مكاتبُ التحويل المالية تغتصبُ أموالَ أهل غزة

الجريمة التي ترتكبها مكاتب التحويل المالية، العربية والفلسطينية، في قطاع غزة جريمةٌ كبيرةٌ، لا يمكن السكوت عنها أو القبول بها، ولا ينبغي الموافقة عليها أو تمريرها، فهي خيانةٌ وطنيةٌ، وجريمةٌ ضد الإنسانية، ولعلها كفرٌ وخروج من الملة، فليس مسلماً من يأكل أموال الأيتام، ويغتصب حقوق المحاصرين، وليس عربياً من يتآمر مع العدو ويشترك معه في جرائمه، ويتوافق معه في سياسته، وليس إنساناً ولا ينتمي إلى البشر، من يطمع في كسرة خبز طفلٍ، أو نزع ضمادة جريحٍ، أو حرمان رضيعٍ من الحليب، أو تجويع أسرةٍ وتجفيف قدورها وإطفاء نيرانها، لرغبةٍ منه في تكديس المزيد من الأموال، وجمع الكثير من المدخرات.

جريمة أصحاب مكاتب التحويل المالية، التي تبغي الربح الكبير وتتوخى الكسب الحرام الممنوع، وتمتص دم الفقراء وتنهب أموال المتبرعين، وتغتصب حقوق الغلابة والمساكين، المحرومين المحاصرين، الصائمين قبل الصيام، والجائعين كل الأيام، لا تقل خطورةً عما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي ضد أهلنا المحاصرين فيه، الذين يتعرضون لعمليات القتل اليومية الممنهجة، وسياسات التجويع المقصودة، فهذا العدو يريد قتلنا بالجملة بطائراته ودباباته، أو يعمل على تجويعنا ليمارس ضدنا القتل البطيء بلا رحمة، ولعله يعلم أن الجوع ذلٌ، وأن الحاجة تكسر، وأن الجوع لا يقرص البطون فقط، وإنما يذل الهامات ويحني الرؤوس.

ما تقوم به مكاتب التحويل المالية يشبه تماماً ما يقوم به العدو الإسرائيلي، بل لعلهم ينفذون سياسته، ويطبقون خطته، ويسهلون عليه مهمته، فهو إن لم يكن قادراً على سلب أموال الناس وسرق خيراتهم، ومنع العرب والمسلمين من التضامن مع إخوانهم الفلسطينيين، فهو يسلط عليهم شرذمة قليلة من التجار الجشعين، ورجال الأعمال الفاسدين، وأصحاب المكاتب المالية التي لا تعرف ديناً ولا تلتزم خلقاً، ولا يهمها سوى جمع المال وتكديس الثروات، ولو على حسابِ شعبٍ يموت، وأطفالٍ يتضورون، ونساءٍ قد أوهى الجوع أجسادهن وأذهب قواهن، ورجالٍ اسمرت سحناتهم، وتغضنت جلودهم، وقد ربطوا على بطونهم أكثر من حجرٍ علهم يسكتون به جوعهم، وينسون به ألمهم.

تعمد مكاتب التحويل المالية إلى اقتطاع نسبة كبيرة من أموال المتبرعين والأهل المغتربين، تحت مسمى “العمولة” أو “كلفة التحويل”، وهو أمرٌ متعارفٌ عليه ومقبول، ولا يعترض عليه المستفيدون ولا يجادل بشأنه المتبرعون، فهذه خدمة كبقية الخدمات يلزمها رسوم وتكاليف مقبولة، لكن أن تصل نسبة الخصم 15-20% من قيمة الحوالة المالية، فهذ جريمة كبيرة، وخيانة وطنية، وهي من الكبائر التي لا تغتفر، والجرائم التي لا يعفى عن فاعلها ولا يغفر لمرتكبها أبداً، أياً كانت نيته وجهده، ومهما بلغ عمله وخدماته.

لا تتوقف مكاتب التحويل عند جريمة الخصم غير المنطقي، والعمولة الكبيرة غير المبررة، التي ربما يشاركهم فيها تجارٌ إسرائيليون، بل تلجأ إلى تسليم المواطنين الفلسطينيين في غزة حوالاتهم التي يتعمدون تأخيرها، ويذلون أصحابها والمستفيدين منها في طوابير طويلة، بالشيكل الإسرائيلي، وليس بالعملة التي تم بها التحويل، بل بالعملة الإسرائيلية، وبسعر التصريف الذي يروق لهم ويناسبهم، رغم أن أسعار الصرف معروفة ومعلنٌ عنها.

إلا أن التجار الذين يتحكمون في الأسواق، يفرضون شروطهم، ويطبقون سياستهم، ولا يلتزمون بأسعار النشرة المالية، ولا يعيرون المعترضين اهتمامهم، بل يردون عليهم “يلي ما بدوش ما يلزموش”، و”يلي مش عاجبه ما يحول”، و”مش عاجبك شوف مكتب آخر”، وغيرها من العبارات الفوقية، والكلمات القاسية المؤذية، لعلمهم أنه لا يوجد غيرهم، ولا يستطيع أحدٌ أن يقوم مقامهم ويؤدي الخدمات المالية مثلهم.

تعلم مكاتب التحويل المالية، العربية والفلسطينية، أنه لا خيار أمام الفلسطينيين، ولا سبيل آخر أمامهم، بعد أن دمر العدو بيوتهم وسرق أموالهم، واستنزف مقدراتهم ومدخراتهم، ولا يوجد عندهم مصادر دخل غير ما يأتيهم من أهلهم المغتربين، أو من العرب والمسلمين المتبرعين، سوى أن يخضعوا لها ويدفعوا لها العمولة التي تحدد، ويقبلوا بالنسبة التي تفرض.

لهذا يجب على كل قادرٍ وصاحب سلطةٍ، العمل بكل السبل الممكنة لمحاربة هذه الظاهرة والحد منها، وعدم الخضوع لها والتسليم بها، وفضح العاملين فيها والمخططين لها، ومعاقبة المخالفين والمتجاوزين بأشد العقوبات الممكنة، الذين يتعمدون ارتكاب هذه الجرائم التي تخدم الكيان الصهيوني وتصب في أهدافه، وتحقق غاياته وتلبي رغباته، وتلحق أبلغ الضرر بالشعب الفلسطيني المحاصر المُعَنَّى المعذب.

فهولاء التجار الجشعون الشرهون المحتكرون الفاسدون المجرمون، الذين يفتقرون إلى الأخلاق والقيم، ولا يتميزون بالشهامة والنبل، يجب أن يحاربوا كما يحارب العدو، فهم لا يحاربون الشعب الفلسطيني فقط في قوته ولقمة عيشه، ولا يسرقون أموال المتبرعين ولا ينهبون أموال اليتامى والأرامل والجرحى والشهداء، إنما يأكلون الربا ويستحلون الحرام ويحاربون الله ورسوله، فعليهم أن ينتهوا عن جريمتهم، ويتوفقوا عن سرقاتهم، وأن يتوبوا ويعيدوا للناس أموالهم، ويحفظوا حقوقهم، وإلا فليأذنوا بحربٍ عليهم من الله ورسوله، ” فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ “.

الخبيزة،النّبات المُقدّس!

