران الحديثة، وذلك وفقًا للظروف المناخية السائدة في البلاد. اليوم، يحتفل الناس من مختلف الأعراق والقوميات والأديان في جميع أنحاء إيران بشكل رسمي بعيد النوروز، ويقدمون لهذا التراث الثقافي الاحترام والتقدير. يُظهر الشعب الإيراني حماسًا كبيرًا للاحتفال بالنيروز، حيث يتم تعليق جلود النمر والفؤوس وأردية الدراويش على الأبواب والجدران قبل وبعد النيروز، وحتى خلال “13 يومًا خارج البيت” التي تليه.

مع اقتراب عيد النوروز، يقوم بائعو الزهور بتحضير العديد من الزهور الجميلة والزخرفية في سلال ومزهريات. خلال هذه الفترة، يكون سوق بائعي التوابل والعطور، بالإضافة إلى بائعي الفواكه والخضروات والأحذية وسمك السلمون والحمامات، مزدحمًا للغاية.

كانت هناك العديد من الاحتفالات المرتبطة بمناسبة النوروز التي كانت شائعة بين الإيرانيين في العصور القديمة، ولا تزال تُقام هذه الاحتفالات حتى يومنا هذا. فيما يلي نعرض أبرزها وأكثرها إثارة للاهتمام.

منها: “ميري النيروزي – أي الأمير النيروزي” هو أحد الفنون المسرحية المثيرة للاهتمام وله تاريخ طويل. تتضمن هذه العادة القديمة اختيار شخص من بين الناس ليجلس على العرش لمدة خمسة أيام. خلال هذه الفترة، يقوم هذا الشخص بإصدار أوامر فكاهية، مما يجلب البهجة للناس ويمنحهم وقتًا ممتعًا. يتجول “ميري النيروزي” في الشوارع برفقة وزرائه وجنوده ومهرجينه وموسيقييه ومغنيه، مُبشرًا بقدوم الربيع وبداية يوم جديد وعام جديد.

يوجد احتفال آخر يُقام في إيران قبل النوروز، وهو احتفال “جهارشانبي سوري”. يُعتبر موقع الاحتفال الرئيسي لهذا الاحتفال في مدينة شيراز، حيث يقع ضريح “شاه جراغ”. وفي ليلة “جهارشانبي سوري”، تتوجه بعض النساء والفتيات من شيراز لزيارة قبر الشاعر سعدي الشيرازي، المعروف باسم السعدية.

يعتبر يوم “جهارشانبي سوري” بالنسبة للإيرانيين فرصة مناسبة لتجديد جوانب حياتهم. في هذا اليوم، يقوم الإيرانيون بتتغيير الأواني القديمة ليتمكنوا من شرب الماء البارد من الأواني الجديدة في العام المقبل. تقليديًا، يتم تخزين الماء في الأواني الطينية في إيران، حيث يبقى باردًا لفترة طويلة. بالإضافة إلى ذلك، يقومون بإشعال بخور “هزار سبند” لطرد الأرواح الشريرة والعين الحاسدة، والفيروسات على أمل استقبال العام الجديد بصحة جيدة.

بفضل جهود زعيم الأمة، رئيس جمهورية تاجيكستان إمام علي رحمان، وبدعم دول منطقة النيروز في عامي 2009 و2010، أصبح احتفال النوروز عالميًا. وقد أقيم الاحتفال الأول والثاني باحتفال النوروز العالمي في عامي 2010 و2011 في مدينة طهران، عاصمة جمهورية إيران الإسلامية، حيث حضرها رؤساء دول وممثلون رفيعو المستوى من عدة الدول المحتفلة بالنيروز. وفي كلمة له خلال اجتماع مع المثقفين في 19 مارس 2011، أعرب رئيس جمهورية تاجيكستان عن سعادته قائلاً: “إن إعلان احتفال النوروز عالميًا سيكون له تأثير كبير في تعزيز الحوار بين الحضارات، وتوسيع التفاهم المتبادل بين الشعوب، وتعزيز السلم والاستقرار في العلاقات بينها”؛ لأن النيروز يساهم في الحفاظ على الثقافة ووحدة دول المنطقة والعالم.

في الختام، يُعتبر النوروز تراثًا تاريخيًا يحتفل به كعطلة دولية بارزة في إيران الحديثة. يتجلى جماله وعظمته من خلال الاحتفال بالتغيير الطبيعي المتكرر الذي يحدث سنويًا. وهذا يعكس أن شهرة هذا الاحتفال العريق لا تزال تحتفظ بمكانتها وأهميتها، بل تزداد رسوخًا وقوة مع مرور الزمن بين شعوب العالم. تمثل رسالة النوروز دعوة الطبيعة لبداية حياة جديدة ونظيفة كل عام، بهدف تعزيز السلام والوحدة بين الشعوب والأمم المختلفة في الكون. حيث تعزز الصداقة وتوسع التعاون المتبادل، والحب والدفء بين الشعوب بشكل أفضل وأوسع.

