الأمطار في كيرالا بين النعمة والنقمة: آثارها وطرق الوقاية منها

إن من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على عبده الضعيف أنه قد خلق له في هذا الكون كثيرا ما من مخلوقات عجيبة ومصنوعات نفيسة التي لا تسع عقول الناس لفهمها جيدا. ومما خلق لمصالح البشر الليل والنهار والشتاء والصيف والمطر والصحو.

وبعد حرارة الجو الشديدة التي قتلت أسلوب حياة الناس وقيدت أحلام الزراع وضربت على ظهر الناس بضربة الشمس وأرهقتهم بشدتها، وبان ظاهرة النينو أي ظاهرة مناخية طبيعية تتميز بدرجات حرارة سطح البحر الدافئة بشكل غير عادي في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي. والأطفال الناشطون صاروا كالشيوخ في صحتهم وتعبوا كأنهم قد عملوا عملا شاقا آناء الليل وأطراف النهار، والمواطنون كلهم يعيشون في أبعاد متشعبة كأنهم بين المطرقة والسندان. حل موسم المطر في ولاية كيرالا الهندية، مطر غزير يفرح منه قلوب الأولاد والأشياخ دون التفرقة في الذكور والإناث، ويمحو حوافر الماشية على الأرض ويجعل الأرض مهادا وثيرا بالخضارة، ويرقص الطلاب تحت المطر آخذين مظلاتهم. وتتمايل قطرات المطر رقصا على ألحان الموسيقى، لكن إذا كان المطر وابلا سيكون أزمات كثيرة. فالطبيعة التي ابتسمت في الربيع وضحكت في الصيف وتأوهت في الخريف تريد أن تبكي الآن.

المشاكل التي نواجهها في فصل المطر

ما لا ينتطح فيه عنزان ولا يشك فيه اثنان، أن هناك في فصل المطر كثير من المشاكل التي بعضها يعجز الإنسان عن تحملها حينما يتحمل بعضها الآخر. إذا أمطر غزيرا تزخر الأنهار ويؤدي إلى فيضانات وهي مما يؤدي إلى هلاك الزرع وتدمير البيوت مثل واقعة تشورالمالا – منطقة في ويناد – قد أهلك المطر القرية كلها والناس نيام كسارق سرق أموالا باهضة وأعراضا غالية وهرب مختطفا. وإذا هب ريح مثل العاصفة سيقع انجراف الأشجار وسقوطها، وإن سقطت الأشجار إلى الشوارع والطريق ستضر النقل العام فتؤدي إلى ازدحام كبير. وإذا ثبت الماء على أرض معينة يقع انهيار أرضي فتؤدي إلى كارثة كبيرة. وإذا خرجت الزواحف مثل الثعبان من مخابئها إلى الأماكن التي فيها حر، فعلى الجميع أن يمكث في البيوت حفاظا على السلامة من عضّها. وربما تفيض سدود الولاية فوق طاقتها الاستيعابية، ويعيش الناس في خوف دائم من فيضانها، ولا سيما سد مولابريار؛ لكونه سدًّا قديمًا يتجاوز عمره المائة عام. ومنذ سنوات، يساور السكانَ القلقُ من احتمال انهياره، إذ قد يؤدي انهياره، إن وقع، إلى أضرار جسيمة في عدة محافظات بولاية كيرالا.

الاحتياطات الواجب اتخاذها

عند هطول أمطار غزيرة ينبغي عدم الخروج من المنزل إلا عند الضرورة، وتجنب الوقوف تحت الأشجار الكثيفة؛ إذ قد تقتلعها الرياح الشديدة. كما ينبغي عدم التوجه إلى الأنهار والبرك للسباحة، لأن ذلك يشكل خطرًا كبيرًا. ويستحسن عدم ارتداء الملابس التي لم تجف تمامًا، ولا سيما الملابس الداخلية، لما قد تسببه من حكة ومشكلات. ويجب عدم لمس قضبان النوافذ المعدنية عند لمعان البرق؛ فقد يؤدي ذلك إلى صعق كهربائي قد يفضي إلى الوفاة. كما ينبغي الحرص على عدم تجمع المياه فوق أسطح المنازل، لأن ذلك قد يسبب أضرارًا إنشائية، مع ضرورة إزالة المياه الراكدة حول المنازل لمنع تكاثر البعوض وانتشار الأمراض. ومن المهم أيضًا صيانة المدارس القديمة وإصلاحها، ولا سيما الأسقف المتهالكة، حمايةً لأرواح الطلاب من خطر الانهيار. وعلى الجهات المختصة إصدار التحذيرات الجوية عبر وسائل الإعلام والإنترنت، وإبلاغ المواطنين بأي انقطاع متوقع للتيار الكهربائي حتى يتمكنوا من اتخاذ الاحتياطات اللازمة. كذلك يجب الحذر عند المشي على البلاط المبتل، لأنه يصبح زلقًا وقد يتسبب في السقوط وإصابات خطيرة، كما ينبغي قيادة المركبات بهدوء وانتباه، لأن الطرق تكون زلقة وقد تنزلق إطارات المركبات في موسم الأمطار.