لم تتواطأ نبتة الخبيزة مع الذين وقفوا عاجزين عن إدخال كسرة خبز للقطاع، بل انبثقت من الأرض واهبة نفسها بوفرة لمن أنهك الجوع ما تبقى من أجسادهم التي اخترقها الألم من كل الجهات، برا وجوا، رصاصا وحزنا ودمارا، ثم نهش العجز قلوبهم مليا!
تمر بك قبل الحرب عربات البائعين المحملة بحزم البقولة ثم تمضي عنها خالي البال، دون أن تعتريك فكرة واحدة، فم الذي يمكن أن يستوقف المرء عند رؤية نباتات أو خضر تباع؟ لكنك الآن تستطيع الإجابة حينما تعلم أن نبتة سدت رمق من أذبلك التفكير به وتأنيب الضمير وأنت تشعر بالرهبة حينما تمد يدك لتتناول وجبة ما، الآن تدرك أن كل شيء وإن كان لا يمتلك يدا هرع ليمد أطراف أو جذور المساعدة بينما عجزت أزيد من مليار يد أن تمتد للعون…
لم أجرب طعم البقولة إلا قبل الحرب بأشهر قليلة بعدما أقنعتني صديقة أن أتناولها، ثم شاء القدر أن أتذوق تلك النبتة المباركة، نبتة الجنة التي تعرف أهل تلك الأرض جيدا، وتخبئ في أكنافها ذويهم ريثما التحقوا هم بهم.
لكننا حينما نتحدث عن مكانة الخبيزة في فلسطين فلا يشبه الأمر بذلك مكانتها في بلادي أو بلادك، إنها علاقة سنوات بعيدة المدى، علاقة تراث وارتباط بالوطن، عن حيفا وعن أرض سميت بها قرية باسم “الخبيزة”، علاقة ليست وليدة اللحظة قطعا ولم تنشأ عند العجز أو الحاجة التي خلفتها الحرب، بل تبلورت في الذاكرة مرتبطة بمواسم الفرح لا بالحزن، بالاجتماع لا التفكك وفي سنوات كان شتاءها دافئ على أهل غزة وفلسطين حيث كانت النسوة ترددن الأغنيات والألحان والأمثال الشعبية أثناء القطف، وأخال أن الأماكن التي كانت تقتطف بها الخبيزة لا زالت تحمل صدى إحداهن وهي تغني: ” عزمتني عالعشا وتاري العشا خبيزة”! وصوت أخرى وهي تقول: “خبيزة واللبن يكثر”، فتخبئ الأماكن أصوات غنائهن وتحفظ أطياف كل واحدة حتى تنتهي الحرب لتعيد لهن بحة أصواتهن وعزومة العشاء المنسي واللبن الذي كثر بعد نفاذه طيلة الحرب فذاكرة الأماكن أقوى من ذاكرة البشر…
إن في وضع قوت هؤلاء الأبطال في نبتة تخرج من باطن الأرض حكمة، ورسالة لإنسانية واهنة وخرائب جيوش لا تستحق أن يولى إليها أمر إطعام جائع وذلك أضعف الإيمان، ولو تأمل العاقل في الحوادث عبر الزمن لوجد حكمته -سبحانه وتعالى- تتجلى عبر وسائط الأمور بل وأقلها شأنا أحيانا، فالنخلة التي أطعمت السيدة مريم والغراب الذي علم الإنسان والبعوضة التي أهلكت النمرود إلى الخبيزة التي أطعمت أناسا أبى أهلهم أن يطعموهم…
فتقول سيدة فلسطينية نازحة في هذا الصدد عبر محطة تلفزيونية وهي تعد الغذاء، قامت الخبيزة بما عجز عنه جيوش العرب والعالم، فادتنا أكثر من جيوش العالم ولربما تختصر جملتها هذه أسطرا من الكتابة وشرائط طويلة من التفسير والتصوير والشرح، لذلك فالأمور جميعها تغيرت وحال الأمة قبل الحرب ليس كحالها بعد الحرب، وكذلك الشأن بالنسبة لمرورنا أمام عربة تباع بها الخبيزة، هذه المرة تحتم علينا أن ننحني لها تقديرا عن فعلها ما لم نفعل أو بعبارة نحبها وتزيح العبء عن كاهلنا قليلا: في فعلها ما لم نستطع إليه سبيلا…!

الكيان الصهيوني غاضبٌ من سياسة وسائل التواصل الاجتماعي

اعتمد العدو الإسرائيلي كثيراً على شبكات وسائل التواصل الاجتماعي الضخمة، الواسعة الانتشار والشديدة التأثير، في تمرير روايته الكاذبة، وفرض وقائعه المزيفة، والتعتيم على ما يرتكبه من مجازر دموية يومية بحق الشعب الفلسطيني، واعتبر أن معركته مع الفلسطينيين ليست فقط في الميدان على أرض غزة، كما في عموم فلسطين، وإنما هي في أذهان العالم ووعيه، ولدى الرأي العام كله، فهو يريد أن يشرع عدوانه، وأن يبرر جرائمه، وأن يشوه صورة الفلسطينيين ويلبسهم ثوب العنف والإرهاب، ويلصق بهم تهم القتل والاغتصاب، وقطع الرؤوس وبقر البطون، وحرق النساء والأطفال، وغير ذلك مما تفتق عنه عقل نتنياهو وفريقه القاتل المجرم، وصدقه بايدن وقادة دول أوروبا وغيرهم.

كانت شركات التواصل الإجتماعي قد شنت خلال الأشهر الست الماضية حرباً قاسيةً ضد ملايين الحسابات الشخصية، الفلسطينية والعربية والإسلامية، ولجأت إلى شطبها كلياً أو إغلاقها مؤقتاً، بحجة أنها تخالف قوانينها، وتنتهك الخصوصيات الشخصية، وتقوم بأنشطة مزعجة تتعارض وقوانينها، وحرمت أصحابها من الحق في استخدامها، رغم أنهم التزموا أنظمتها ولم يخالفوا قوانينها، وقاموا بتقديم شكاوى إليها، يطالبونها برفع الحظر عن حساباتهم، ويؤكدون أنهم يلتزمون شروطها ولا يخالفون سياساتها، ورغم ذلك فإن شكاوهم لم تلق آذاناً صاغية، ولا قبولاً أو تفهماً حسناً منهم.

لم تتراجع الشركات عن سياساتها الضابطة والقاسية بحق الناشطين على صفحاتها، ومضت في تقييد حركتهم والحد من انتشارهم، ولاحقت حساباتهم الجديدة والأخرى البديلة، وكل ما ارتبط بهواتفهم أو دل على شخصياتهم، مهما حاولوا التمويه والالتفاف، وتغيير المعلومات واستبدال الأسماء، إلا أن المحتوى الوطني يدل عليهم، والمواقف القومية والسياسية تظهر انتماءهم، مما استدعى قيام الشركات بفرض المزيد من الإجراءات العقابية بحقهم، علماً أنه لا استثناء بين الشركات الناشطة والعاملة في مجال التواصل الاجتماعي، بما فيها شركة “توك توك”، التي ظن الكثير من النشطاء المشتركين فيها، أنها بعيدة عن النفوذ الصهيوني، وأنها تتبع بلاداً صديقة، ولا تخضع لسياساتٍ أجنبية عنصرية.

في الوقت نفسه فتحت هذه الشركات الفضاء واسعاً والأفق رحباً للناشطين الإسرائيليين وحلفائهم من المؤمنين بالصهيونية والداعين لها والمبشرين بها، الذين يتبنون الرواية الإسرائيلية ويدافعون عنها، ولا يبدو أنها تطبق عليهم ذات السياسة، أو تفرض عليهم نفس الشروط، رغم أن صفحاتهم تعج بالعنصرية وتنضح بالكراهية، وفيها صور مقززة، ودعوات مشبوهة، ومشاهد مستفزة، وفيها ما يشير إلى تعميق الكراهية والدعوة إلى العنف وممارسة الإرهاب، وقتل المواطنين وطرد السكان، وتحريض المستوطنين على استخدام السلاح والمبادرة إلى إطلاق النار ضد الفلسطينيين، دون خوفٍ من قيودٍ أو قانونٍ أو ملاحقةٍ قضائية.

نتيجة للمتغيرات الدولية، وارتفاع الأصوات المنددة بالسياسات الإسرائيلية، والرافضة لعملياتها العسكرية في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية، واعتماد العديد من الدول على خطابها الإعلامي الوطني في نشر الصور وكشف الحقائق الجارية في قطاع غزة، وتسليط الضوء على الممارسات العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، بدأت الصورة الحقيقية البشعة للكيان تظهر، وصدرت تحذيراتٌ أمريكية وكندية وأوروبية للحكومة الإسرائيلية بأن صورتها لدى العالم تتغير، وأنها في حاجةٍ إلى أجيال كثيرة حتى تستعيد صورتها النمطية الديمقراطية التي عرفت بها في المنطقة وتميزت بها عن دولها.

فرض الواقع نفسه على الأرض بقوةٍ ووضوحٍ، وبجلاءٍ وسفورٍ، ولم يعد العدو الإسرائيلي يستطيع أن يخفي جرائمه، أو أن يخفف من وقعها ويلطف من عنفها، فالصورة الحقيقية أخذت تنتشر بسرعةٍ، وتنتقل إلى كل مكانٍ، كما أن كبرى وكالات الأنباء الدولية، الغربية والأمريكية، بدأت تكشف الحقيقة، وتسلط الضوء على حجم الجرائم الإسرائيلية، وتظهر أن ردة الفعل الإسرائيلية الرسمية، التي ينفذها الجيش والأجهزة الأمنية، يفوق بكثير الرغبة في الانتقام ورد الاعتبار، ومحاولة استعادة الأسرى وإعادة “المخطوفين”.

يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي قد رفعت القيود التي فرضتها، أو حففت من درجة تطبيقها، وتوقفت نسبياً عن إغلاق الصفحات وحظر الحسابات، وسمحت للمحتوى الفلسطيني بالظهور والانتشار، ولم تعد تمارس ذات السياسة القاسية التي كانت تحظر الرواية الفلسطينية، وتمنع نشر الفضائح الإسرائيلية، فيما بدا أنها محاولة للتصحيح أو الاعتدال، الأمر الذي أغضب الإسرائيليين وأزعجهم، وأخرجهم عن طورهم فاتهموا الشركات بالتواطؤ والانحياز، وليس بعيداً أن يتهموها بمعاداة العنصرية وتأييد الإرهاب، رغم أن هذه السياسات ليست دائمة أو مطمئنة، وليست أكيدة أو أمينة، وإنما قد يكون هدفها امتصاص النقمة، ورد التهمة واستعادة الثقة، أو تنبيه الإسرائيليين إلى خطورة ما يرتكبون على مستقبل مشروعهم واستقرار كيانهم.

