التلفزيون

شيخة الفجرية/مريم الزرعوني

إلى العزيزة الشاعرة والكاتبة مريم الزرعوني

 تحية وبعد

يسعدني أن أبعث إليك برسالتي للاطمئنان عليك أولًا، بسبب محاصرة فايروس كورونا الجاثم على عموم الكرة الأرضية، ثم أود أن تشاركيني الحديث عن التلفزيون موسوعة المعارف الناطقة، وأثره في حياتك.

وسأعود في رسالتي إلى الوراء، إلى أولى عشرينيات عمري، حين ذهبت لأول مرة   إلى التلفزيون، إذ تأملت جيداً في المبنيين الذين قابلاني، ما أن دلفت من بوابة مبنى الإذاعة والتلفزيون الكبيرة في مدينة الإعلام في مسقط، المُسَيَّجة بطاقم أمني ودود، استدعيتُ الصندوقين البلاستيكيين (الراديو والتلفزيون) فوراً في مخيلتي، فيما كانت خطواتي تقترب أكثر من هذين المبنيين، في أول زيارة لهما، كنتُ متأبطةً مجموعة من الأوراق، كان في هذه الأوراق نواة مسلسل تلفزيوني ([1])؛ بدأت بكتابته في الصف الثاني الثانوي.

ابتسمت في طريقي القصير ذلك، للخيال الطفولي الذي كنتُ عليه قبل ممارسة الكتابة، حيث لم يكن  التلفزيون إلا ذلك الصندوق البلاستيكي المستطيل الشكل، الملصق به شاشة زجاجية وجهاز يعمل على تشغيله وإغلاقه عن بُعد، والذي كنتُ أفكرُ كثيراً كيف أدخل إليه لمراقبة ما يحدث فيه من مسلسلات وبرامج ورسوم متحركة، أوهمني كلاً من “نيلز”([2]) و”السيدة ملعقة”([3]) أن ذلك ممكناً، إن وجدت ذات المادة التي عملت على تحويلهما إلى أقزام؛ إذ تشغلني فكرة “ماذا يفعل وأين يذهب “نيلز” و”الكابتن ماجد” و”سالي” و”كاتولي” إلخ بعد نهاية كل حلقة؟ كيف يقضون بقية يومهم إلى أن يعودوا إلينا من جديد؟!

كنتُ كبيرة لأتخيل أنني ذاهبة لأجدهم يمثلون المسلسلات أمامي، وغيرها من الخيالات التي تجاوزها عقلي قبل ذلك اليوم بوقت طويل، فقد ذهبت مقتنعة أنَّ التلفزيون، نافذة “الثقافة الرفيعة…، صلة بين حضارة مخصوصة وإنسانية كونية” كمايقول  تيري إيجلتون، ويمكن عدّه مجموعة من الأصدقاء، ومجموعة من الأعداء كذلك، ففي ظلِّ التدفق العظيم للبرامج المختلفة من القنوات الكثيرة جداً، تُبثُ عبر أثيرها وإرسالها مجموعة من الأيديولوجيات، التي تتزاحم وتتكالب علينا لتختطف عقولنا؛ في ظل برمجية مبتغاة ومشتهاة منّا بشدة.

ومن هذه البرمجيات تأتي البرامج الحوارية والمسرحيات والبرامج الأجنبية المترجمة، والأغاني، وبرامج المسابقات الغنائية، وبرامج المسابقات الثقافية، ونشرات الأخبار، والبرامج الاقتصادية، والبرامج الدينية والأسرية، كل هذه البرامج تكوّنُ مجموعة الأصدقاء التي رافقتني طوال سني عمري؛ منذ الطفولة مروراً بالمراهقة وإلى اليوم.

 فالتلفزيون هو من ألجأ إليه للترويح بعد المذاكرة، بفضله تكوّنت لدي معلومات أعتمد عليها في الإجابة عن الكثير من الأسئلة في مسابقات المدرسة، أو حتى في الدروس اليومية في الفصل، أتذكر معلمة مادة الدراسات الاجتماعية في الصف الرابع الابتدائي،” الأستاذة رئيفة”، التي هي في ذات الوقت أمينة مقصف المدرسة، كانت تأتي كل يوم بعد الفسحة وتناول الطعام، أي في الحصة الرابعة، تحمل في يديها أكياس النقود(مبلغ البيع اليومي في المقصف)، تقوم بعدِّ تلك النقود على طاولتها أمامنا، ولكي تضمن هدوئنا تسألنا أسئلة عشوائية لا علاقة لها بما ندرس، كنت أسابق زميلاتي في الظفر بالجائزة حين الإجابة، والجائزة في كل مرة مبلغاً وقدره (نصف ريال عُماني)، كان مبلغاً كبيراً بالنسبة لي، ولكنني أتذكر أنني ادخرتُ مبلغاً لابأس به من أسئلة “أبلا رئيفة”([4])، فقط لأنني كنتُ مرتبطة بمتابعة المسابقات الثقافية والبرامج منذ طفولتي، فيما لم أكن أقرأ الكتب؛ أو حتى مجلات الأطفال في هذه المرحلة إطلاقاً.

أما الارتباط بالبرامج الإخبارية، فقد كان ذلك في المرحلة الإعدادية، من أجل تأمين أخبار يومية للإذاعة المدرسية، سرعان ما تحولت مع الأيام تلك المتابعة إلى روتين يومي؛ في متابعة التطورات السياسية وتداعياتها.