صداقات الإنترنت

اليوم، يُلاحظ أن وسائل التواصل الاجتماعي تهيمن على حياة الناس. من الكبار إلى الصغار، الجميع يستخدمون هذه الوسائل. حتى الأطفال الصغار يشاهدون الفيديوهات على الهواتف أثناء تناول الطعام. القرآن والحديث يقدمان لنا الإرشادات اللازمة لمواجهة جميع التحديات التي يواجهها الإنسان. في هذا السياق، نستمد توجيهات من القرآن والحديث حول وسائل التواصل الاجتماعي. اليوم، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، إنستغرام، وتويتر تجعل الناس أسرى لها. حتى أولئك الذين لا ينظرون إلى وجوههم في المرآة يوميًا، يصبحون قادرين على تصفح فيسبوك بمجرد استيقاظهم.

المتابعون:

من الأمور الهامة التي ينبغي علينا الانتباه إليها في وسائل التواصل الاجتماعي هي المتابعون في فيسبوك، لدينا أصدقاء فيسبوك. وليس الأمر مقتصرًا على فيسبوك فقط، بل يشمل إنستغرام وتويتر أيضًا، حيث يحصل الأشخاص الذين نتابعهم (Follow) على نفس مكانة الأصدقاء لدينا. في الوقت الراهن، بدلاً من قضاء أوقاتنا مع الأصدقاء الحقيقيين، نجد أنفسنا نقضي وقتًا طويلاً مع أصدقاء وسائل التواصل الاجتماعي. لذا، من الضروري أن نلتزم بالتوجيهات الإسلامية عند اختيار هؤلاء الأصدقاء.

اختر الصداقة كخيار لك:

بين الأصدقاء يوجد الصالحون والطالحون. النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) يصنف أصدقائه إلى قسمين: أحدهما الصديق الصالح، والآخر الصديق السيء. وقد أوضح لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا الأمر من خلال مثال جميل. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «مثل الصديق الصالح والصديق السيء كمثل حامل المسك والحداد. حامل المسك إما أن يعطيك منه شيئًا أو تشتري منه أو على الأقل تشم رائحته الطيبة. أما حداد الحديد فسيحرق بيتك أو ثيابك، أو على الأقل ستنال منه رائحة كريهة.» (الراوي: أبو موسى رضي الله عنه، المصدر: صحيح البخاري 2101) من خلال هذا المثال الجميل، يبين لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) فوائد وجود الصديق الصالح، والمخاطر التي قد تنجم عن الصديق السيء. لذلك يجب علينا أن نكون حذرين جدًا في اختيار أصدقائنا، وأن نختار فقط الصالحين ليكونوا أصدقائنا.

في فيسبوك، نفخر بأن لدينا 5000 صديق و4000 متابع. نحن نرسل طلبات صداقة للعديد من الأشخاص، ونقبل طلبات صداقة من آخرين لنصبح أصدقاء معهم. عندما نقبل شخصًا كصديق، فإن أي منشورات ينشرها أو يعجب بها أو يعلق عليها ستظهر لنا، مما يجعلنا في وضع يمكننا من قراءة ما يشاركونه.

عند النظر إلى هذا الموضوع من هذه الزاوية، نجد أنه إذا كان لدينا أصدقاء صالحون في دوائر صداقتنا، فسوف يقومون بنشر أمور جيدة، ويعبرون عن إعجابهم بالأشياء الطيبة، ويتركون تعليقات مفيدة وإيجابية. وبالتالي، سنكون نحن أيضًا من المستفيدين من هذه الأمور الجيدة. وهذا يشبه المثال الذي ذكره النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) عن المسك. وبالمثل، إذا جعلنا الأشرار أصدقاء لنا، فسوف نضطر لرؤية منشوراتهم السيئة أو الأشياء السيئة التي يعجبون بها. وهذا قد يؤدي إلى انتشار الشر بيننا. لذلك، يجب أن نكون حذرين في اختيار نوع الأصدقاء الذين نسمح لهم بالدخول إلى وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بنا. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “كل إنسان على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” (رواه أبو داود). لذا، يجب علينا أن نراجع أنفسنا ونتساءل: هل نحتفظ فقط بالأصدقاء الصالحين على صفحاتنا الإلكترونية؟ وإذا كان هناك أصدقاء سيئون، فيجب علينا حذفهم من قائمة الأصدقاء.