الأمراض وحله

ومما لا شك ولا تردد فيه أن فصل المطر هو فصل الأمراض أيضًا، لذلك نحن بحاجة إلى مزيد من الاهتمام، وهناك أمراض عديدة تكون في فصل المطر، فعلينا أن ننظف محيط المنزل لسدِّ نمو البكتيريا. هناك ثلاثة أقسام للأمراض، وهي الأمراض المنقولة بالمياه، والأمراض المنقولة بواسطة البعوض، والأمراض المنقولة عبر الهواء.

ومن الأمراض المنقولة بالمياه الإسهال، والكوليرا، واليرقان، والشيغيلا، والتيفوئيد وغيرها، بينما يُعدُّ من الأمراض المنقولة بواسطة البعوض حمّى الضنك، وداء الفيلاريات، والتهاب الدماغ الياباني، وحمّى غرب النيل، والملاريا، وحمّى لشيكونغونيا، وكذلك مما ينتشر عبر الهواء نزلات البرد، والحمّى ذات المنشأ الفيروسي ونحوها.

فعلينا أن نشرب الماء المغلي، وألا نأكل الطعام القديم أو المنفتح، وأن نغسل الأيدي بالصابون قبل أكل الطعام وبعد الاستنجاء. وفي هذه الأيام ستزيد الرطوبة، وتقلُّ قدرة الهضم، وهذا يؤدي إلى مصير لون العين أحمر، وحكة داخل العين. وتقول دراسةُ المعهد الهندي للتكنولوجيا في غانديناغار: ربما تكون هناك ضربةُ شمسٍ في هذا الفصل أيضًا. ونظرًا لهذا الظرف الخاص، علينا أن نقوم بانتباه، ولا حاجة إلى الخوف، بل ينبغي إلى اليقظة المستمرة. اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، آمين.

الاكتئاب

أعتبر نفسي إنسانًا عاديًا، لكنني أتمتع بفهم جيد لمفهوم الاكتئاب، وآثاره، وطرق التعافي الفعالة منه. فقد مررتُ بتحدياتٍ وإخفاقاتٍ عديدة في حياتي، لكنني تمكنت من التغلب عليها جميعًا، وأعيش اليوم حياةً يسودها الرضا والسعادة. ومن الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن التحديات والإخفاقات تُعدُّ جزءًا طبيعيًا من مسيرة الإنسان، حيث ترافقه منذ ولادته وحتى نهاية حياته. وإذا كان الإنسان يطمح إلى حياةٍ سعيدة، فعليه أن يستحضر دائمًا هذه الحكمة: إنَّ الفشلَ هو الخطوةُ الأولى نحو النجاح. وكان التزامي بهذا المبدأ في مسيرتي أحد أهم الأسباب التي أسهمت في تحقيق السعادة والاستقرار النفسي.

أرى أن هذه المقولة تُعتبر من العبارات المعروفة إلى حدٍ ما: اشعر بالألم، وتقبَّله، وتعرَّف إليه. فالذين لم يعرفوا الألم بشكلٍ عميق لن يدركوا السلام الحقيقي أبدًا. ورغم أن هذه العبارة جاءت في سياق حوار، إلا أنها تحمل معنىً عميقًا ورسالةً إنسانيةً ذات أهمية كبيرة. وقد جاءت كلماتها بسيطة ومختصرة، لكنها تحتوي على دلالاتٍ متعددة تستحق التأمل والفهم في سياق الحياة. وصاحب هذه المقولة هو ماساشي كيشيموتو، كاتب ورسام مانغا ياباني معروف بإبداعه في تقديم أفكارٍ إنسانيةٍ وفلسفيةٍ عميقة من خلال أعماله الأدبية.

لقد جئتُ اليوم للحديث عن الاكتئاب (Depression)، ويمكن تناول هذا الموضوع من خلال ثلاثة محاور رئيسة: ما هو الاكتئاب؟ ما هي أسبابه؟ كيف يمكن التعافي منه؟

إنَّ استيعاب هذه المحاور سيمكنكم من تشكيل رؤية واضحة حول هذا الموضوع. سأعمل على تقديمه بأسلوب بسيط ومباشر، بعيدًا عن التعقيد والإطالة. ومن الحقائق التي يجب أن نعيها أنه لا توجد زهرة تنمو دون مطر، ولا إنسان ينضج دون ألم. فكل ما يمر به الإنسان من أحداث وتجارب، سواء كانت مفرحة أو مؤلمة، يمثل خبرة تسهم في تشكيل شخصيته وصقلها. لتوضيح هذه الفكرة، يمكننا الاستشهاد بمثال بسيط: إذا حاولنا إبقاء ورقة في وضعها المستقيم، فلن تثبت، ولكن إذا طُويت أو ثُنِيَت قليلاً، أي تعرضت لنوع من الضغط، فإنها تصبح أكثر قدرة على الثبات. من هذا المنطلق، إذا تعرض الإنسان للإيذاء أو واجه مواقف مؤلمة، فلا ينبغي له الاستسلام لليأس أو الانكسار؛ لأن تلك الظروف، رغم قسوتها، قد تكون سببًا في تعزيز قوته النفسية وزيادة صلابته، مما يمكّنه من الوقوف بثبات أكبر في مواجهة تحديات الحياة.