فهل أن مُلَّاك شركات التواصل الاجتماعي الدولية، المتعاطفين تاريخياً مع الكيان الصهيوني، والمتعاونين معه والمتبرعين له، والمنحازين إليه والمقاتلين بوسائلهم إلى جانبه، والمناوئين للعرب والمحاربين للمحتوى الفلسطيني، قد استفاقوا حقاً من غفلتهم واكتشفوا خطأهم، وعرفوا الحقيقة وخضعوا لها، وقرروا الانحياز إلى الحق والتخلي عن الباطل، وأدركوا أنهم بتواطئهم وانحيازهم، وبتضليلهم للرأي العام وفرضهم للرواية الإسرائيلية، شركاء في جرائم الإبادة البشعة والمجازر الوحشية التي يرتكبها جيش الكيان يومياً بحق المدنيين الفلسطينيين من النساء والشيوخ والأطفال.

ذكر النيروز في الأدب العربي

أخذ الاحتفال بالنيروز بين الشعوب شهرة واسعة حول العالم. حيث كان هذا الاحتفال بين الأمم والثقافات المتعددة مختلفة باختلاف الاعتقادات والنظرات نحو النيروز. ويعتبر الاحتفال بالنيروز اليوم احتفالا وطنيًّا وحدثًا مهمًّا للدول التي تحتفل به في جميع أنحاء العالم وعطلة رسمية في بعض منها[انظر: 6].

ومن المعروف أن الشعب الفارسي وعلى وجه الخصوص التاجيكي كانا اصحاب الحضارة والمعرفة الإنسانية الرفيعة منذ فترة طويلة. لقد ساهما بشكل كبير في تطوير العلم والمعرفة عبر القرون لما لهما من إنجازات كبيرة في المجتمع البشري وحضارته؛ لقد أظهرا تقدمهم عن طريق إبراز أعمالهم القيمة للعالم.

اليوم تحتفل الشعب التاجيكي في جمهورية طاجيكستان بعيد النيروز كل عام في بداية الموسم الربيعي؛ باعتباره مهرجانا لأسلافهم وانتشاره بين الشعوب والأمم والحضارات عبر القرون، مما يدل هذا الاحتفال على تجذره بثقافة الماضي العميقة لشعوب آسيا أيضا. ويجعلهم فخورين بتقاليدهم الوطنية التي تعد مصدر سرور وبهجة. وكلمة “نوروز” فارسية تعني اليوم الجديد، أو بداية يوم جديد، ولا تزال هذه الكلمة مشهورة بهذا المعنى بين شعوب العالم الإسلامي. [انظر: 1، 15-349].

قد يطلع القارئ في المراجع التاريخية أن الشعب التاجيكي قد تأثر بلغة العرب وأدبهم وثقافتهم وحضارتهم في مراحل تاريخية مختلفة، وفي الوقت نفسه أثروا أيضًا في لغة العرب وثقافته [انظر: 4، 115]. وخلال مطالعتي جلب توجّهي ذكر الاحتفال بعيد النيروز في الأدب العربي. حيث يجد الباحث أن الأدب الفارسي التاجيكي قد تمازج الأدبين العربي والفارسيّ في القرون الماضية. حيث انبثقت منها في تلك الفترة حركة التمازج الثقافي العربي الفارسيّ قلَّ نظيرها في التاريخ نوعاً وكمًّا بين الشعوب.

ورغم أن إقامة الاحتفال بعيد النيروز هو تقليد فارسي تاجيكي إلا أن الشعراء والكتاب العرب قد أشادوا في أبياتهم بالنيروز ووصفوه في كتاباتهم الأدبية التي تبرزها المصادر التاريخية. ولذلك تُعرف “النيروز” بأن لها احتفالات ومهرجانات تنسب إلى الشعب الفارسي التاجيكي لما لها من دلالات ترمز إلى ترابط المحبة والصداقة والوفاء بين شعوب العالم. وإن قلّ الاحتفال والاهتمام مع ظهور الإسلام بشكل كبير، ثم جاء العصر الأموي فتغير وضعه من حيث موعد الاحتفال به، ثم في عصر الدولة العباسية توجه الاحتفال بالنيروز بشكل كبير[انظر: 6].

وبذلك، قد أصبحت النيروز وسيلة للتفاهم المتبادل والصداقة بين المجتمعات؛ لتوافقه  مع الاعتدال الربيعي، وهو ما تم تسجيله بكثرة في دواوين شعراء العرب؛ لذلك ما دفع البعض بالقول بأن الاحتفال بالنيروز في فصل الربيع لا يرتبط بأي دين أو معتقد، بل هو احتفال بالطبيعة وانفتاح الزهور وبسط الخضرة مع دمدمة روح جديد بعد عناء الشتاء القارص وبداية لموسم الزراعة. [انظر: 5، 20. و4، 117-118].

ويعتبر هذا المهرجان ظاهرة فاعلة ومؤثرة في الثقافة الفارسية التاجيكية، حيث كوّن ارتباطا ثقافياً في العالم العربي أيضا. ووصل هذا التمازج إلى حد أنه في عهد العباسيين، كانت الوزراء والأمراء والملوك العرب يحتفلون بعيد النيروز [انظر: 4، 115].

وهذا يدل على أن التماذج الثقافي بين العرب والفرس كان يتم من خلال الأعياد الوطنية. وعلى وجه الخصوص، قد سجل عيد النيروز في قصائد الشعراء والنثر العربي نموذجا رائعا للترابط الثقافي بين الشعبين. وعلى الرغم من أن أصل وجذور النيروز هو اتصال بالعصور القديمة، فإنها قد توافقت أيضا في فترة ازدهار الثقافة الإسلامية فاكتسبت معنى وشروحا خاصة، كأنها عارية من عقيدة الزرادشتية. [انظر: 4، 115].

بعد كل هذا، استطاع العرب والعجم بناء قصر ثقافي عال وجسر ترابط وثيق يقوم على بناء ترابط الإنسانية الطيبة والقيم الأخلاقية الرفيعة من خلال إحياء هذه المهرجانات التاريخية دون تمييز. [انظر: 5، 20. و5، 117-118].

كما شاع الاعتقاد بأن الاعتدال أيام السنة وفجر النيروز تدلان على نزول البركة في الكون، مما يبشر بالخير للمجتمع. واعتدال الطقس في الأقاليم السبعة وولادة الطبيعة بعد الشتاء القارص يمنح الإنسان روحًا نشيطًا وحركة حيوية. [انظر: 3].

كل عام في وطننا العزيز- تاجيكستان يشرق فصل الربيع بملامحه المتنوعة، حيث تتفتح الأشجار أذرعها لتزدهر، وتعانق العندليب بين فروعها مغردا مما يدفع الإنسان بالبهجة والسرور.

ويمكن ملاحظة مثل هذا التغيير الطبيعي في مناطق الدول الآسيوية، وخاصة البلاد العربية، وهم أيضا يحتفلون بأيام الربيع بفرح وسرور بقدوم فصل جديد. ولذلك قال محمد الكوفي في قصيدته عن بداية الربيع[3]:

حُلوُ الشَّبابِ مِنَ الدُّنْيَا أَوَائِلُهُ

بَدْءُ الرَّبِيعِ مِنَ الْأَيَّامِ نَوْرُوزُ

وفي تاريخ الشعوب يرتبط اسم النيروز ارتباطًا وثيقًا بالربيع. كما نجد أن اسم النيروز اقترن بالربيع في التاريخ عند الشعوب التي تحتفل بذکراه في أدبيات الشعراء العرب، ومنهم الشاعر أبو عبيدة الوليد البحتري حيث استلهم شعره من طبيعته الباسمة [انظر: 2، 2090-2091 و: 4، 128].  فقال:

أتَاكَ الرَّبِيعُ الطَّلْقُ يَخْتَالُ ضَاحِكاً

مِنَ الحُسْنِ حَتَّى كَادَ أنْ يَتَكَلّمَا

وَقَد نَبّهَ النيروز في غَلَسِ الدُّجَى

أَوَائِلَ وَرْدٍ كُنّ بالأمْسِ نُوَّمَا

يُفَتِّقُهَا بَرْدُ النّدَى، فَكَأنَّهُ

يَبُثُّ حَدِيثًا كَانَ أَمْسِ مُكَتَّمَا

وَمِنْ شَجَرٍ رَدّ الرّبيعُ لِبَاسَهُ

عَلَيْهِ، كَمَا نَشَّرْتَ وَشْياً مُنَمْنَمَا

وَرَقّ نَسيمُ الرِّيحِ، حَتَّى حَسِبْتَهُ

يَجِىءُ بِأَنْفَاسِ الْأَحِبَّةِ نُعَّمَا

على الرغم أن تاريخ عيد النيروز يعود إلى فترة ما قبل المسيح عليه السلام، فإنه مصطلح يعبر عن تجمع للمجتمعات البشرية في كل العصور. فأغنى الأدبَ العربيَ والتاجيكي بجمال الطبيعة، وجمع تراثاً زاخرا من القصائد والقصص والثقافات المتنوعة. ويقرب الوحدة بين الشعوب ويعتبر من أكثر احتفالات الربيع تأثيرًا في العالم إلى يومنا هذا [انظر: 4، 135-136]. لذلك فإن شعوب العالم، التي تعتبر هذا العيد القديم كحلقة وصل ثقافي بين شعوب العالم، نستطيع أن نستفيد منه كقوة ناعمة لاستعادة الصداقة والتعاون بين الشعوب، وإبقاء المنطقة والعالم على أساس التفاهم المتبادل والازدهار المشترك والسلام العام؛ كي يعيش الجميع في رفاهية وطمأنينة إلى عام جديد.