في المرحلة الثانوية استهويتُ كثيراً متابعة البرامج التراثية والوثائقية التلفزيونية، حيثُ أكون أمام فرصة معرفية متعددة المصادر على اعتبار أن المتحدثين عن التراث العُماني متعددي الثقافات، فمنهم الأديب والشاعر والنوخذا والبحار والمغني والراقص، وأستطيع القول أنني كنتُ أدونُ ما أسمعه من كبار السن في البرامج التراثية، لأستفهم عنها فيما بعد في حال أردت إعادة استعمال تلك المعلومات؛ في مسلسلاتي وبرامجي الإذاعية والتلفزيونية.

أمَّا البرامج الوثائقية، فهي متنوعة، منها البرامج التي تتناول عالم الحيوان، والحشرات والطيور والبحار والجبال، وتلفزيون السلطنة غني بهذه البرامج المفيدة، سواء تلك التي تختص بالبيئة العمانية (الأفلام الوثائقية عن النمور في عُمان، والطيور والبحر، والجبال ووو إلخ) أو غير العمانية، ومن كل ذلك يمكن القول، أن التلفزيون منظومة ثقافية متنوعة ومتعددة يمكن انتقاء المفيد، الذي يغذي العقل قبل ملأ الفراغ لمجرد ملأ الفراغ فقط، ويأتي الجمال فيما ذكرت هو القالب الفني المؤثر الذي عرضت من خلاله البرامج المذكورة؛ لأنَّه كما يقول فراي:” العمل الفني العميق يجذبنا نحو نقطه نستطيع من خلالها رؤية عدد هائل من الأنساق ذات الدلالة القيمة متجمعة”.

من كل ذلك؛ أصبح التلفزيون بالنسبة لي مصدر آخر من مصادر الثقافة والإلهام، لم يعد مجرد صندوق بلاستيكي، بل هو أدب ناطقٌ بالواقعية والخيال معاً، هو عالم أستطيع المشاركة في إثراءه من خلال كتابتي للمسلسلات التلفزيونية؛ فما هي طبيعة علاقتك بالتلفزيون؟

هذا ولك وافر التقدير

 تحياتي: شيخة الفجرية

…………………………………………………………………………

الرد:

عزيزتي الصديقة الأديبة شيخة الفجرية

تحياتي وأشواقي

أرجو أن تصلك الرسالة وأنتِ في أتم الصحة والسرور. قبل أن أجيب على سؤالك، لابدّ أن أخبرك بما فعلته رسالتك، لقد أسعدتني وأعادتني إلى زمن بعيدٍ، كانت الرسائل فيه من ورق، والكلام من حبر تذوب فيه المشاعر وتتسربّ إلى قلوبنا ما إن نقرأ الكلمات. إنه زمنٌ لطالما شدّني إليه حنين جبّار، عندما كنت في المرحلة الثانوية أُكاتب صديقات الدراسة عند زيارتهنّ لبلدانهن في العطلة الصيفية، أنسام في الأردن وغادة وايمان في مصر. لازلت أحتفظ برسالة أنسام الأخيرة التي وصلت قبيل تخرجي من الجامعة، لتبتلعنا فيما بعد دهاليز الحياة.

أعرف أنك كاتبة سيناريو ومؤلفة مسلسلات إذاعية وتلفزيونية، شغوفة بعملك، ولتسمحي لي بالانحراف عن سؤالك والحديث عن الإذاعة قليلاً، فحنيني إلى زمن المراسلات لا ينفصل عن علاقتي بالمذياع، فقد لازمني فترة طويلة وأنا طالبة في المدرسة، كنتُ أعود إلى البيت وأدير المذياع من فوري على برامج المنوعات أبحث بين الموجات المشوّشة والأصوات المتحشرجة عن طرب أصيل وكلمة شجية، فتصادفني نجاة الصغيرة بأغنية تمتد دقائق تزيد على العشر، أتمكن أثناءها من تغيير ثيابي وترتيب كتبي وفق جدول الغد، ثم أوقف المذياع للالتحاق بوجبة الغداء.

لقد كانت الإذاعة امتداداً لأثر جدّي الذي أتلمّسه لشدّة تعلقي به، فقد كان يستمع بعد عودته من السوق مساءً وفراغه من العشاء، إلى النهامين في أغاني البحر وفنّ الصوت، لم أكن أدرك معاني الكلمات آنذاك، لكنني الآن أرى وجه جدّي في كل نهمة بحرية تتسلل إلى أذني.

ثم أدمنت سماع كبار نجوم الطرب العربي فكنت على موعدٍ مع أم كلثوم ظهيرة كل يوم على إذاعة دبي، وفي المساء، يرافقني المذياع وأنا أنهي مهامي المعتادة، فأستمع إلى مختلف البرامج والمسلسلات التاريخية والاجتماعية متنقّلة بين الإذاعات العربية المتاحة، أذكر مما استمعت إليه بدهشة كبيرة وفائدة عظيمة، برنامج المعلومات العامة الشهير “قالت جهينة”، كما قضيت الكثير من ليالي العطلات مع حفلات المطربين الكبار على إذاعة صوت العرب من القاهرة، ومن ضمنها أغنية “من غير ليه” الطويلة، للموسيقار محمد عبدالوهاب في سهرة شتوية عام ألف وتسعمئة وتسع وثمانين ميلادي، أي قبل وفاته بعامين.

هل تعلمين يا شيخة أنني لازلت مرتبطة بشدّة بالإذاعة، فلديّ على هاتفي الجوال تطبيقات العديد من الإذاعات العربية والأجنبية، وعلى رأسها صوت العرب، وإذاعة الكويت، وبي بي سي، فهم رفاقي في السيارة والمطبخ وحتى الجلسات الأسرية في فناء البيت.