إنَّ رحلةَ الحياة التي تمتد من الولادة حتى الوفاة مليئة بالتحديات والصعوبات. فبعض الأفراد يواجهون هذه التحديات بعزيمة وإصرار، مما يمكنهم من تجاوزها وتحقيق النجاح. بينما يدرك آخرون أن الحياة ليست سهلة بطبيعتها، فيواصلون السير في طريقهم متقبلين ما يواجهونه من ظروف وتقلبات. ومع ذلك، هناك فئة أخرى من الناس تحمل همومها ومشاكلها في داخلها، دون أن تسعى لمواجهتها أو التغلب عليها، بل قد تمتنع حتى عن اتخاذ الخطوة الأولى نحو إيجاد الحلول المناسبة. وهؤلاء هم الأشخاص الذين سيكونون محور حديثنا، حيث سنسعى لفهم طبيعة معاناتهم، والوقوف على الأسباب الكامنة وراءها، وبيان السبل التي يمكن أن تساعدهم على تجاوزها واستعادة توازنهم النفسي.

الشيخ حسن هيتو: العالم الذي لم يأنس إلا بالعلم

يتسامى الكبرياء فوق التحيزات عندما يرتقي الإنسان بفكره وعقله. ومن بين هؤلاء، فقدنا أسطورة لم يكن يأنس إلا بالعلم والحق. والسؤال الذي عاش لأجله هو كيف يمكن للأمة الإسلامية أن تستدرك هذا الغياب الذي لا يمكن الهروب منه.

لقد غيب الموت في رمضان السابق الشيخ حسن هيتو، العالم السوري السني الأشعري الذي كرس حياته كلها لإحياء الإسلام التقليدي وإعادة صياغة هوية المسلم المعاصر، تاركاً وراءه فراغاً يصعب ملؤه.

أدرك الشيخ أهمية العلم وقوة القراءة، فكرّس حياته لتطوير فكره والعمل على نهضة الأمة في عصرنا الحالي. فصار جوهراً لفيفاً من العلماء السوريين الذين طمحوا لجعل الذات التقليدية “ذات قيمة” من خلال اشتباكه مع القضايا الدينية للمسلمين المعاصرين. إن ما أنجزه كان يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه كان عظيماً في جوهره؛ إذ أخذ على عاتقه مهمة نقل وإيصال “التقاليد” التي تجمدت وصارت أوعية لقتل المعرفة.

لم يكن صنيع الشيخ هيتو مجرد رد فعل ثوري من فرد، بل كان فعل إدراك ضد الاضطهاد الذي تتعرض له الأمة الإسلامية في العالم الحديث، حيث مر العلماء – الذين كانوا يوماً محل احتفاء – بأسوأ مراحل التهميش والدونية. لقد عانى العلماء في زمانه من الفقر والجوع، حتى أن الشيخ ذكر في دروسه أن أحد مشايخه وُجد ميتاً بسبب الفقر المدقع. يمكننا أن نتخيل حجم ما استوعبه، لكنه لم يختر الطريق الآخر، بل أصر على اتباع “التقليديين” فقط للكفاح واستئصال الشعور بالدونية، مسجلاً بذلك موقفاً قوياً ضد نظام الاستعلاء المعاصر.

لقد عارض والده قراره بمتابعة التعليم الإسلامي في الأزهر بدلاً من التركيز على العلوم المدنية، وحذره من العواقب والضياع الذي قد يجلبه لنفسه، بل ورتب له كل السبل للذهاب إلى جامعة ألمانية لدراسة الجغرافيا.

ومع إدراكه لخطورة الموقف، قام الشيخ هيتو بمغامرة جريئة؛ حيث تظاهر بالذهاب إلى ألمانيا لكنه توجه إلى الأزهر. وعندما علم والده بالأمر، قطع اتصاله به ومنع عنه المساعدة المالية، مما جعل حياته أكثر تعقيداً ومعاناة. ومع ذلك، لم يوقف معركته ضد الهيمنة الفكرية للعالم العلماني، وصمد لنحو عام ونصف معتمداً على منحة الأزهر، مكتفياً بقطعة خبز واحدة طوال يوم. لاحقاً، أُعيد التواصل مع والده بوساطة من الشيخ سعيد رمضان البوطي عبر مكالمة هاتفية اتسمت بالتواضع.

لقد كانت المسيرة الأكاديمية للشيخ هيتو عفوية وزاخرة، حيث ألف موسوعة في العلوم الإسلامية تقع في ٧٣ مجلداً، بالإضافة إلى “المتفيهقون” و”الخلاصة” وغيرها من النصوص البارزة، ومن الحقيقة أن خدماته قد خلدت وسجلت في صفحات التاريخ بحبر ذهبي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أدخلنا الله معه إلى دار النعيم.