المراجع:

  1. الزبيدي، محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، تاج العروس من جواهر، مجلد 15 في 571 صفحة.

аз-Зубайдӣ, Муҳаммад ибн Муҳаммад ибн Абдур-разоқ ал-Ҳусайнӣ, Тоҷ-ул-аруси мин ҷавоҳири-л-қомуси, дор-ул-ҳидояти, дар 40 ҷилд, ҷилди 15-ум дар 571 саҳ.

2. البحتري، ديون البحتري. 4/2090-2091.

ал-Буҳтурӣ, девони ал-Буҳтурӣ, таҳқиқи Ҳасан Комил ас-Сайрафӣ, дор ул-маорифи мисрӣ, соли 1964, аз ганҷинаҳои араб рақами 34, дар 5 ҷилд, ҷилди 4-ум саҳ: 2090-2091.

3. الدكتور زبيد الله زبيدوف، النيروز عيد الربيع ليس له ربط بأية عقيدة دينية  (http://www.tajemb-kwt.org)

Зубайдуф, доктор Зубайдуллоҳ Зубайдуф, Наврӯз иди баҳор аст ба кадом ақидаи динӣ ё идеологияи муайяне рабт надорад, мақола дар 23-уми марти соли 2015. 

4. الدكتور تاج الدين مرداني، ترجمة مقالة: النيروز في الأدب العربي، رحمن خليفة بشار. مجلة “سوخنشناسي” أكاديمية العلوم في جمهورية تاجيكستان. العدد 1، سنة 2012. في 180 صفحة.

Мардонӣ, Тоҷиддин, тарҷумаи мақолаи « Наврӯз дар фарҳанги араб», Раҳмон Халифа Башшор, маҷаллаи илмии «Суханшиносӣ» Академияи илмҳои Ҷумҳурии Тоҷикистон, адади 1-уми соли 2012, дар 180 саҳ.

5. الدكتور تاج الدين مرداني، ترجمة مقالة: النيروز شجرة فارسية في التربية العربية. مريم النعيمي. جامعة قطر. مجلة “سوخنشناسي” أكاديمية العلوم في جمهورية تاجيكستان. العدد 1، سنة 2014. في 178 صفحة.

Мардонӣ, Тоҷиддин, тарҷумаи мақолаи « Наврўз: дарахти форсӣ дар турбати арабӣ», Марям ан-Нуаймӣ, Донишгоҳи Қатар, маҷаллаи илмии «Суханшиносӣ» Академияи илмҳои Ҷумҳурии Тоҷикистон, адади 1-уми соли 2014, дар 178 саҳ

6. ما هو عيد النيروز وأصل تسمية عيد النيروز بهذا الاسم. موقع مقالات نيوز. تاريخ الاقتباس 20.03.2024. (0https://ar.mqalat.nl/42300/)

………………………………………………………….

معلومات عن المؤلف: ضيايف صبح الدين نصرييفيتش، الدكتوراه في الدراسات العربية، ومدير قسم الشرق الأوسط والأدنى في معهد آسيا وأوروبا لدى الأكاديمية الوطنية للعلوم في تاجيكستان، دوشانبي، شارع روداكي-33؛ هاتف: +992 92-704-09-08 ؛ البريد الإلكتروني: rakesh-23@mail.ru


Information about the author
: Doctor of Arabic Philology. Ziyoev Subhiddin Nasrievich– Head of Department for Middle East and Near Оrient, The Institute of Asia and Europe of the National Academy of Sciences of the Republic of Tajikistan; tel: +992 927-04-09-08; E-mail: rakesh-23@mail.ru

معلومات عن المؤلف: آدينيوف عبد الحليم سياهمرداويتش، الدكتوراه في الدراسات اللغوية، الباحث العلمي في معهد آسيا وأوروبا لدى الأكاديمية الوطنية للعلوم في تاجيكستان، دوشانبي، شارع روداكي – 33؛ الهاتف: 00992-917-44-53-70؛ البريد الإلكتروني: odinaev45@gmail.com

Information about the author: Doctor of Arabic Studies. Odinaev Abdukhalim Siyahmardovich – Leading Research Fellow, The Institute of study of problems in Asia and Europe of the National Academy of Sciences of Tajikistan. Address: 734025, Tajikistan, Dushanbe sity, Rudaki prospect №33, tel: +992 917-44-53-70; E-mail: odinaev45@gmail.com.

المرض النفسي بين الاختزال والابتذال

أحد أشهر الأجوبة عن سؤال (ما هو المرض النفسي؟) أنه مرض بيولوچي، فالاكتئاب مثلاً كالسكر، وتشبيه الاكتئاب بالسكر تشبيه يكثر تداوله في الأوساط العلمية والشعبية على حد سواء، ولعلّ في اختيار مرض السكر بشكل خاص إشارةً إلى أن المصاب بمرض السكر معرضٌ للإصابة بالاكتئاب بسبب الضغط النفسي الذي يُشكِّله مرض السكر فيؤدي إلى ظهور أعراض الاكتئاب، ويمكن أن يتسبب مرض السكر أيضًا في حدوث مضاعفات ومشكلات صحية جديدة تُفاقم أعراض الاكتئاب، والعكس صحيح.. فإن المصاب بالاكتئاب معرضٌ للإصابة بمرض السكر بسبب اتخاذ قرارات ضارّة متعلقة بأسلوب الحياة (ومنها الأكل غير الصحي والتدخين وقلة الحركة)، ومن المبشِّرات في هذا الأمر أن السيطرة على أحدهما تساعد في السيطرة على الآخر بشكل فعّال وملحوظ من خلال برامج السيطرة على مرض السكر والأدوية والعلاج النفسي.

لكن الاقتصار على تعريف أن المرض النفسي هو مرض بيولوچي فقط فيه اختزال (رغم أن التأكيد على كونه مرضًا بيولوچيًا فقط أمر مفهوم ونابع من نية طيبة لأسباب سيرد ذكرها).

أمَّا إشكالية التعريف في الاقتصار على السبب البيولوچي فتخيل أن رجلاً كانت حياته مستقرة هادئة ثم فُصِل من عمله فأٌصيب باكتئاب أو قلق، أو امرأة رأتْ خيانة زوجها بعينيها، أو مظلوم تعرض للاضطهاد والسجن، أو فتاة تحرّش بها أحد أعمامها.. وغيرهم، ثم تأتي لهؤلاء قائلاً إن علاج ألمكم هو علاج بيولوچي فقط! وأن مشكلتكم في الأساس هي مشكلة بيولوچية وعلاجها الأوحد هو علاج بيولوچي، وبالتالي -في العلاج- تغفل الجلسات النفسية والعلاج الجدلي السلوكي والعلاج المعرفي السلوكي والعلاج النفسي الداعم وغير ذلك.

وأمَّا أن هذا التعريف نابع من نية طيبة فربما كان بسبب انتشار الأفكار المهيمنة على المجتمع بادعاء أن المرض النفسي سببه الابتعاد عن الله، وأنه في الأساس نابع من مشكلة روحية و(لو صليت كتير هتبقى كويس) وهذا بالطبع غير صحيح بل إن هذا الكلام مما يزيد المريض مرضًا والأمرَ سوءًا، ويُسهم في زيادة الوصمة التي يشعر بها المريض، ويضاعف من إحساسه بالاغتراب وتعزيز الخوف والذنب والخزي بداخله في معظم الأحيان.