لقد شكّل المذياع أسس ذائقتي الموسيقية وزودني بأنوية عديدة لمواضيع تصلح للكتابة، كالموسيقى العربية، والشعراء الغنائيين، كما فتح لي أبواباً للقراءة والاستزادة عما يُطرح في البرامج الثقافية على وجه التحديد.

وأزيدك يا شيخة عمّا فعل بي المذياع، فصرت هاوية أجمع أجهزة المذياع القديمة، شرط أن تكون صالحة للعمل، من محالّ متخصصة في الإمارات ومن الأسفار أيضاً. فقد صار وجود المذياع في الغرفة والسيارة يحقق لي درجةً عاليةً من الرضا والاستمتاع.

 أما التلفزيون فليس أقل أهمية من المذياع، إلّا أن دوره بالنسبة لي انحسر منذ ارتباطي بالأجهزة الذكية.

لازمت التلفزيون في مرحلة عمرية مبكرة، فكنت أتابع المسلسل الكويتي “جحا” الذي عرّفني بشخصية تيمور لنك، كما كان السبب الرئيس في حبي للزراعة، فعرفت المواسم الزراعية وفكرة استصلاح الأرض، وأنواع المناطق الزراعية تبعاً للتربة في الإمارات، كل ذلك عن طريق البرنامج المحلي “أرضنا الطيبة” الذي كان يعرض في قناة أبوظبي، أما البرامج المحلية في قناة الشارقة فقد شوّقتني لمناطقنا المختلفة وبيئاتها الغنية، فعرفت أننا نزرع القمح في مرتفات رأس الخيمة، والدخن في وادي الحلو، ونصنع نوعاُ من الحلوى اللذيذة المعروفة بمقطوعة الدّخن. كان ذلك دافعاً رئيساً لزياراتي المستمرة للساحل الشرقي عندما تعلمت قيادة السيارة.

 أما “افتح يا سمسم” فقد كان بوابتي التي ولجت منها إلى اللغة العربية والعالم العربي فحفظت معظم أناشيده، وتعرفت إلى العواصم العربية وأشهر معالمها قبل أن تطأها قدمي.

وبعد طول انقطاع عن التلفزيون، أعود إليه الآن مع الجائحة لأستخدم مزاياه الأخرى كتلفزيون ذكي يتيح متابعة الفيديوهات عبر تطبيق “يوتيوب” وفي أضيق الأحوال وعندما لا أجد برامجي المفضلة في شبكة الإنترنت، أعود لأتابع البرامج الوثائقية، والأفلام العربية الكلاسيكية.

ماذا عنكِ، كيف شغفت باللغة وعلومها؟ في انتظار رسالتك.

دمت بخير

مريم الزرعوني.

دولة الإمارات العربية المتحدة

مدينة دبي


([1]) . مسلسل اليرام، حصل على جائزة “أفضل نص درامي” في جائزة الإبداع الإعلامي بوزارة الإعلام 2009م.

([2]) . “نيلز” مسلسل رسوم متحركة.

([3]) . “السيدة ملعقة” مسلسل رسوم متحركة.

([4]).معلمة مصرية، جميلة البشرة والشكل على الرغم من بدانتها، تتميز عن جميع المعلمات اللائي قمن بتدريسي منذ الابتدائية إلى الثانوية، أنها تُشبه هوانم جاردن سيتي في مصر، من خلال ملابسها الغير معتاد لبسها من معلماتنا المصريات، أكثر ما يُضحكني ولست أدري إن كانت تعلم بذلك، إذ كانت أغلب زميلاتي الطالبات ينادينها “أبلا رهيفة”، بعد الصف الخامس عادت أبلا رئيفة إلى مصر.

المسرح

شيخة الفجرية / مصطفى الحمداوي

إلى الكاتب الروائي والناقد المغربي المبدع مصطفى الحمداوي

 تحية وبعد

بداية أود الاطمئنان عليكم في ونحن نعيش هذه الغمّة التي خيّمت على كوكب الأرض بأكمله، والحمد على الصحة والعافية، سائلين الله أن يجنبنا جميعًا كل مكروه.

وجدتك متبحرًا في المسرح، ورأيت ما لديك فيه من مشاريع ناجحة وجهود مثمرة، ولأن الكتابة للمسرح تجمعنا، فإنني أردت اطلاعك على تجربتي المتواضعة فيه.

فالكتابة المسرحية جزء من حياتي، ومن التلفزيون عرفت المسرح، نشأت على متابعة المسرحيات التلفزيونية المصرية والكويتية والسورية أكثر من المسلسلات، لم تكن تلك المسرحيات مملة بالنسبة لي على الرغم من تكرار مشاهدتها، مثل المسرحية المصرية “ريا وسكينة” لعبدالمنعم مدبولي وشادية وسهير البابلي، والمسرحيات الكويتية مثل “باي باي لندن” لعبدالحسين عبد الرضا ومريم الغضبان، لم يكن ذلك الحرص على متابعة كم من المسرحيات سببه التفكير فيما سيكون، بل كان السبب والدافع هو التقليد والتقليد فقط في التمثيل، حيث كنت ومجموعة من بنات الجيران نقلد ما نراه من أدوار في المسلسلات والمسرحيات، وكان أكثر ما قمنا بتقليده هي شخصيات كلاً من حياة الفهد ومريم الغضبان وسعاد عبدالله ومريم الصالح في أدوارهن بالمسلسل الكويتي “خالتي قماشة”.