الحركة المدرسية بولاية كيرلا؛ مسيرة إلى نهضة الأمة الإسلامية

يعد المجتمع الإسلامي في ولاية كيرلا من أقدم المجتمعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، هبت رياح الإسلام في هذه الأرض الخضراء في مطلع القرن الأول الهجري عن طريق الدعاة الراسخين والتجار العرب الذين حملوا على أكنافهم رسالات الإسلام وقيم الدين .وأصبح مسلمو كيرلا يشتغلون في  شؤون مرتبطة بالدين بشكل كبير، وتلقوا التعاليم الدينية من محاضرات المشايخ في المساجد والمجالس المحدودة؛ مع مرور الزمان ظهر التشابك الفكري والصراع المعنوي بين المسلمين في كيرلا، حيث احتلت في مبادئ الإسلام الجوهرية، التنظيمات التكفيرية والآراء البدعية والإلحادية  ،التي غرزت بجذور المفاهيم الوهابية والسلفية، مكانا مرموقا في المجتمع، واجتهدوا لترويج عقائدهم الفاسدة في أوساط عوام المسلمين الخالصين،.

وناتجا عن ذلك، جعلت الأمة الإسلامية تضطرب خلال هذه الحوادث الطارئة والفتن الكئيبة، ولم يتوفر لهم النظام المرصوص والمؤسسات الدينية لتعليم محقق وترويج العلوم. وفي هذا المنطلق، بدأ العلماء الأتقياء بإهاجة الحركة الإصلاحية التعليمية لنهضة مسلمي كيرلا من أخاديد البدعة والكفر، حيث نجمت هذه الحركة عن انبثاق نظام صامد ومنهج دراسي رائع لعوام الناس، وهي الحركة المدرسية، التي أضاءت شعاعها في كيرلا من شرقها إلى غربها، وأصبحت واحدة من المؤسسات المثالية الدينية على صعيد دولي.

إنما كانت أوضاع مسلمي كيرلا الدينية والاجتماعية معكورة بغبار الفتن والعنف ومشحونة بآراء الكفر والبدعة في بداية القرن العشرين، وارتطمت الأمة الإسلامية في هاوية الطيش والغفلة. حتى جعل يهيج في شواطئ كيرلا أمواج الزنادقة والخرافة مع ورود دعاة التنصير والإلحادية بهدف تحويلهم من سبيل الحق، وبالإضافة إلى ذلك قامت عدة من المنظمات الفاجرة والحركات البدعية، التي تشبثت بمبادئ الوهابية الخطيرة والثقافة الغربية، بتلويث أجواء كيرلا بمفاهيم طارئة وآراء مشوشة. وما زال مسلمو كيرلا يروح في سابع نومة خلال هذه الأيام الحالكة، حيث لم يحظوا بالتوعية الدينية واليقظة الفكرية كطائرة فقدت البوصلة وسط صحراء موحشة. وفي الوقت نفسه تقدم علماء أشراف تحت جمعية العلماء لعموم كيرلا لتحرير الأمة الإسلامية من أسر الأفكار الضيقة وتنبيههم من الغفوة العميقة. واشتغلوا في بناء المشاريع الرائعة والخطط البديعة لانتعاش الأمة. وتاليا قاموا بإصلاح النظام التعليمي الديني والتوجه إلى بناء المؤسسات الدينية تعني ‘المدارس’، لأنه لم تكن هناك مؤسسات رسمية للتعليم، فكانت المساجد هي المراكز الأولى للعلم، ومنها تلقى أبناء المسلمين العلوم الابتدائية الشرعية. ولا يمكن أن ننسى نشاطات الإصلاحية للشيخ العالم الحاج جاللكت كنّ أحمد في رفع عمود المدارس في شتى أنحاء كيرلا، كما أنه يعرف كأول من أتى بنظام المدارس الدينية بديلا عن الأساليب المعتمدة في المساجد المنطقية خلال هذه الفترة. ومن الملحوظ هنا تفاني زعماء جمعية العلماء وثقتهم في تقديم هذه الحركة الغريبة وسط الأمة الإسلامية، حيث غضوا الطرف عن الافتراءات والشبهات الواهية، وصعّروا الخدود عن الاتهامات والمزاعم الباطلة وأحرزوا قصبات السبق في المضمار.

وفي الحقيقة، أصبحت المدارس الإسلامية أساس الدين والشريعة، وكان الطلبة أنفسهم سدنة الشريعة وحفظة القيم الإسلامية، تعلموا الدين ومقاصده كما تعلموا من الجامعات الحكومية، وشاركوا في الامتحانات العامة الإدارية وحصدوا أوسمة ونجاحا لحد أن يصحح بعض الإعلام والأقلام موقفهم العنيف مقابل المدارس الإسلامية.