اللغة العربية في سريلانكا

تعتبر اللغة العربية من اللغات ذات الأثر التاريخي والثقافي في سريلانكا، على الرغم من كونها دولة غير عربية لغويًا، حيث اللغة الرسمية فيها السنهالية والتاميلية. وقد وصل العرب إلى الجزيرة منذ العصور الوسطى، إبان توسع التجارة البحرية في المحيط الهندي، وكان لهم دور بارز في نشر الثقافة الإسلامية وتعليم اللغة العربية بين المسلمين السريلانكيين.

تعود أصول استخدام اللغة العربية في سريلانكا إلى الأنشطة الدينية والتعليمية والتجارية. فقد اعتمد المسلمون على العربية في قراءة وفهم القرآن الكريم والحديث الشريف، وهو ما أدى إلى تأسيس مدارس دينية تُدرّس القرآن وتعليم اللغة العربية. كما كان التجار العرب يستخدمون العربية في المعاملات التجارية مع أهل الجزيرة والسواح القادمين من الخليج والهند، ما جعلها لغة للتواصل التجاري والثقافي.

على مر التاريخ، شهدت اللغة العربية في سريلانكا تباينا في مستويات انتشارها. فقد اقتصر تعليمها في البداية على النخبة الدينية وأولياء الأمور الذين يسعون لتعليم أبنائهم علوم الدين، ثم توسع نطاقها تدريجيًا لتصل إلى المدارس الإسلامية الحديثة التي تدمج بين المنهج الديني والتعليم العام. وفي العصر الحديث، أصبحت اللغة العربية تُدرّس أيضًا في الجامعات والمعاهد الإسلامية، حيث يتم تقديم برامج أكاديمية لدراسة علوم القرآن والحديث والفقه والتاريخ الإسلامي، إضافة إلى تعليم اللغة العربية كلغة ثانية للطلاب المهتمين بها.

تلعب اللغة العربية في سريلانكا دورا مهما في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للمسلمين، كما تساهم في ربط الجالية الإسلامية بالثقافة العربية الإسلامية الأوسع. وعلاوة على ذلك، تشجع العديد من المؤسسات التعليمية على تعلم العربية لأغراض أكاديمية ومهنية، خاصة في مجالات الدراسات الإسلامية، والترجمة، والعمل في دول الخليج العربي.

رغم أهمية اللغة العربية، تواجه تحديات عدة في سريلانكا، أبرزها محدودية الموارد التعليمية باللغة العربية، وقلة المعلمين المؤهلين، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على استمرار تعلمها بين الأجيال الجديدة. ومع ذلك، فإن اهتمام المؤسسات التعليمية الإسلامية والجمعيات الثقافية بالمحافظة على اللغة العربية يشير إلى استمرارها وتأثيرها الإيجابي في المجتمع المسلم السريلانكي. إن اللغة العربية في سريلانكا ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي جسر ثقافي وديني يربط المسلمين السريلانكيين بالعالم الإسلامي، وتعكس مكانتها التاريخية والثقافية في التعليم والدين والهوية، ما يجعلها عنصراً حيوياً في المشهد الثقافي واللغوي للجزيرة.

الشهيدان أبو عبيدة المشتبهان المتشابهان الكحلوت واللداوي

يوم أن أعلنتُ عن استشهاد أخي الأصغر عبد الله، المكنى بأبي عبيدة، قائد كتيبة الشهيد عماد عقل في لواء الشمال بقطاع غزة، يوم التاسع والعشرين من شهر تشرين أول/أكتوبر 2025، إثر تعرضه قبل عشرة أيامٍ من استشهاده رفقة الشهيد تاج الدين الوحيدي لغارةٍ جويةٍ إسرائيلية، استهدفت مكان إقامتهما غرب مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد الوحيدي فوراً، وإصابة أخي إصابةً بالغةً، بترت فيها يداه من أعلى الكتفين، ومزقت شظية أحشاءه الداخلية أدت تداعياتها إلى تسممه واستشهاده.