يقول القباني:( التمثيل جلاء البصائر ومرآة الغابر. ظاهره ترجمة أحوال وسير. وباطنه مواعظ وعبر. فيه من الحكم البالغة والآيات الدامغة ما يطلق اللسان ويشجع الجبان ويصفي الأذهان ويرغب في اكتساب الفضيلة ويفتح للبليد باب الحيلة. ويرفع لواء الهمم ويحركها إلى مسابقة الأمم)([i]).

وهذا التقليد قادني إلى عشق المتابعة لكل ما يبث عبر التلفزيون، تفرعت هذه المتابعة إلى عدة اهتمامات في المشاهدة إلى جانب المسلسلات والمسرحيات.

حين طلبت الانضمام لجماعة المسرح في مدرستي الإعدادية منعتني بعض معلماتي من المشاركة في المسرح المدرسي، بينما كانت نفس المعلمات تضع اسمي في أول القائمة في رحلات زيارة معارض الكتاب أو مسابقات القرآن الكريم، أو المشاركة في المسابقات الثقافية منها مسابقة الطفل الموهوب في الرسم والشعر والقصة، ومسابقات الخطابة، وكان سبب المنع من التمثيل في المدرسة ومسابقات المسرح على مستوى المناطق التعليمية هو: ترتيلي “القرآن الكريم” يومياً في طابور المدرسة!

حاولت مراراً مع مديرة المدرسة، في أن يتم استثنائي لكي أكون في الجانبين فخيرت من المعلمات والمديرة بين خيارين، فآثرت الصمت.

 بعد ذلك وجدتُ نفسي أتجه نحو الكتابة، فبدأت بكتابة مجموعة من “الاسكتشات التوعوية المدرسية” المُعَبِّرة، لجماعة المسرح في مدرستي(ودام الساحل الإعدادية)([ii])، وأثناء دراستي للثانوية العامة كتبتُ بعض “الاسكتشات” للفعاليات التي تُنظمها المجموعات التطوعية والأندية الرياضية في الولاية، ومن بين هذه المجموعات كانت “مجموعة دعم صحة المجتمع“([iii])؛ في هذه المجموعة بدأت أعمل على أن تكون الاسكتشات المسرحية، في أولويات أية فعالية صحية تنظمها المجموعة، تُبَثُّ من خلالها الرسائل التوعوية الصحية، المُراد إيصال أهدافها بسرعة ٍومتعةٍ في آنٍ معاً.

أثناء ذلك جاءت فكرة أن نحتفي بالمسرح في مناسبةٍ دائمة في قريتنا، فقمتُ وشقيقي(هلال) و(15) خمسة عشرة فتاة من الصديقات وبنات الجيران، ومجموعة من شباب القرية بتأسيس “حفل العيد”([iv]) السنوي، الذي تقوم أهم أفكاره على وجود مسرحية أو اسكتشات مسرحية في عيدي الفطر والأضحى كل عام، على أن تكون تلك المسرحيات هادفة، وتسلط الضوء على الظواهر السلبية في المجتمع؛ بهدف الانتباه لها واستبدالها بالأفضل.

 وحدث أن توفرت الإرادة لدى الجميع ممن عرضنا عليه الفكرة في القرية، الكبار والصغار، الرجال والنساء، خاصة أعضاء الفريق الرياضي بقريتنا، ثم توفرت الجرأة كذلك في التمثيل من الجانبين الشباب والشابات، وبالفعل قُمت وشقيقي بالتناوب في كتابة النصوص، وتصميم الأدوار التي تناقشنا معاً في نوعها وطريقة أداها، كان الحضور قوياً منذ أول حفلٍ للعيد، إذ لم يقل عدد الحضور يومها عن ثلاثة آلاف متفرج وربما يزيد، في قرية يبلغ تعداد سُكانها آنذاك الخمسة آلاف نسمة([v]).

بعد الثانوية العامة تفرغت أكثر للكتابة، وخاصة كتابة المسلسلات، أما النصوص المسرحية فقد اكتفيت بالاسكتشات السنوية في حفل العيد، إلى أن انتظمت في الدراسة الجامعية “بجامعة نزوى” في عام 2010م، كتبت للجامعة عدّة مسرحيات، واسكتشات مسرحية لمناسبات عديدة، ومنها الحفل السنوي الذي تقيمه رئاسة الجامعة في عامي2012م، 2013م، بالإضافةِ إلى اسكتشات المهرجان الإعلامي([vi]) السنوي في الجامعة؛ وتم تتويج كل ذلك العشق للكتابة المسرحية بالفوز بجائزة الرؤية لمبادرات الشباب لعام2015م، عن النص المسرحي”بنت الهامور”([vii])؛ وذلك الفوز أعدّه انطلاقة لأفكار أخرى؛ في قادم الأيام. فما هو موقع المسرح  في حياتك؟