سمعنا ورأينا ألف إنسان وإنسان يعاني من الاكتئاب فيلجأ في الغالب إلى أحد أصدقائه ليخبره بما يشعر ويفكر، فينصحه صديقه بالقرب من الله وأن مشكلته مشكلة روحية! فيذهب المتألم للصلاة والصيام ليجدَ أن مشكلته لم تُحَل وأنه ما زال يعاني، فيلجأ إلى أهله فينصحوه بما نصحه به صديقه، ويستمر على تلك الحال مع الأقارب والجيران وشيخ المسجد وخادم الكنيسة حتى يجد نفسه وحيدًا يشعر بالغربة، لا يفهمه أحد ولا يشعر به غير نفسه التي يريد الخلاصَ منها في أقرب ساعة؛ لأنه لم يَعُدْ يطيقُ الألمَ الجاثمَ على صدره والذي ازداد مؤخرًا باكتشافه أنه غير مقبول من الله وأن صلاته وصيامه وأعماله الصالحة لعلاج مشكلته الروحية تلك قد ذهبت هباءً.. فماذا يصنع؟! يمر الوقت والألم النفسي يزيد ولا يشعر بشيء من طعم الحياة، لا أكل ولا نوم ولا أمل! فانظر إلى آثار قسوة الناس وأحكامهم على بعضهم.

لا يمكن هنا للطبيب أن يسير مع هؤلاء على نفس الدرب بل يجد نفسه مضطرًا لاتخاذ سبيل آخر، ربما يراه أحيانًا هو السبيل الوحيد وربما لا يراه، إذ لا يمكن أن يكرر نفس الكلام الذي سمعه المريض من قبل وضاعف ألمه، بل يخبره أن مرضه كسائر الأمراض = يحتاج إلى علاج دوائي.

ومن الأسباب التي يلجأ إليها بعض الأطباء في قَصْر المرض النفسي وحَصْره على السبب البيولوچي هو محاربة الوصمة، الوصمة التي يوصم بها كل شاكٍ تقريبًا من ألم نفسي لمدة طويلة ولغة مكثفة من التشاؤم والحزن – رغم صدقها عن التعبير عما في نفسه – إلا أنها تكون سببًا في وصمه بضعف الشخصية أو قلة التدين، تلك الوصمة تؤذي وتقتل وتحرم المريض من أهم عوامل الصمود ألا وهو الدعم المجتمعي، فيلجأ الطبيب إلى منحىً مختلفٍ تمامًا لرفع الوصمة ودحض الابتذال في أن سبب المرض ليس ضعفًا في شخصية المريض أو نقصًا في تدينه وعلاقته بربه.

وفي معظم الأحيان عند طرح العلاقة بين المرض النفسي والتدين فإن الحديث يكون فقط عن القلق والاكتئاب حيث يعز على المتدينين – القائلين بهذا الرأي – أن يعتبروا للقلق والاكتئاب أسبابًا أخرى غير ضعف التدين، في حين أنه لا يعزُّ عليهم أن يعتبروا الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب أو الذهان أمراضًا غير مرتبطة بالتدين، وهذا مفهوم باعتبار أن الطمأنينة والسكينة لها امتداد واسع وتأثير واضح بالعلاقة الروحية والتدين، هذا وإن كان فيه قدرٌ من الصحة والوجاهة إلا أن تناوله على سبيل الحصر والقصر خطأ محض، وقد جاءت معظم الدراسات التي أٌجريت على علاقة المرض النفسي – خاصةً الاكتئاب – بالتدين، إيجابيةً في علاج الاكتئاب من ناحية أن المتدين أقل اكتئابًا وأسرع تعافيًا وأقدر على التعامل مع نوباته (ومن أهم تلك الدراسات دراسة رفائيل بونيللي وزملائه) لكن يبقى السؤال: هل العلاقة الروحية وممارسة الشعائر هي العامل الأوحد المسيطر على صحة الإنسان النفسية ومرضه أم أنها عامل من العوامل يقل أثرها حينًا ويكثر أحيانًا؟ هذا هو السؤال.

أحد التفسيرات القديمة نسبيًا للمرض النفسي هو (التفسير الاجتماعي) باعتبار أن منظومة الطب النفسي أُنشئتْ لاحتواء غير المنسجمين داخل البنية الاجتماعية بتنوعاتها، وأنها ناتجة عن الشعور بالظلم الاجتماعي والتمييز العنصري أو الطائفي، وكان استبعادهم الفيزيائي – بالسجن وتقييد الحركة – هو الحل المطروح لضبط المنظومة الاجتماعية بحيث يسهل السيطرة عليهم بحصرهم في مكان معلوم، وقد شهدت ألمانيا تطبيقًا واسعًا لهذا المفهوم خاصةً مع المختلفين عرقيًا.

لذلك أقول: إن تعريف المرض النفسي -مع اختلاف وجهة النظر إليه- يمكن أن نعتبره (المشكلة التي ليس لها سبب طبي واضح تعوق حياة الفرد أو حياة المحيطين به، ويتعامل معه الطبيب النفسي والمعالج النفسي)، وإن أسباب المرض النفسي تتعدد كما تتعدد أساليب العلاج، وليس من الصواب أن نختزل لطالب العلاجِ أسباب مرضه أو أساليب علاجه في عامل واحد دون غيره، وأسوأ من ذلك أن نتغاضى عن (كليشيهات) الاتهام بقلة الدين أو ضعف الشخصية.

ومما ثبت مؤخرًا أنه عند التصوير الطبقي للدماغ باستخدام (PET Scan) فإن التغيرات التي تحدث بسبب الاكتئاب نراها قد تتغير بسبب بيولوچي عند استخدام الأدوية، وبسبب اجتماعي عند تحسن الأوضاع المعيشية وتحقيق العدالة، وبسبب الجلسات النفسية المعتمدة على الكلام ومناقشة تعديل السلوك والأفكار وتنظيم المشاعر، وبسبب العلاقات الصحية والروحية وتوافر دوائر الدعم، فلماذا انحصر السبب والعلاج في البيولوچيا أو الوراثة أو النظام الاجتماعي أو المشكلات الروحية؟!

لذلك كله نتساءل: إذا كانت الظروف المتعلقة بالاستقرار المادي والعاطفي والروحي والاجتماعي والعيش بعيدًا عن وطأة الظلم والاحتلال والاستبداد.. إذا كانت هذه الظروف لا بدّ وأن تتحد (أو على الأقل يوجد الحد الأدنى منها) لكي يكون الشعور العام والخاص جيدًا بمعنى أن يكون التفكير في أسباب الصحة النفسية تفكيراً مركباً، فلماذا لا يكون التفكير في أسباب المرض مركبًا أيضًا؟ ولماذا لا يكون التفكير في العلاج بنفس الطريقة؟ لماذا يصر بعض الناس على أحادية النظرة ووحدانية السبب والاعتماد على عامل واحد في تفسير المرض النفسي وحلوله بدلاً من إدماج العوامل البيولوجية والوراثية والروحية والاجتماعية وغيرها في السبب والعلاج معًا؟!

العزلة الافتراضية 

لقد أوقعتنا التكنولوجيا في فخ كبير ألا وهو ما يسمي بالواقع الافتراضي، أو مواقع التواصل الاجتماعي وهو على عكس ذلك فهو لص كبير يسرق منا جميع الأوقات السعيدة واللحظات المبهجة ويوقظنا على عزلة مميتة فهو كالمخدر في بأدي الأمر يُعطيك الشعور بالسعادة ثم يبدأ تدريجياً بسلب كل شئ. أصبحنا في عالم غريب ومريب لا نتواصل مع بعضنا البعض إلا من خلاله حتى أصبحنا لا نطمئن على بعضنا البعض ما دامنا نرى الشخص أمامه علامة أون لاين أذاً هو بخير حتى أفراد الأسرة الواحدة أصبحُوا  لا يتحدثون بعضهم لبعض ويفضلون المكوث أمام مواقع التواصل الاجتماعي يأخذني العجب حينما أرى أفراد الأسرة الواحدة الجالسون في نفس ذات المنزل لا يتواصلون مع بعضهم إلا من خلال واتساب. أين ذهبت الزيارات العائلية وأين اختفت المناقشات والحوارات الأسرية؟ أصبحنا نستثمر أوقاتنا في وهم اللاشيئ مع من تتحدثون وإلى من تستمعون وبمن تتفاخرون أنه لص كبير يسرق منا أمتع اللحظات تتبع ذاتك حينما تكون في نزهة مع الأصدقاء والأهل تحترص على التقاط الصور بكثرة وبأكثر من وضع أكثر من حرصك على قضاء الوقت بسعادة معهم وجل هذا من أجل إرسالها للسوشيال ميديا في حين إذا التقطت صورة أو اثنين من أجل الذكرى واستمتعت بوقتك مع من تتنزه معهم فهذا هو الاستثمار الحقيقي حينما تستثمر وقتك مع الأهل والأصدقاء المخلصين يكون أفضل من هذه العزلة. بماذا عادت لك هذه الشاشة التي تراقبها طوال الوقت؟ هل أضافت لك عملا صالحا ينفعك بعد مماتك هل أضافت لك أشخاصا حقيقيين يدعون لك ولا ينسوك بعد مماتك لا ؟؟ لماذا أصبح الإنسان إلى هذا الحد الرخيص لا يقيم ذاته إلا بعدد الإعجاب والتعليق وعدد المتابعين وأصدقاء الوهم مع أنه أثمن شيء خلقه الله، أنه وهم يسرق منا أمتع اللحظات ويحرمنا ذوينا ونندم عند وفاتهم ونكتشف بأن لا ذكرى لنا معهم ويبتلى الأطفال بمرض التوحد من كثرة استخدام  الهواتف وهناك من تسوء أخلاقهم من خلال قناع يُدعى تواصل اجتماعي مستتر خلفه عزلة افتراضية غير محدودة، أحسنوا استخدامه وأفيقوا من غفلتكم فهو ما إلا وهم وعزلة افتراضية ونحن قدوة لأبنائنا إذا تخلينا عن هواتفنا تخلت أبنائنا عنها .