هكذا ظلت المدارس الإسلامية حاضنة الثقافة والوعي الديني في الشباب، وأنشأت مشاعل الانسجام والتعاون على منأى من التطرفية والتشدد والدمار، ودائما روجت رسالة الأمن والهدوء بين أصحاب العنجهية والغطرسة. كما أن نظام المدارس تمتع بمكانة سامقة وقبول شعبي في فترة قصيرة، حتى ازدهرت هذه المنظمة إلى هذا الحد الذي يتسابق الزمان حتى تعدت سرعته حدود ولاية كيرالا إلى كافة الولايات بل إلى خارج حدود الهند وفاحت بشذاها في كل بقاع الدولة. كأنها مدت أعناق المسخ في مساهماتها الثقافية والدينية على امتداد كيرلا من عرضها إلى طولها بألوان زاهية، وناتجا عن ذلك كانت كيرالا لا تزال تكتسب أهمية كبيرة في خارطة الهند، فمن جهة تمتاز الولاية من بين سائر الولايات بأنها أرض خصبة للمثقفين، وظلت نسبة الأمية فيها ضئيلة جدا، وتبلغ نسبة معرفة القراءة والكتابة إلى ما فوق تسعين في المائة، ومن جهة أخرى هي مهد الإسلام، ولا يبرح المسلمون فيها على وعي بدينهم أكثر من أي ولاية أخرى. وطبعا، فلو لا تصدي هؤلاء العلماء المخلصين والدعاة المستنيرين لخضعت ولاية كيرلا لتلك التيارات الهدامة ولوقعت الجمهرة الإسلامية الساذجة في مكايد هؤلاء المفسدين الطغاة.

بالجملة ، يمكن لنا أن يرى تزايدا بديعا  في مثل هذه النشاطات الفعالة في كيرالا بفضل جهود العلماء تحت لواء جمعية العلماء لعموم كيرلا، وعرضت المدارس تكون هي ظاهرة فريدة من نوعها لا توجد في أي بقعة من بقاع الأرض، وسجلت كيرلا رقما قياسيا كالشبكة التعليمية الدينية الأكبر والأكثر تأثيرًا على صعيد الولاية في العالم، حيث تنتشر في ربوع ولاية كيرالا أكثر من عشرة آلاف مدرسة دينية تحت إشراف جمعية العلماء وتحمل على عاتقها مسؤولية تنشئة الأجيال على تعاليم الدين الإسلامي والقيم الإنسانية، لا سيما في حين احتفلت جمعية العلماء بذكراها المئوية في هذه السنة. ولا تزال هذه المؤسسات التربوية على خدمة ما يقارب مليون ومئتي ألف طالب، ينهلون منها العلم الشرعي والقيم الأخلاقية، فيما يقوم على تعليمهم أكثر من عشرة آلاف معلم مؤهل كما تتميز هذه المدارس بأسلوبها المنظم والمهيكل، وتقوم بتعزيز قوة الأجيال النامية المتقدمة، في مسعى لإرساء مجتمع مثالي خالي من التعارض الفكري، وظلت باعثة قوية في نهضة الأمة طوال هذه الفترة، حيث أدت إلى أن تنهض كالعنقاء إلى آفاق السماء.

ملحمة الإسلام في الصين بين مجد الصحابة وجرح الإيغور

في تاريخ الأمم لحظاتٌ فارقة تعيد رسم خرائط الروح قبل الجغرافيا. ومن أغرب وأجمل تلك اللحظات، حين ركب الصحابة الكرام “سفن النجاة” ليقطعوا طريق الحرير البحري، لا طمعاً في ذهب الصين، بل رغبةً في إيصال كلمة الله إلى أقصى الأرض. ومن هنا نبدأ حكايةً بدأت بنور “التوحيد” وتمر اليوم بنفق “التهجين القسري”.

وهب بن أبي كبشة: السفير النبوي خلف البحار

بعد “صلح الحديبية”، انتقل المركز الإسلامي إلى مرحلة “الدبلوماسية العالمية”. وجه النبي ﷺ رسائله إلى ملوك الأرض، وكان من بينهم “ملك الصين”. انطلق الصحابي الجليل وهب بن أبي كبشة (رضي الله عنه)—وهو من أخوال النبي ﷺ من بني زهرة—في رحلةٍ أسطورية عبر المحيطات. لم يكن وهب مجرد داعية، بل كان “خبيراً في أخلاق الأمم”. دخل بلاد الصين، وبالتحديد مدينة “غوانزو” (كانتون)، حاملاً رسالةً بدأت بعبارة تهز الوجدان: “من محمد رسول الله إلى عظيم ملك الصين”. لقد تجلت في هذه الرسالة حكمة نبوية بالغة؛ حيث خاطب الملك بلقب “عظيم” تكريماً لمكانته، ودعاه بـ “كلمة سواء” لا إكراه فيها ولا قهر. ويروى أن الإمبراطور الصيني حينها (من أسرة تانغ) قد فُتن بزهادة الصحابة وأخلاقهم، واعتبر أن مبادئ الإسلام الأخلاقية تتقاطع في جوهرها مع فضائل “الكونفوشيوسية” في احترام النفس والمجتمع، فأذن ببناء “مسجد هوايشانغ” (مسجد الذكرى الشريفة)، الذي ما زالت مئذنته “نور المنارة” شاهدةً على أول لقاء رسمي بين الإسلام والصين في السنة السادسة للهجرة.

التبادل الحضاري: حين كان المسلمون “جسراً” للصين

لم ينتهِ الأمر عند وهب؛ بل تلاه وفدٌ مهيب في عهد الخليفة عثمان بن عفان برئاسة سعد بن أبي وقاص عام 31 هـ. كانت تلك البداية لتاريخ شريف من التعاون؛ حيث أصبح المسلمون هم “العصب التجاري” للصين، يربطونها بالعالم عبر التجارة والأخلاق. لم يكره المسلمون أحداً على الدين، بل دخل الصينيون في دين الله أفواجاً لما رأوا من صدق المعاملة، حتى أصبحت المدن الصينية تضج بحياةٍ اقتصادية وأخلاقية فريدة تحت حكم أسرة “تانغ”.