هذا ولك وافر التقدير

 تحياتي: شيخة الفجرية

سلطنة عُمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرد

إلى جميلة عمان الكاتبة والناقدة شيخة الفجرية

فما هو موقع المسرح في حياتك؟                                                               

إنه سؤال كبير، ويختبر القدرة على مساءلة النفس البشرية حول الكثير من القضايا التي يطرحها علينا مسرح الحياة في كل لحظة وحين. وسأحاول مقاربة هذا السؤال من خلال كرونولوجية المسرح في حياتي وليس العكس، ولكنني سأفعل ذلك باقتضاب شديد، وبالتقاط الخلاصات فقط، وسأتجنب الاطناب. أتذكر، وبكثير من النوستالجيا، الدور العميق والمؤثر الذي لعبه المسرح في حياتي..  ليس باعتباري فاعلا ولا لاعبا أساسيا فيه، ولكن باعتباري متلقي ومشاهد لهذا الفن البديع. وتحضرني، في هذه اللحظة وأنا أكتب، الكثير من التجارب المسرحية التي شاهدتها، خصوصا على شاشة التلفزيون الرسمي المغربي قبل سنوات كثيرة مضت (لا أرغب في استعراض التجارب العربية) لثلة من المسرحيين الرواد، وعلى رأسهم أحمد الطيب لعلج والطيب الصديقي، هذا الأخير الذي أدخل في مسرحه مناهج وتقنيات جديدة مستمدة من المسرح الغربي الحديث.. وبعد ذلك وفي زمن متقارب، اكتشفتُ تجربة الثنائي عبد الواحد عوزري وثريا جبران، وهي تجربة شكلت فارقا مؤثرا فيما يخص المسرح المغربي، بل وامتدت هذه التجربة، كما كانت تجربة الطيب الصديقي، إلى فضاءات أوسع، بحيث امتد اشعاعها ليصل المغرب العربي والمشرق العربي. ويمكنني عد تجربة الطيب الصديقي وثريا جبران، من التجارب الأولى التي شكلت ذوقي المسرحي، قبل أن أكتشف تجربة فريدة واستثنائية بالنسبة لي، والأمر هنا يتعلق بالمسرحي ذائع الصيت عبد الحق الزروالي الذي خاض تجربة المسرح الفردي أو “المونودراما”، هذه التجربة التي اكتشفتها عن قرب عندما وفد إلى مدينتي الصغيرة عبد الحق الزروالي  لعرض مسرحيته “المونودراما” (افتحوا النوافذ) التي استمدها من نصوص ساخرة كان ينشرها الشاعر والكاتب المغربي عبد الرفيع الجواهري في احدى الجرائد المغربية الرائدة آنذاك.

كان العرض باهراً بالنسبة لي، وتعرفت عن قرب على تجربة فريدة وممتعة في جنس المسرح، ويمكنني أن أزعم، بكثير من الثقة، أن اهتمامي بالمسرح الفردي بدأ يتبلور منذ تلك اللحظة التي كانت فارقة في احتكاكي الشخصي بالمسرح، ولوعلى مستوى المشاهدة على الركح ليس إلا. ولكن بعد ذلك ظلت علاقتي بالمسرع عموما علاقة عادية، أستمتع فيها بمشاهدة المسرحيات بمختلف مدارسها، ولكنني لم أكن منجذبا أو مولعا بهذا الفن إلى الحد الذي يجعلني أتابع جديد المسرح وكل ما يخصه، غير انني كنت أهتم بكل ما اصادفه سواء قراءة أو شعرا، وتجدر الإشارة هنا الى انني تذوقت المسرح في بداياتي من خلال القراءة، إذ قرأت لتوفيق الحكيم الكثير من الأعمال المسرحية التي أعجبت بها اعجابا كبيراً في ذلك الوقت، قبل أن تتطور قراءاتي لأجد نفسي أقرأ لشكسبير بالخصوص وروائعه التي لا يمكن لمشتغل ومهتم بالمسرح أن لا يقرأها. وفي لحظة ما وعندما بدأتُ أكتب بجدية وبطموح أكبر، بدأتُ أكتب ما قد نسميه مسرحا “تجاوزا”، وكانت بدايات خجولة أعدها الآن مجرد تدريب على الآليات الأساسية في الكتابة المسرحية، وظللتُ مواظبا على ذلك إلى أن لمستُ في كتاباتي شيئا من النضج، وكبر طموحي بحيث بدأت أفكر في كتابة مسرحيات حقيقية، وفعلت ذلك مرات، ولكنني لم اقتنع مطلقا بكل ما أنجزته، واعتبرت ذلك مجرد محاولات من مبتدئ يكتب لأجل اكتساب المهارات الضرورية لكتابة نص مسرحي مقنع وتتوفر فيه كل العناصر المهمة التي تجعل منه نصا مسرحيا قابلا ليحمل هذه التسمية.