القيم الإنسانية في دين الفطرة

توطئة:

يمكن القول بالجزم واليقين إنّ الإسلام هو الدين الحنيف، وهو أيضاً دين الفطرة للناس جميعاً، والدين القيم للإنسان كلهم، كما ورد في القرآن الكريم: “…فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم”[i]. وإنه مصدر من مصادر القيم الإنسانية، وتصور معين للحياة تنبثق منه القيم الإنسانية العظمي التي تستغرق البشر كلهم، وتستوعب كل شؤون حياته. وإنه رصيد قوي يهب أصحابه بصيرةً نافذةً، ويعطهم مبادئ القيم البشرية كالطهارة والنبل والشجاعة ٍوإلى ذلك، ويعصمهم من التهافت والتردي والسقوط وإلى ذلك.

ومن المهم أنه دين آدم ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، كما جاء في القرآن: “آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله…”[ii]. فهو في الحقيقة دين كل رسل الله الذين أتوا في العالم، لابل أنه دين كل مولد يولد، كما جاء في الحديث: “ما من مولد إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء”.[iii]

 ويقول بعض العلماء أنه بمثابة البوتقة، تصهر فيها الشخصية الإنسانية، كما تصهر المعادن الثمينة، فينفي خبثها، وتنضج خصائصها، وتصقل مواهبها، فتصبح خلقاً أخراً ذا جاذبية ونضارة. فلم يكن يري في دين الفطرة سوي خير للإنسان والإنسانية، وتاريخه البشري حافل بالقيم الإيجابية الصالحة، فيوجب على كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي نشر قيم الخير والسلام بين أفراد المجتمع الإنساني، ليرتقي المجتمع بأفراده.

 كثيرا ما نسمع ونقرأ عن التعصب الطائفي والمذهبي والديني الذي ساد في العالم، خاصة في الهند، تنتهك به كل الحرمات، وتذبح كل القيم، وتستباح الشخصية الإنسانية استباحة كبري، فيعتدي على كرامتها، وتداس خصائصها، ولكن الإسلام حيث يحث المجتمع الإنساني على التخلق بالقيم الإيجابية الصالحة يصلح بها المجتمع، ويحرضه علي ترك كل القيم الجاهلية العصبية، والغربية الخبيثة، وعلى التنزه عنها.

ومن البديهي أن القيم الإنسانية توجد في كل الشرائع والأديان والمباحث الفلسفية، بأنها قواعد راسخة توفر الحد الأدنى الكافي لحياة تحت غطاء الأمن والسلام، وذلك منذ فجر التاريخ البشري، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها، وبأنها يحتاجها الإنسان جميعاً للحفاظ علي حق الحياة والحرية والأمن لكل فرد من أفراد المجتمع، وهي فرض عين على الجميع فرداً فرداً.

وأيضاً هذا من الثابت أن الإنسان هو أشرف المخلوقات بأنه صاحب العقل والقيم الإنسانية، فيلتفت إليها دين الفطرة بتعليمه عن القيم الإنسانية مثلاً: العدل والمساواة والحرية والصدق وإلى ذلك. فاخترنا لنا بحثاً عنوانه “القيم الإنسانية في دين الفطرة”، وقبل أن نخوض في صلب الموضوع، لابد أولاً أن نعرف ما المراد بكلمة “القيم”؟ هي جمع لكلمة القيمة التي تعني بها صفات، أو مثل، أو قواعد تقام عليها الحياة الإنسانية، فتكوّن بها حياة إنسانية، وتعاير بها النظم والأفعال، لتعرف قيمتها الإنسانية من خلال ما تتمثله منها.

تعريف القيمة:

القيمة لغةً: “واحد القيم، وأصله الواو لأنه يقوم مقام الشيء. والقيمة: ثمن الشيء بالتقويم”.[iv]

عرف كثير من علماء الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس القيم. ومن تلك التعريفات:

1 .  القيم بأنها “موجهات السلوك وضوابطه. وهي حراس الأنظمة، حامية البناء الاجتماعي.[v]

2 . بأنها عبارة عن نظام معقد يتضمن أحكاماً تقويمية، إيجابية أو سلبية تبدأ من القبول إلى الرفض، ذات طابع فكري، ومزاجي، نحو الأشياء وموضوعات الحياة المختلفة، بل نحو الأشخاص، وتعكس القيم أهدافنا واهتمامنا وحاجاتنا والنظام الاجتماعي والثقافي التي تنشأ فيها بما تتضمنه من نواحي دينية واقتصادية وعلمية.[vi]

3 . القيم هي المبادئ والمقاييس التي نعتبرها هامةً لنا ولغيرنا، ونطالب بتحقيقها كالصدق والأمانة والعفة، والمفردات الأخلاقية الأخرى.[vii]

ويمكن القول بالاطمئنان في تعريف القيم بأنها قوالب للتفكير والعمل الإنساني، تساعد الإنسان على الحكم علي الأشياء، وعلى المرغوب وغير المرغوب من السلوك. وتأتي قيمنا ومعاييرنا من خبراتنا وتجاربنا، متأثرةً بانتمائنا للمجتمع الذي نعيش فيه، ومتأثرةً بالثقافة التي تسود حياتنا. ونحن نستمدها من الأبوين، والأقارب، والأصدقاء، والمعلمين، والمربين، ووسائل الإعلام، والتوجه.

أما من ناحية دين الفطرة، فيمكن أن نعرف القيم الإنسانية الإسلامية بأنها هي “الأحكام التي يصدرها المرء على أي شيء مهتدياً في ذلك بقواعد ومبادئ مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ومصادر التشريع الإسلامي الأخرى، وتكون موجهة إلى الناس عامة ليتخذوها معايير الحكم على كل قول وفعل، ولها في نفس الوقت قوة وتأثير عليهم”.[viii]

القيم الإنسانية في دين الفطرة:

لا يصح أن ينسي أحد في هذا المقام أن الإسلام أنقذ الإنسان والإنسانية من الاضطهاد، والاستبداد، والهوان، ونهي عن الفرق بين الحاكم والمحكوم، وبين الغني والفقير، وعن الظلم على النساء والبنات والغلمة، وأنه حضّ الإنسان على احترام نفس الإنسان، سواء كان من أيّ قبيلة من العالم، ومن أيّ لون من الألوان. وأقام المساواة بينهم، وكسر أصنام كبرياء الرئاسة والشيخوخة، وأزال الفوارق الطبقية، ومحي مراسم الجاهلية الخبيثة كلها، وأعطاهم الحقوق والحرية والاحترام جميعاً.

لا يمكن الرفض لأحد، ولو كان عدو الإسلام، إلاّ أن يقرّ بأن الإسلام قد جاء بها، وحثّ كل من أعتنق بالإسلام على الأخذ منها، وعلى الممارسة عليها حتى يصبح إنساناً كاملاً يحبه الله ورسوله وسائر الناس المنصفين الذين يعيش فيهم. فيقوم بأداء الحقوق لسائر الناس، سواءً كان يعرفهم أم لم يعرفهم، سواءً كانوا من أمته المسلمة أم من أمة غير المسلمة.

وفي الواقع أن الإسلام يدعو الإنسان إلي العدل بكل معانيه، والعدل مع كل أحد، ويدعوه إلى الرحمة حتى مع الحيوان، والحلم، والصدق، واحترام النفس البشرية، والأمانة، والشجاعة، والتواضع، والوفاء، والأمن، وحسن الحديث، كما يدعوه أيضاً إلي حسن إدارة الوقت، وتحمل المسئولية، وكسب الحلال الطيب، والاجتناب من الحرام، والفواحش، والمنكرات.