العصر الرقمي المرعب: “لا مفر” من الحقيقة

أما اليوم، فالصورة قد انقلبت رأساً على عقب. فالتاريخ الذي شهد بناء المساجد بأمر الأباطرة، يشهد اليوم هدمها بجرافات “الإبادة الثقافية”. في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان “لا مفر: القصة الحقيقية لإبادة الصين للإيغور”، ينقل لنا الكاتب الأمريكي من أصل إيغوري “نوري تركل” صرخةً من قلب الظلام. يوثق الكتاب كيف تحولت الصين من “واحة تجارية” إلى “مختبر مراقبة” عالمي. المسلمون في “تركستان الشرقية” اليوم لا يواجهون السجون التقليدية فحسب، بل يواجهون “سجون الخوارزميات”. تقنيات الذكاء الاصطناعي تراقب ملامح وجوههم؛ فمن يظهر عليه مسحة حزن أو يرتل آية في سره، تلتقطه الكاميرات. تم تثبيت أنظمة مراقبة إجبارية على الهواتف، ومن وُجد في هاتفه “كلمات إسلامية” أو “دعاء” كان مصيره الاعتقال.

انتهاك “قدسية البيت” ومسخ الهوية:

المأساة لم تتوقف عند عتبة البيت، بل دخلت في مخدع النوم. تفرض الحكومة نظام “التوأمة القسرية”، حيث يُجبر موظفون حكوميون على العيش داخل بيوت المسلمين الإيغور لمراقبة صلواتهم وطعامهم، بل وتجريدهم من خصوصيتهم النفسية. وفي مراكز الاعتقال (التي تسمى كذباً مراكز إعادة التأهيل)، يُجبر المسلمون على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لـ “غسل أدمغتهم” من الهوية الإسلامية، ويتم تعقيم النساء قسراً في واحدة من أبشع جرائم التطهير العرقي في العصر الحديث. لقد مات الصحابي وهب بن أبي كبشة في أرض الصين، وترك فيها مسجداً كان رمزاً للتعايش والدبلوماسية الراقية. واليوم، ونحن نقرأ التاريخ الصيني الحالي بدموع الهموم، نتساءل: أين غابت تلك الحكمة البليغة التي استقبل بها الأباطرة الأوائل رسائل النبي ﷺ؟

إن إرث وهب وسعد بن أبي وقاص لن يمحوه “الذكاء الاصطناعي” ولا “التعذيب الممنهج”. فالإسلام الذي دخل الصين بكلمة “عظيم”، سيبقى عظيماً في قلوب المؤمنين، وستظل قصص الصمود في “تركستان” فصلاً جديداً من فصول ملحمةٍ بدأت بسفينةٍ صغيرة في جيانغسو، ولن تنتهي حتى يُحق الله الحق بكلماته.      

أحوال الأقليات في ظل العدالة الدستورية

تُقاس قوة الدول بمدى التزامها بالعدل والمساواة بين مواطنيها، لا بشعاراتها السياسية ولا بأكثريتها العددية. فالأصل في قيام الدول الحديثة هو حفظ كرامة الإنسان، وصيانة حقوقه، وضمان حريته في الاعتقاد والعيش الكريم. وعندما يضعف هذا الأصل، تتفرّع عنه أزمات اجتماعية وسياسية تمسّ استقرار المجتمع بأكمله.

يُروى عن كونفوشيوس أنه كان يسير مع أحد تلاميذه في غابة، فسمع بكاء امرأةٍ حزينة. فسألها عن سبب حزنها، فأخبرته أن النمر قتل ابنها، وقتل زوجها من قبل، ومع ذلك بقيت في تلك الغابة. فسألها: لِمَ لا تتركين هذا المكان الخطر؟ فأجابت: «إن العيش مع خطر النمر أهون من العيش تحت حكومة ظالمة لا تحمي رعاياها».

أراد كونفوشيوس من هذه القصة أن يبيّن أن ظلم السلطة أشد خطرًا من خطر الوحوش.

هذه الحكمة القديمة تظلّ حاضرة في واقعنا المعاصر، حين ننظر إلى أوضاع بعض الأقليات الدينية في الهند. فعلى الرغم من أنّ الدستور الهندي يؤكد بوضوح في مادته (14) على المساواة أمام القانون، وفي المادة (15) على منع التمييز بسبب الدين، وفي المادة (25) على ضمان الحرية الدينية، إلا أن الواقع في بعض المناطق يشهد توترات وأحداثًا تثير القلق، من اعتداءاتٍ على دور العبادة إلى مشاعر تهميش وإقصاء اجتماعي.

إن أيّ مجتمعٍ يقوم على التعددية الدينية والثقافية لا يمكن أن يستقر إلا إذا تحوّلت نصوص الدستور إلى ممارسة فعلية في الحياة اليومية. فالعدل ليس مادة مكتوبة في الأوراق، بل هو سلوكٌ ومؤسساتٌ وسياساتٌ تُشعر المواطن — مهما كان دينه أو انتماؤه — بالأمان والانتماء.