لكن التحول الأهم حدث عندما بدأتُ أكتب “المونودراما”، وبما أن الآليات الفنية التي تحكم الكتابة في المونودراما مختلفة كليا عن الكتابة المسرحية الكلاسيكية، فإنني أعتقد، بشبه تخمين قد يكون صحيحا وقد لا يكون، بأنني توفقت إلى حد ما في الكتابة في هذا الجنس المسرحي. وسيتأكد هذا الاعتقاد عندما شاركتُ في جائزة الفجيرة للمونودراما سنة 2014 ، وقد حالفني الحظ وفزت بالجائزة الثالثة، وهو إنجاز كبير أعطاني حافزا للكتابة بنفس وبإصرار وبوتيرة أكبر. واعتبرت ان التتويج الذي حققتهُ مسرحيا في المونودراما عن نص يحمل عنوان: “الرحلة الأخيرة”، هو بداية فقط لمسار طويل مع أشكال أخرى في الكتابة قد أستثمر فيها هذا النجاح في المسرح الفردي “المونودراما”، لأشكل من كتاباتي مشروعا تبلور في الأخير ليستقر على جنس الرواية، رغم انني كتبت الشعر والقصة القصيرة والمسرح والنقد، لكن الرواية هي التي استهوتني واستقطبتني إلى عوالمها في النهاية. ولم يكن المسار منعطفا أو تحولا جذريا وأساسيا، لأن أول منجز في الكتابة رأى النور بواسطة نشره في كتاب كان عبارة عن رواية نشرتها سنة 2010 بعنوان: “غواية الجسد” ثم نشرت بعد ذلك رواية: “حب دافئ تحت الثلج” ورواية “الشيطان والورد”، وكتاب نقدي بعنوان: “غابرييل غارسيا ماركيز في دائرة الواقعية اللسحرية”.. وبعد هذه المرحلة،  وكانت السنة 2015 .. شاركت في جائزة كتارا للرواية العربية، وحالفني الحظ وفازت روايتي “ظل الأميرة” وترجمت إلى اللغتين الفرنسية والانجليزية. وبعد ذلك نشرت رواية: “مأساة الفتاة التي”، قبل أن أنهي سنة 2019 برواية: “الكونتيسة”، التي لاقت نجاحا كبيرا من لدن القراء، واحتفاء من قبل النقاد والمحللين. ولكن أعود وأؤكد أن فضل الكتابة السردية يعود بقوة إلى التدرب على الكتابة المسرحية بمدارسها المختلفة. إن الكتابة المسرحية تروض خيال الكاتب وقدراته ليستطيع خلق عوالم وأحداث متنوعة يبلورها روائيا من خلال الآليات الفنية المستمدة من المسرح.. فالحوار جانب هام وأساسي في الرواية، كما أن المونولوغ عنصر لا يمكن الاستغناء عليه في الرواية أيضا، إضافة إلى الصورة التي يتم نقلها ذهنيا، بتقنية المسرح، من الركح إلى الرواية، ثم إلى القارئ.

أبقى في المسرح دائماً، وأسألك: كيف كانت حياتكِ في مسرح الحياة؟

مودتي الخالصة العزيزة شيخة الفجرية

 مصطفى الحمداوي

  مقيم في هولندا



([i]) -( نظرية المسرح ) في جزئين – تحربر وتقديم محمد كامل الخطيب – إصدار وزارة الثقافة السورية

 دمشق – عام 1994 – ص 937 الجزء الثاني . هذا النص من كتاب محمد كامل

     الخلعي تلميذ القباني ( كتاب الموسيقى الشرقي ) .

([ii]).تم تغيير مسمى المدرسة الآن إلى مدرسة ودام للتعليم الأساسي.

([iii]).مجموعة تابعة لمركز صحي السويق، بولاية السويق، انضممتُ إليها منذ الصف الثاني الثانوي، وكنتُ أرأس المجموعة بعد إنهائي مرحلة الدراسة الثانوية، نفذنا في قريتنا مشروع تطوعي حصل على درع أفضل مشاركة قائمة على مشاركة المجتمع، تتكون لجنة تحكيمها من اللبنانية الدكتورة/سوسن رواس مندوبة اليونيسيف بسلطنة عُمان وبعض المسؤولات في وزارة الصحة والمديرية العامة للشؤون الصحية بصحار.

([iv]) . حافظ شقيقي على تشكيلة مسرح حفل العيد وواصل تقديم عروضه المسرحية، وله 3مسرحيات تلفزيونية في برنامج” براويز” التلفزيوني الذي عرض في تلفزيون سلطنة عُمان.

([v]). حسب تقرير التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت لعام 2003م.

([vi]).رأست جماعة الصحافة والإعلام في الجامعة، بطلب من الناقد الدكتور/ محمد الشحات في عام 2011م، بعد أن ترأست الجماعة فكرت بتأسيس هذا المهرجان، على أن يكون مختلف العناوين سنوياً، فكانت عناوينه متنوعة بين الدراما والأغنية والمسرح، فيما حمل المهرجان الإعلامي الرابع، في الفترة (5/5/2014ـ 7/5م2014م)، بعنوان: السينما العمانية آفاق وأبعاد، تم عرض أفلام مسابقة المهرجان، وهي 24فيلماً عمانياً قصيراً، إلى جانب حضور بعض الأفلام للعرض فقط في ” قاعة الشهباء”, تتنافس جميعا لنيل دروع المهرجان، تكوّنت لجنة التحكيم من: الدكتورة زينب الجميلي، الأستاذ خالد العامري رئيس جمعية المسرح العماني آنذاك، والأستاذ عبدالله خميس، والأستاذ الشاعر سماء عيسى، والفنان جاسم البطاشي، حضره الفنان الأكاديمي الكويتي خالد أمين والفنان سعود الدرمكي، والفنان عصام الزدجالي والفنانة العمانية شمعة محمد، ونخبة من الإعلاميين والفنانين العمانيين.

([vii]).فازت المسرحية بالمركز الثاني في جائزة الرؤية لمبادرات الشباب2015.

المتاحف

شيخة الفجرية وعبدالرزاق الربيعي

إلى الأديب والشاعر الكبير عبدالرزاق الربيعي المحترم

 تحية وبعد

يطيب لي أن أبعث إليكم برسالتي هذه، للاطمئنان عليكم في ظل هذه الظروف السيئة التي يعيش فيها العالم، ومن جهتي، أحمد الله تعالى على فضله، فأنا وأسرتي بألف خير.