ولا شك في أنه يدعوه إلى إقامة مجتمع مبني على احترام النفس البشرية، وحسن الخلق، يسوده الحب والود. فما أحوج البشرية اليوم على اختلاف أديانهم وأجناسهم، ليعيشوا هذه القيم البشرية، والحقوق في عالم الواقع ليسعدوا. فلدينا هنا قيم إنسانية، نبينّها واحدةً واحدةً، منها:

1 . احترام النفس الإنسانية:

إنّ الله جعل الإنسان من أشرف مخلوقاته، وكرّمه وفضّله على سائرها، فقال تعالي: “ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً”[ix]. ومن دلائل احترام الإسلام للنفس الإنسانية، ها هو نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، له عمل يدلّ على احترام النفس الإنسانية، قد مرت به جنازة، وكان قاعداً، فوقف، فقالوا: يا رسول الله إنه يهودي، فقال: “أليست نفساً”.[x]

يشير هذا العمل إلى تكريم النبي صلي الله عليه وسلم للنفس الإنسانية، مهما كان دينها وانتماؤها وتصرفاتها في الدنيا. وقد نهي النبي صلي الله عليه وسلم عن سب الأموات، وعن امتهان جثة الميت أو العبث بها. فقال: “كسر عظم الميت ككسره حياً”[xi]. ونهي النبي أيضاً عن تعذيب الناس فقال: “إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا”[xii]. وقال: “صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها”.[xiii]

2. الرحمة:

إن قيمة الرحمة من أهم القيم الإنسانية، لها آثار عظيمة من العفو والجود والتعاون مع الآخرين، ومدّ يد العون، وإغاثة الملهوف وغير ذلك. وهي من أخص صفات النبي صلي الله عليه وسلم، والله جعله رحمةً للكائنات وما فيها، وأرسله رحمةً للعالمين، فقال تعالي: “وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين”[xiv]. فهي تضم جميع شعوب الأرض، وتتسع أفق البشر، وتزيد تراحمهم.

وقال تعالي في شأن حبيبه، ذاكراً أوصافه الجميلة: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم”[xv]. وقال النبي صلي الله عليه وسلم: “إني لم أبعث لعاناً، إنما بعثت رحمةً”[xvi]. وقال: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”[xvii]. وقال: “من لا يرحم لا يرحم”[xviii]. وقد سادت رحمة النبي صلي الله عليه وسلم كل شيء حتى الحيوان، فقد قال رجلٌ له: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: “والشاة إن رحمتها رحمك الله”.[xix]

3 . التواضع:

لا نبالغ في أن الإسلام قد حضّ الإنسان على التحلي بقيمة التواضع، وبينّ أن الأنسان كلما تواضع كلما زادت منزلته عند الله ورسوله، وعند الناس كلهم، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: “وما تواضع أحد لله إلاّ رفعه الله عزّ وجلّ”[xx]. وقال: “إن الله أوحي إليّ أن تواضعوا حتي لايفخر أحد علي أحد، ولايبغي أحد علي أحد”[xxi]. وكان يقوم أمور بيته كخصف نعله، ورقع ثوبه، وحلب شاته لأهله، وعلف البعير، وهو يأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي في حوائج الأرامل واليتامي، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلي أيسر شئ.

كان النبي صلي الله عليه وسلم يحب التواضع، وهو من أهم صفاته، انه كان لايمر علي الصبيان إلاّ يسلم عليهم، وكان الداخل إلي المسجد النبوي لايعرفه من بين أصحابه وذلك لعدم تميزّه عنهم فى شئ من اللباس، أو الوسائد، أو الأماكن، أو غير ذلك. ورجل أتي النبي صلي الله عليه وسلم، فأصابته من هيبته رعدة، فقال له: “هون عليك نفسك فإني لست بملك، إنما أنا أبن إمرأة كانت تأكل القديد”[xxii]. وخرج علي أصحابه ذات يوم فقاموا له إجلالاً وأحتراماً، فقال: “لاتقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضاً”.[xxiii]

فى الحقيقة أن النبي صلي الله عليه وسلم ليس بملك، بل هو بشر كامل، وليس بشراً كبشر، بل هو أفضل الخلق والبشر، وهو كائن نوراني مع بشريته، خلق الجميع ما فى العالم بسببه، ومن نوره. وكان يعظّم أصحابه أشدّ التعظيم، حتي شربوا من وضوئه ودمه تبريكاً وتعظيماً وإجلالاً. وكل ما ذكرنا فى أعلي يشير إلي أن النبي صلي الله عليه وسلم متواضع جداً، مع أنه حبيب الله، وسيد الأنبياء والرسل وسائر الخلق، ومع أن أوصافه لاتعد ولاتحصي، فيجب للجميع أن يحب التواضع، ويتخلق به لتكامل الشخصية البشرية.

4 . الأمن:

يعترف الجميع بقيمة الأمن فى حياة البشر، فبدونه تتعطل مصالح الناس، وتسود الفوضي، ويكثر التعذيب والإضطهاد، وتعمّ جرائم القتل والسلب والنهب، وتملؤ قلوب الناس بخوف المجرمين ورعبهم. فقال النبي عليه أفضل الصلاة والتسليمات مبيناً قيمة الأمن، وجاعله من أعظم النعم التي يتمتع بها الإنسان فى الدينا: “من أصبح منكم آمناً فى سربه، معافيً فى جسده، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدينا”.[xxiv]

عندما يفتش الباحث عن قيمة الأمن فى الإسلام، يجد أمثلته بالكثرة مثلاً: أمر النبي صلي الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة من مكة إلي الحبشة، لماّ افتقدوا الأمن فى بلدهم، حماية أفراد المسلمين من التعذيب والإضطهاد، ثم هاجر بنفس السبب، وللبحث عن مكان جديد حافل بالأمن، يدعو فيه الناس إلي الخير والأمن والسلام، وبما أنزله الله عليه من القيم الإنسانية والعبادات.

وقد حذر النبي صلي الله عليه وسلم من كل ما يزعزع الأمن، ويقوض أركانه، وحرّم جرائم القتل والسرقة وإنتهاك الأعراض وغيرها، يفتقد بها الأمن، فقال: “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا، فى شهركم هذا”.[xxv]

5 . العدل:

ذلك العدل توجد فيه سعادة البشر جميعاً، فكان النبي صلي الله عليه وسلم يحبه، وألزمه علي سائر المسلمين، وله مجالات كثيرة لاتحصر، منها: العدل فى الولاية، و فى القضاء، وفى تطبيق الحدود، والعدل فى المعاملات بين الناس، وفى الإصلاح بين الناس، والعدل مع الأعداء، والأصدقاء، والعدل مع الأولاد، وبين الزوجات، وغير ذلك. فكان النبي صلي الله عليه وسلم أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ولايقبل الشفاعة فى حدّ من حدود الله.

وقال يذكر سبب هلاكة الذين من قبل الأمة المسلمة، وهو عدم وجوب العدل مع الجميع، ويحث على نفاذه فى كل الأحوال، ومع الجميع بذكر قطعة كبده وسيدتنا السيدة فاطمة سيدة نساء أهل الجنة للتحذير والإنذار، فقال: “إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”[xxvi]. وقال مبشراً: “…عن المقسطين عند الله علي منابر من نور، الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولّوا”[xxvii]. وقال منذراً: “إن الله لايقدّس أمة لايأخذ الضعيف حقه من القوي، وهو غير متعتع”.[xxviii]

وكذلك يأكد الله علي أخذ العدل، والإعراض عن الجور، ويأمر بالعدل في القول والحكم، فقوله تعالي: “وإذا قلتم فأعدلوا ولوكان ذا قربي”[xxix]. وقال: “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”[xxx]، بل يأمر بالعدل حتي مع العدو الهدّام، ويحذر من أن تكون العداوة سبباً فى ظلم الآخرين، والتعدي علي حقوقهم، فقال تعالي: “ياأيها الذين أمنوا قومين لله شهداء بالقسط، ولايجرمنكم شنان قوم علي ألّا تعدلوا، اعدلوا، هو أقرب للتقوي، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون”.[xxxi]

6 . الشجاعة:

 كثيراً ما نذمّ شخصاّ ما فنحن نقول: إنه متلون، لارائ له، لامبدأ له، لاهوية له، ولم يكن النبي صلي الله عليه وسلم كذلك لامع أصحابه، ولامع أعدائه، وكان أشراف قومه يودّونه أن يتنازل عن بعض مبادئه، فلم يظفروا بذلك، بل قال كلمته الشهيرة: “يا عم والله لو وضعوا الشمس فى يمني والقمر فى يساري علي أن أترك هذا الأمر-أي الدعوة إلي الإسلام- ما تركته حتي يظهره الله أو أهلك دونه”[xxxii]. وردت الإشارة عن هذا فى القرآن: “ودّوا لو تدهن فيدهنون”.[xxxiii]