ظن كثيرٌ من المتابعين أن أخي الشهيد عبد الله هو الملثم أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، وأعادوا نشر تغريدتي التي أعلنت فيها خبر استشهاده، وذيلوها بعبارات تشي بأنه الملثم، علماً أن جيش العدو الإسرائيلي كان قد أعلن قبل أكثر من ثلاثة أشهر أنه “قتل” الملثم أبا عبيدة، وكشف عن اسمه الحقيقي، وتفاخر الناطق باسم جيش العدو أفيخاي أدرعي بــــ “مقتله”، وأخذت وسائل الإعلام المحلية والدولية تتناقل خبر استشهاده، وتنشر صوره القديمة، وتعيد بثت مقاطع من كلماته العامة وخطب الجمعة إذ كان خطيباً، وغيرها من المناسبات والفعاليات العامة التي كان يشارك فيها بوجهه المكشوف وصورته المعروفة.

إلا أن كتائب الشهيد عز الدين القسام، المصدر الرئيس والأساس الموثوق لدى الشعب والمقاومة، لم تؤكد الأخبار الإسرائيلية ولم تنفها، ولم تعلق شيئاً يعزز رواية العدو أو يشكك فيها، وتركته يتخبط حائراً لا يعرف مصداق ادعائه، ولا يملك القدرة على معرفة الحقيقة، وإن كان جيشه يؤكد أنه استهدف المكان الذي يتواجد فيه أبو عبيدة “الملثم”، بعد أن حصل على المعلومة الذهبية التي تؤكد وجوده، فقرر على عجل، باستخدام أحدث الأسلحة وأدقها وأكثرها فتكاً وتدميراً استهدافه، وظن أن أحداً بموجب الأسلحة المستخدمة في الغارة، ممن يصادف وجوده في المكان حال قصفه لن ينجو من “الموت” المحقق.

بقي الاشتباه قائماً بين الشهيدين “أبي عبيدة” حتى اليوم الذي ظهر فيه الملثم الجديد، أبو عبيدة الثاني، وارث الكنية وصاحب المهمة، وحامل الراية والأمين على الرسالة، والصادح بصوت المقاومة الصادق الرواية، ببلاغة سلفه وبيانه، وبدقة كلماته ووضوح عباراته، وبكوفيته الحمراء وسبابته المرفوعة، وبصوتٍ غزيٍ يكاد يشبهه، معلناً استشهاد سلفه مع كوكبةٍ أخرى من قادة المقاومة ورجالها الشجعان، ومؤكداً أن الراية التي حملها لن تسقط، وأن الصوت الذي عهدناه فيه لن يسكت، والحقيقة التي عودنا عليها لن تغيب، فهذا عهد الشهيد وهذه وصيته، وهذا وعده وهذه هي عقيدته.

إعلان استشهاد “الملثم” أبي عبيدة، أعاد من جديد السؤال عن سبب الاشتباه ووجه التشابه بين الشهيدين، وكأن الاشتباه لم تحسمه الشهادة، ولم يقطع بها إعلان الناطق الرسمي الجديد، فهما فضلاً عن كنيتهما الواحدة “أبو عبيدة”، وأنهما صنوان وأترابٌ وأبناء جيلٍ واحدٍ، فكلاهما من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وينتسبان إلى لواء الشمال الذي خدما فيه لسنواتٍ طويلة، وهما قدراً جيران، وأبناء منطقةٍ واحدةٍ، وشاءت الأقدار أن يكون الملثم عديلَ أخي الشهيد رائد، الذي استشهدت زوجته معه فسبقت أختها زوجة الملثم أبي عبيدة، ما جعل العلاقة بين الشهداء الثلاثة، تتجاوز علاقة المقاومة والسلاح إلى العلاقة العائلية، التي عززت مقاومتهم، وعمقت علاقتهم، ورسخت انتماءهم، وجعلت الشهادة حلمهم ورضا الله عز وجل غايتهم.

اليوم نميط اللثام بحق ونزيل الاشتباه، ونحسم الأمر ونقطع الشك باليقين، ونعلن أن الشهادة شرف ورفعة، وهي عزة ومكانة، ودرجة ومرتبة، لا يرقى إليها ولا ينالها إلا من انتقاه الله عز وجل واختاره من بيننا وميزه عنا، وقد رفع الله عز وجل بالشهداء قدرنا، وجعل لنا اسماً يذكر في الدنيا، وشرفاً نروم به بين الناس، وذخراً نلقاه به يوم القيامة، ففرحت به عائلته واستبشرت، ورفعت رأسها وتفاخرت، وقد سبقها إلى الجنة وكان فرطاً لها، وعلى أبوابها يستقبلها ويمد يده إليها، ومن قبل يشفع لها ويرجو الله عز وجل أن يغفر لها ويرضى عناه.