أستاذنا الشاعر الكبير، ثمة أمر يشغلني وأود منكم التنوير بشأنه، فأنا أعلم مدى اهتمامكم الواسع في العديد من المجالات، خاصة وأنكم صاحب قلم مبدع متعدد المواهب، في الشعر والمسرح والمقال وإبداعات أخرى. في رسالتي هذه، سأحدثك عن المتاحف في بلداننا العربية، وتحديدًا في بلادنا “سلطنة عُمان”، فالمتحف ليس مكاناً مغلقاً تُجمع فيه التحف واللُقى ثم يأتي الناس للفرجة عليها، إذ أن أغلب ما يتم جمعه في المتاحف قد لا يكون بالضرورة يخص البلد الذي أقيم فيه ذلك المتحف، وهذا ما رأيناه في بلدان عدّة، فثمة آثار مسروقة من مصر المحروسة والعراق مهد الحضارات وعُمان التاريخ، وهي الآن معروضة في متاحف مختلفة في فرنسا وأمريكا وبريطانيا؛ ومن الآثار العُمانية في بريطانيا، توجد” … سقيفة قبر… نقلت، بعد فترة من مشاهدة مايلز لها، إلى إنكلترا بطريقة غير قانونية، وهي الآن بمثابة سفير ثقافي عن حضارة المنطقة، وموجودة في متحف فكتوريا في لندن…”([i]).

وهناك اهتمامٌ شعبي كبير بالمنجز المكتسب في الدول الأوروبية وأمريكا ودول الشرق الأدنى كالصين واليابان، حتى لو كانت هذه المكتسبات مسلوبة من الشعوب الأخرى في العالم، إنهم يفخرون بتاريخهم، حتى إن كان عمره أقصر من عمر الحضارات الأخرى، يمكن ملاحظة ذلك في الأعداد الغفيرة التي يمكن ملاحظتها في المتاحف الغربية، إذ شاهدت ذلك بأم عيني في عام 2013م، حين قدَّر لي دراسة مواد في البيزنس واللغة الإنجليزية في جامعة ويسكانسون بالولايات المتحدة الأمريكية، كان هناك برنامج حافل لنا نحن الطلبة، منها زيارة متحف مستر PINE، كان مدهشاً ذلك التنظيم الذي يجعل من بيت بسيطٍ بُني في القرن التاسع عشر، مزارا لقطاع واسع من المواطنين والسياح في أمريكا، بينما تعج بلداننا بالمتاحف، ولا مقارنة في مستوى الإقبال على زيارة المتاحف بين بلداننا والبلدان الغربية؛ والملاحظة ذاتها وجدتها في واشنطن إذ يصطف خمسة متاحف بجانب بعضها البعض؛ وجميعها تكاد تختنق بالزوار.

وما يؤهل السلطنة لأن تكون متحفاً ثابتاً في الهواء الطلق، هو ما تكتنزه من موروثات مختلفة، منها: القلاع والحصون والأفلاج والأبراج والمساجد الأثرية.

بني بعضها منذ ما قبل الإسلام، مثل: قلعة بهلا، بل وبني بعضها في القرن الأول للميلاد، مثل: قلعة سلوت، التي بنيت في عهد الملك مالك بن فهم، كما جرى الكشف عنها مؤخراً في وسائل الإعلام العمانية، حيث كانت آثارها قبل ذلك مطمورة تحت التراب.

وترتبط هذه الآثار بالكثير من الأساطير التي تروي جوانب من كنهها وكينونتها، وما تحتاجه هو الترميم حسب المواصفات العالمية العالية الدقة والمستوى، ليتم استغلالها بعد ذلك مزارات سياحية تكتنز الثقافة والحضارة، يؤمها الصغار والكبار، وتنسق لها زيارات الأطفال والنشء، للتعرف على بلادهم وحضارتها، فتكون هذه الآثار درساً تقرأه العين ليستوعبه الدارس جيداً، فما يراه المرء بعينه يستطيع استساغته وحفظه أسرع مما يقرأ عنه.

ودعني أخبرك ما تقوله إحدى الأساطير عن الأفلاج في عُمان: “نزل النبي سليمان(عليه السلام) في عُمان، وجدها صحراء جافة، فأمر الجن أن تشق ألف قناة”، وبهذه الأسطورة يستهل العُمانيون أي حديث عن تاريخ وجود الأفلاج_ قنوات مائية تشق من أسفل الأرض لتمر بين الجبال حاملة الماء لأماكن بعيدة _في عُمان، والتي يعود تاريخ آثارها إلى فترة ما قبل العصر الحديدي(حضارة أم النار2700ق.م) ، ويُقدر عددها ب4112 فلج، تروي ما يقارب 17600هكتار، أي ما يقارب أكثر من ثلث المساحة المزروعة في السلطنة، وينضوي الفلج في عُمان على تنظيمات إدارية واجتماعية في مساحة الخارطة، على توالي الأيام والسنين وتعاقب الأجيال، وينتج عنه تقاليد في الإدارة عبر وحدات تقليدية زمنية لنظام دوران المياه فيها والمرتبطة بأسماء النجوم الليلية؛ بالإضافة إلى نظام توزيع المياه بين المزارعين والقاطنين حولها.

ما نحتاجه في وطننا أن تكون مسألة زيارة المتاحف والقلاع والحصون والمزارات الثقافية والتاريخية في صميم المناهج الدراسية منذ طلاب الصفوف الدُنيا في الابتدائية (الحلقات الأولى/التعليم الأساسي)، بل منذ مرحلة الدراسة في رياض الأطفال إلى المرحلة الجامعية إلى طلاب الكُليات والجامعات، وهذا ذاته ما يحدث في الغرب ونحن أحوج إلى ارتباط أبناءنا بتراثهم وتاريخهم.