وجدير بالذكر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: “تجدون الناس معادن، خيارهم فى الجاهلية، خيارهم فى الإسلام، إذا فقهوا. وتجدون خيار الناس فى هذا الشأن أشدهم له كراهة، وتجدون شرّ الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه”[xxxiv]. وعن محمد بن زيد أن أناساً قالوا لجدّه عبد الله بن عمر: إنا ندخل علي سلطاننا فنقول بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم؟ فقال: كنا نعد هذا نفاقاً علي عهد رسول الله[xxxv]. وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: “إذا رأيتم أمتى تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم، فقد تودّع منهم”.[xxxvi]

7 . الحلم:

قدبلغ النبي صلي الله عليه وسلم الذروة فى مجال الحلم، وكظم الغيظ، وشدة الإحتمال، قال أنس بن مالك: كنت أمشي مع رسول الله صلي الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذةً شديدةً، حتي نظرت إلي صفحة عاتق النبي صلي الله عليه وسلم، قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وضحك، ثم أمر له بعطاء.[xxxvii]

هكذا أظهر النبي صلي الله عليه وسلم حلمه، وكظم غيظه بعد هذا التصرف السيّئ من هذا الأعرابي الجافي، ولم يعاتبه وإنما تبسم فى وجهه وأعطاه ما يريد. وكان نائماً فى ظل شجرة، فجاء أعرابي، وقال بعد أخذ السيف: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: “الله”. فاضطرب الأعرابي، ووقع السيف من يده، فأخذ النبي صلي الله عليه وسلم السيف، وعفا عنه، وأجلسه بجواره.[xxxviii]

8 . الأمانة:

تعد قيمة الأمانة من أهم القيم الإنسانية، وهي أحتلت مكانةً مرموقةً فى الإسلام، فقال تعالي: “إنا عرضنا الأمانة علي السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان”[xxxix]. وكان النبي صلي الله عليه وسلم يعرف فى قومه بالأمين، وقد تزوجت خديجة، وهي المرأة الشريفة الثرية، لأمانته وكريم أخلاقه، حيث كان يشرف علي تجارتها بالشام.

كان أهل قريش يضعون أموالهم عنده أمانةً، حينما هاجر النبي إلي المدينة، ترك علياً بمكة لردّ الأمانات إلى أهلها، مع أنهم آذوه وعادوه وكذّبوه وصادروا أموال أصحابه، إلاّ أنه لم يأخذ أموالهم عوضاً عن ذلك، بل ردها إليهم لأنها أمانة، وهو خير من يحفظ الأمانة. وعدّ النبي صلي الله عليه وسلم تضيع الأمانة من صفات أهل النفاق، فقال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان”.[xl]

قد تحدثنا عن بعض هذه القيم الإنسانية بالإجمال. فالإسلام يعلّم الإنسان أن يتمسك بها في كل أحوال حياته وحوائجه، وأن يكون أميناً، ولو قادت أمانته إلى تعقد الأمور، ثم أن يقول الحق، ولو على نفسه، أو على أقرب الناس إليه، وأن يبدي عطفاً على مستحقه. وكذلك أوجب علينا الإسلام أن نصبر في أشد أيام المحن، وأن نحسن إلى من أساء إلينا.

الخاتمة:

نحن نقول أخيراً أن القيم الإنسانية تدعي في الإسلام بالأخلاق، وإنها تعدّ من القيم الخلقية، وكان نطاقها متسعاً اتساع الإنسانية نفسها. فإنها تتعلق بواجبات الإنسان نحو أخيه الإنسان، وهي قائمة على مثل سامية ضرورية بلا ريب لرقي الإنسان. هذه القيم تتناول جميع أطراف الجهود الإنسانية، وتتطلب الرقي في جميع قوي الإنسان. فمن يريد فلاحه وسعادته وسعادة بني نوعه جميعاً، فهو حري بأن يتأمل آيات القرآن، وأقوال الرسول صلي الله عليه وسلم، يدرك أنها ترمي إلى غرض واحد هو طهارة النفس البشرية، وكمالها الإنساني، ويؤكد هذا كل ما ذكرناه في هذا البحث. فاليوم أن الإنسان في أشد حاجة إلى الإسلام وتعاليمه ليرتقي المجتمع بأفراده، ويعم فيه الخير الاجتماعي بأنواعه، ويوجد في الإسلام الحث البالغ على تلك القيم الإنسانية المذكورة لفلاح العالم كله، ونجاح البشر كلهم. وكل الناس في العالم محتاجين إليه منذ البداية حتى اليوم لمعالجة الإصلاح. ومن البديهي أن الإسلام دين عالمي بمعنى أنه لم يأت لقوم أو للعرب فقط، بل جاء لهم ولغيرهم أيضا، ولا هو مذهب طائفة بعينها، ولكن فيه خصائص شاملة تجعله يصلح لكل قوم في كل عصر ومصر. والغاية من هذا السعي الحقير، هو التثبيت، والترسيخ في قلوب كل الناس، أن الإسلام هو دين الرحمة والأمن، ولا يوجد فيه التطرف، ولا الإرهاب، كما يدسون أعداء الإسلام ضده كتابةً ونطقاً، ويكذبون بأن الإسلام هو دين الإرهاب. والغاية الأخرى هو الإخبار عن الإسلام إنما هو الدين الحنيف المستقيم القيم المنقذ البشرية كلها من الهلاك والسقوط والتردي.

(الدكتور محمد إعجاز، استاذ مساعد فى كلية كونية بكيرالا، الهند)

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم
  • كتب الأحاديث
  • الشيخ عبد العزيز شاويش، الإسلام دين الفطرة، مصر
  • مولانا محمد علي، الإسلام دين الإنسانية، المكتبة الأهلية، بيروت، ط: 1946م
  • أحمد أمين، كتاب الأخلاق، مكتبة دار الكتب المصرية، القاهرة، ج: 3، ط: 1931م
  • سعيد علي وهب القحطاني، الخلق الحسن، مكتبة الملك الفهد الوطنية، الرياض، ط:2010م
  • يوسف القرضاوي، القيم الإنسانية في الإسلام
  • file:///C:/Users/NAB/Desktop/%D9%82%D9%8A%D9%85%20%D9%88%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%20%D8%B1%D8%B3%D9%88%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B5%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%20%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87%20%D9%88%D8%B3%D9%84%D9%85..html

[i]. سورة الروم، الآية: 30

[ii]. سورة البقرة، الآية: 285

[iii]. رواه مسلم، كتاب القدر، رقم: 6926

[iv]. ابن منظور، لسان العرب، ص:75

[v]. فاروق أحمد الدسوقي، مدي تأثير القيم الإسلامية على برامج الاطفال بدول الخليج، ص: 320

[vi]. محمود السيد أبو النيل، علم النفس الاجتماعي، ج: 1، ص: 229

[vii]. د. محمد التكريمي، آفاق بلا حدود، ص: 126

[viii]. مساعد بن عبد الله المحيا، القيم في المسلسلات التلفازية، ص: 80

[ix]. سورة، الإسراء، الآية: 70

[x]. رواه البخاري، رقم: 1229، ومسلم، رقم: 1596

[xi]. رواه أبو داود، رقم: 2792

[xii]. رواه مسلم، رقم: 4733، وأبو داود، 2648

[xiii]. رواه مسلم، رقم: 5098

[xiv]. سورة، الأنبياء، الآية: 107

[xv]. سورة، التوبة، الآية: 128

[xvi]. رواه مسلم، رقم: 4704

[xvii]. رواه أبو داود، رقم: 4290، والترمذي، رقم: 1874

[xviii]. رواه البخاري، رقم: 5538، ومسلم، رقم: 4282

[xix]. رواه احمد، رقم: 19470

[xx].  رواه مسلم، رقم: 4689

[xxi]. نفس المصدر، رقم: 5109

[xxii]. الحاكم، المستدرك، ج: 2، ص: 446

[xxiii]. رواه أبو داود، رقم: 2377

[xxiv]. رواه الترمذي، رقم: 2268

[xxv]. رواه البخاري، رقم: 1623

[xxvi]. نفس المصدر، كتاب الحدود، رقم: 6787

[xxvii]. رواه مسلم، رقم: 3406

[xxviii]. رواه ابن ماجه، رقم: 2417

[xxix]. سورة، الأنعام، الآية: 152

[xxx]. سورة النساء، الآية: 58

[xxxi]. سورة المائدة، الآية: 8

[xxxii].  ابن هشام، ج: 1، ص: 265

[xxxiii]. سورة، القلم، الآية: 9

[xxxiv]. رواه البخاري، رقم: 3234

[xxxv]. نفس المصدر، رقم: 6642

[xxxvi]. رواه أحمد في المسند، رقم: 6234

[xxxvii]. رواه البخاري، رقم: 5362

[xxxviii]. نفس المصدر، رقم: 2694

[xxxix]. القرآن، سورة، الأحزاب، الآية: 72

[xl]. رواه البخاري، رقم: 32