كما أنّ استغلال القضايا الدينية لتحقيق مكاسب سياسية يهدد وحدة المجتمع، ويضعف الثقة بين مكوناته. فالدولة العادلة هي التي تقف على مسافةٍ واحدة من جميع مواطنيها، وتمنحهم فرصًا متكافئة، وتحاسب المعتدي أيًا كان موقعه أو انتماؤه.

إن صيانة حقوق الأقليات ليست امتيازًا يُمنح، بل هي مبدأ دستوري وأخلاقي يعكس رقيّ الأمة وتحضّرها. وإذا كان التاريخ يعلمنا أن الظلم لا يدوم، فإن الحاضر يذكّرنا بأن العدالة وحدها هي الطريق إلى السلام الاجتماعي والاستقرار الحقيقي.

النيروز: رمز للتاريخ العريق ووحدة الشعوب عبر الأزمان

يعد النيروز، أو السنة الجديدة في التقويم الشمسي واحدًا من أقدم وأكبر المهرجانات الشعبية في العالم. ويُعتبر عيد النيروز احتفالًا تقليديًا وثقافيًا ليس فقط للأمة التاجيكية، بل أيضًا أحد التقاليد العريقة لشعوب الشرق. يُعد النيروز من أبرز الاحتفالات بين الشعوب الآرية، حيث يُحتفى به في إيران وتاجيكستان كاحتفال ربيعي يرمز إلى الطبيعة. ينتظر الناس هذا العيد كل عام، ويُقام خلاله مهرجانات رائعة تتميز بالفخامة والأناقة، احتفاءً بقدوم الربيع وتجديد نمط الحياة.

بمجرد أن يعلن الربيع عن قدومه إلى هذا البلد العريق، وخاصة في المناطق التي تتشارك في الفرح والسرور بغض النظر عن اللغات والثقافات، تخرج مبلغ الربيع واليوم الجديد إلى الشوارع والساحات والممرات والأسواق والمدن والقرى. يغنون ويمرحون ويقدمون عروضاً متنوعة وملونة، ويعلنون للناس عن تنظيم فعاليات احتفالية بمناسبة رحيل الشتاء القارس وبداية الربيع الجديد، إيذاناً باحتفال النوروز. وهكذا، يفرح الناس ويسعدون بسماع هذه الأخبار السارة، ويستعدون لاستقبال النوروز الجديد.

كما كانت رسالة النوروز معروفة وشائعة بين شعبي إيران وتاجيكستان منذ العصور القديمة، يقوم الإيرانيون، مثلنا نحن التاجيك، بزراعة القمح الأخضر والعدس قبل حلول النوروز. كما يحرصون على تنظيف وترتيب منازلهم بالكامل، بما في ذلك الأبواب والجدران والساحات. يقومون بطلاء الجدران المحيطة بمنازلهم، ويغسلون وينظفون الأطباق والأواني، ويستبدلون الأشياء القديمة بأخرى جديدة، بالإضافة إلى شراء ملابس مزركشة جديدة لأفراد العائلة.

في مناطق متعددة من إيران، لا سيما خراسان ومازندران وفارس وجيلان والديلم، لا تزال التقاليد والطقوس القديمة للاحتفال برأس السنة قائمة حتى يومنا هذا. خلال احتفالات عيد النوروز، يقوم الإيرانيون باحتفالات تتشابه في الكثير من الجوانب مع احتفال النوروز لدى التاجيك، مما يؤكد مرة أخرى على تضامننا ووحدتنا مع الشعب الإيراني.

من ضمن التحضيرات للاحتفال بأيام النيروز، يتم تزيين مائدة الاحتفال من خلال شراء اللحوم والأرز والزبدة وغيرها من المكونات الضرورية لتحضير آش النوروز (الأرز). كما يتم إعداد مجموعة متنوعة من الحلويات والخبز، التي تعتبر من زينة مائدة رأس السنة النيروزية. يتم تزيين المائدة بشكل جميل، وكما هو معتاد، تُعرض أطباق متنوعة، بالإضافة إلى رموز احتفال النوروز مثل “هفت سين” و”هفت شين” و”هفت ميم”.

يمكننا ملاحظة أن احتفال النيروز في إيران شهد العديد من التغييرات، خاصة فيما يتعلق بمائدة النوروز التي يعدها الشعب الإيراني. تتضمن هذه المائدة الخبز المستدير، والحلويات، والفواكه، والخضروات، بالإضافة إلى تقليد وضع البيض الملون، والزنابق، والمرايا، والقرآن الكريم، وهو تقليد يعود إلى فترة وصول الإسلام ويستمر حتى اليوم. قبل بداية العام الجديد، يقوم الإيرانيون بتحضير السوماناك من الشعير، ويضعون بجانبها زهرة السومان. كما يحرصون على وضع زهرة السومان في وعاء على الطاولة، إلى جانب وعاء من الماء مزين ببعض الأوراق الخضراء. أيضًا، يضعون العسل على مائدة العام الجديد، ويأكلونه بنية أن تصبح حياتهم حلوة ومليئة بالفرح طوال العام. ومن المعتاد أيضًا إضاءة شمعة أو مصباح في المنزل احتفالًا بهذه المناسبة.