رحم الله الشهيدين الأغرين، القائدين المقدامين، المجاهدين الصادقين، اللواءين الأكرمين، القساميين الأجلين، المشتبهين المتشابهين، أبي إبراهيم حذيفة الكحلوت “الناطق الرسمي الملثم”، وأبي عبيدة عبد الله اللداوي قائد كتيبة عماد عقل، وغفر لهما ورفع قدرهما، وجمعهما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته الأخيار، وشهداء أمتنا الأطهار، وإخوانهم الذين سبقوا على الطريق، وكتب لنا من بعدهم نصراً عزيزاً، وعزاً مكيناً، ومجداً تليداً، وتحريراً قريباً، وعودةً مظفرةً، وعوضنا عنهم قادةً جدداً، وأبطالاً أُسداً، صادقين مخلصين، واثقين مؤمنين، ينجز بهم وعده، ويكتب بهم قدره، ويعلي بهم حقه، ويحقق على أيديهم نصره.

الأرواح تتكلم بلغة الكرة

 كرة القدم بحر تطاولت أمواجه على شواطئ عواطف القارات، وشمس أشرقت على اَفاق القلوب، أشعّتْ أنوارها في عروق الطبيعة وانغمست في أجواء الحياة. لا تحتاج هذه الرياضة إلى تعريفٍ بالعربية أو بالإنجليزية أو بالإسبانية، فمجرد إشارتك إلى قدميك تكفي، إذ هي لغة عالمية ورياضة ممتعة وحكايةُ شغفٍ واتحادٍ بين الشعوب. أبكت الجماهير، وأثارت الفنون، وجنّت لها العقول.

عندما نذكر كرة القدم، فإنها تطرق أبواب القلوب وتختلطُ بمشاعر حارّة. وإنها ليست مجرّد تسعين دقيقة، بل هي حياة كاملة تحتوي الفرح والسرور والضحك والبكاء، والأمل واليأس، والطموحات التي لا تنتهي. كم من العيون سحرتها هذه الرياضةُ المدهشة؟ وكم من القلوب وجلت تحت سحرِ هذا الفنّ المثير؟ تتراقص الكرة بين أقدام اللاعبين كأنها تجسِّد نشوتها فوق العشب الأخضر النديّ؛ تضحكُ عند قبلة الشباك، وتغضب حين تُصدّ التسديدات.

الجماهير تتعالى هتافا وضحكا وبكاء، تنادي وتسبّ وتفرح وتخاف بحسب الموقف. التمريرات تمطرُ في الذاكرة، والتسديدات تشتعل في الطموحات، والمهارات تلهب الجنون؛ كلها تحكي روعة هذه الحياةِ المبرقشة بالألوان. وحين يُطلق الحكم صافرتَه، يشتعل الميدان بالنيران فوق الأعشاب اللامعة، كشرارةٍ تُلهب الحماسَ في قلوب المشجعين. توجيهات المدربين تبعث الحياة في أرواح اللاعبين، والرايات الركنية ترفرف كأنها أجنحة الفخر، فريقان يتناظران بلغة الجوارح، وكأنّ هذا المشهد لوحة من الأناقة والعنفوان. العشب الأخضر النديّ يحكي قصة لا تنتهي، رُسمت عليه أجمل الذكريات، وكُتبت فيه أروع الحكايات. وما زال المشجعون على اختلاف أعمارهم يرفعون أعلام فرقهم، ويلبسون قمصانهم، ويهتفون عند كلِ تمريرة وتسديدة ومراوغة، وترتجف أرواحهم مع كلّ هجمة.

وحين تُسجّل الأهداف، تتحوّل أجواء المباراة إلى عاصفة من الصيحات والرعد والبرق. ما من شباك إلا وقد تشبّعت بقبلات الأهداف. أنفاس اللاعبين تمتزج بأنفاس المباراة، ونشاطهم الدؤوب يُظهر كنوزا خفيّة من الفنّ والعزيمة. هناك الماهر الفنان كالنجم الذي لا يشبهه نجم، والمهاجم الغدّار كسيف لامع يمزّق الشباك، وثعلب يترصّد الفرص لاقتناصها.

صار هذا الفنّ ظلا يستظلّ به الناس في أوقات الضيق والإنهاك. ليس فيه انتصار للفرد، بل هو سباق عدالة وجمال بين الأجناس المختلفة في ميدان واحد. وفيه روح العمل الجماعي، وتناسق الجهود، وموازنة دقيقة بين الصبر والإصرار. فهي روح وإثارة وفنّ جماعيّ يؤلّف بين العقول والاتجاهات والثقافات في سماء الاضطراب والقلق، غدتْ رمزا حضاريا، ومرجعا فنيا، حتى حُمّلت أوصافا وأسماء لا تُحصى.