يُحتفى باحتفال النيروز في مناطق متعددة من إيران الحديثة، وذلك وفقًا للظروف المناخية السائدة في البلاد. اليوم، يحتفل الناس من مختلف الأعراق والقوميات والأديان في جميع أنحاء إيران بشكل رسمي بعيد النوروز، ويقدمون لهذا التراث الثقافي الاحترام والتقدير. يُظهر الشعب الإيراني حماسًا كبيرًا للاحتفال بالنيروز، حيث يتم تعليق جلود النمر والفؤوس وأردية الدراويش على الأبواب والجدران قبل وبعد النيروز، وحتى خلال “13 يومًا خارج البيت” التي تليه.

مع اقتراب عيد النوروز، يقوم بائعو الزهور بتحضير العديد من الزهور الجميلة والزخرفية في سلال ومزهريات. خلال هذه الفترة، يكون سوق بائعي التوابل والعطور، بالإضافة إلى بائعي الفواكه والخضروات والأحذية وسمك السلمون والحمامات، مزدحمًا للغاية.

كانت هناك العديد من الاحتفالات المرتبطة بمناسبة النوروز التي كانت شائعة بين الإيرانيين في العصور القديمة، ولا تزال تُقام هذه الاحتفالات حتى يومنا هذا. فيما يلي نعرض أبرزها وأكثرها إثارة للاهتمام.

منها: “ميري النيروزي – أي الأمير النيروزي” هو أحد الفنون المسرحية المثيرة للاهتمام وله تاريخ طويل. تتضمن هذه العادة القديمة اختيار شخص من بين الناس ليجلس على العرش لمدة خمسة أيام. خلال هذه الفترة، يقوم هذا الشخص بإصدار أوامر فكاهية، مما يجلب البهجة للناس ويمنحهم وقتًا ممتعًا. يتجول “ميري النيروزي” في الشوارع برفقة وزرائه وجنوده ومهرجينه وموسيقييه ومغنيه، مُبشرًا بقدوم الربيع وبداية يوم جديد وعام جديد.

يوجد احتفال آخر يُقام في إيران قبل النوروز، وهو احتفال “جهارشانبي سوري”. يُعتبر موقع الاحتفال الرئيسي لهذا الاحتفال في مدينة شيراز، حيث يقع ضريح “شاه جراغ”. وفي ليلة “جهارشانبي سوري”، تتوجه بعض النساء والفتيات من شيراز لزيارة قبر الشاعر سعدي الشيرازي، المعروف باسم السعدية.

يعتبر يوم “جهارشانبي سوري” بالنسبة للإيرانيين فرصة مناسبة لتجديد جوانب حياتهم. في هذا اليوم، يقوم الإيرانيون بتتغيير الأواني القديمة ليتمكنوا من شرب الماء البارد من الأواني الجديدة في العام المقبل. تقليديًا، يتم تخزين الماء في الأواني الطينية في إيران، حيث يبقى باردًا لفترة طويلة. بالإضافة إلى ذلك، يقومون بإشعال بخور “هزار سبند” لطرد الأرواح الشريرة والعين الحاسدة، والفيروسات على أمل استقبال العام الجديد بصحة جيدة.

بفضل جهود زعيم الأمة، رئيس جمهورية تاجيكستان إمام علي رحمان، وبدعم دول منطقة النيروز في عامي 2009 و2010، أصبح احتفال النوروز عالميًا. وقد أقيم الاحتفال الأول والثاني باحتفال النوروز العالمي في عامي 2010 و2011 في مدينة طهران، عاصمة جمهورية إيران الإسلامية، حيث حضرها رؤساء دول وممثلون رفيعو المستوى من عدة الدول المحتفلة بالنيروز. وفي كلمة له خلال اجتماع مع المثقفين في 19 مارس 2011، أعرب رئيس جمهورية تاجيكستان عن سعادته قائلاً: “إن إعلان احتفال النوروز عالميًا سيكون له تأثير كبير في تعزيز الحوار بين الحضارات، وتوسيع التفاهم المتبادل بين الشعوب، وتعزيز السلم والاستقرار في العلاقات بينها”؛ لأن النيروز يساهم في الحفاظ على الثقافة ووحدة دول المنطقة والعالم.

في الختام، يُعتبر النوروز تراثًا تاريخيًا يحتفل به كعطلة دولية بارزة في إيران الحديثة. يتجلى جماله وعظمته من خلال الاحتفال بالتغيير الطبيعي المتكرر الذي يحدث سنويًا. وهذا يعكس أن شهرة هذا الاحتفال العريق لا تزال تحتفظ بمكانتها وأهميتها، بل تزداد رسوخًا وقوة مع مرور الزمن بين شعوب العالم. تمثل رسالة النوروز دعوة الطبيعة لبداية حياة جديدة ونظيفة كل عام، بهدف تعزيز السلام والوحدة بين الشعوب والأمم المختلفة في الكون. حيث تعزز الصداقة وتوسع التعاون المتبادل، والحب والدفء بين الشعوب بشكل أفضل وأوسع.