فهل يكفي برأيك كل هذا؟ أم أن لديكم أفكار أخرى؟

هذا   وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، في أمان الله

هذا ولك وافر التقدير

تحياتي: شيخة الفجرية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرد

بسم الله الرحمن الرحيم

الكاتبة المبدعة شيخة الفجرية المحترمة

تحية عطرة، وبعد

وصلتني رسالتك، وأنا في المكان المعتاد قبل أربعة شهور، الذي تعرفين: البيت، المألوف بالنسبة لي منذ عرف فايروس “كورونا” الطريق إلى رئات البشر، وكلّنا أمل أن تنتهي هذه الجائحة، ويعود السلام إلى الكون الذي شلّ هذا الفايروس غير المرئي حركته، وامتصّ نسغ حياته، وكاد أن يجعله خاويا على عروشه!

قبل أن أجيبك عن تساؤلاتك أبارك لك قرب صدور روايتك الجديدة عن الجمعيّة العمانيّة للكتّاب، والأدباء، متمنيا لك دوام الألق، والنجاح.

العزيزة شيخة

لقد وضعت يدك في رسالتك على قضيّة مهمّة، فالسلطنة معروفة بعمق إرثها الحضاري، وتاريخها العريق الذي يمتد مع عمق الزمن، وأذكر أننا قمنا بزيارة إلى منطقة العامرات، حيث الجيولوجيا العمانية البكر، والصخور،  والتكوينات الرسوبيّة ، حيث التاريخ غير المحكي، النائم  تحت الصخور، “فأحسسنا إنّنا نمضي برحلة عبر الزمن، مرَّت 4 مليارات ونصف المليار من عمر الكرة الأرضية كانت شاهدة على عمق تجذَّر الإنسان العماني في أعماق التاريخ الجيولوجي قبل الإنساني، في العامرات وقفنا عند صخور يعود عمرها إلى 420-450 مليون سنة، وعلى بعد أمتار علمنا أنّ البحر اصطدم  قبل 100مليون سنة بالأرض في ذلك المكان،فالتوت الجبال ” كما ذكرت في حديثي عن هذه الرحلة التي نظّمتها الجمعية الجيولوجية العمانية مع النادي الثقافي في كتابي”خطوط المكان، ودوائر الذاكرة”، وبذلك وجدنا أنفسنا أمام كنز سياحي، وبمقدار سعادتنا بهذا الكشف تألّمنا، لأن هذا الكنز يحتاج إلى المزيد من الجهود للتعريف بتاريخ المنطقة، فكم من المرات التي مررنا بهذا المكان دون أن ننتبه إلى أهمّيته التاريخيّة!

وينطبق الكلام، أخت شيخة،  على الكثير من الآثار التي تنام في المتاحف دون أن تجد من يُصبّح، ويُمسّي عليها من الزائرين، والسبب لأنّنا لانمتلك ثقافة متحفيّة، وهذه الثقافة، في الغرب، درس يتعلّمه الصغار في المدارس، وفي زياراتنا للمتاحف في أوروبا نجد طلّاب المدارس يحملون كرّاساتهم، ويدخلون في صفوف منتظمة هذه المتاحف، بصحبة معلّميهم الذين يشرحون لهم تاريخ تلك القطع الأثرية التي ضمّتها المتاحف، وهم يصغون بصمت، وإجلال يليق بتاريخها القديم، وكم كانت سعادتي كبيرة عندما رأيت مجموعة من تلاميذ مدرسة ابتدائيّة يفترشون بلاط قاعة تضم آثار” بلاد ما بين النهرين” في متحف اللوفر، ويقومون برسم تلك القطع الأثرية التي صنعها أجدادي السومريّون، والبابليّون، والآشوريون!

ويومها شعرت بالفخر، وأصدقك القول بأنّني لم أحزن لأن تلك الآثار “مسلوبة” كما أطلقت في رسالتك على الآثار التي سرقها لصوص التاريخ من حاضنتها في الشرق، ومصدر الفخر، أنّ هذه الآثار تُدرس، وتُرسم، وتُزار، بينما لو بقيت في مكانها، فستوضع على رفوف يعلوها الغبار! فنحن لا نعرف قيمة التاريخ، ربما لأننا مثقلين به، ولم ننقطع عنه، وبسبب ذلك لم ندخل عصر الحداثة!

لكنّنا للأسف الشديد أضعنا المشيتين، كما الغراب!

فلا أعطينا التاريخ قيمته، وبقينا خارج زمن الحداثة

ولكي نعطي التاريخ قيمته، نعلّم أطفالنا أهمّية زيارة المتاحف، ليس من باب تقدير الماضي، بل النظر إلى الحاضر بعيون أكثر اتّساعا، وهي تفتح حدقاتها لترى ضياء المستقبل، قبل سنوات قليلة زارني صديقي الشاعر عدنان الصائغ مع أسرته، قادمين من لندن حيث تقيم الأسرة، وذات يوم  قال حفيده البالغ من العمر يومها خمس سنوات: “جدّو، أريد أن تأخذني اليوم إلى مكتبة”!!

وحين نقل لي رغبة حفيده فوجئت، قلت له : وكيف عرف المكتبة؟ أجاب: لأنّهم في رياض الأطفال يأخذونهم إلى المكتبات، والمتاحف، والمعارض الفنيّة”

وبهذا أتفق مع ما جاء برسالتك بأن” ما نحتاجه في وطننا أن تكون مسألة زيارة المتاحف، والقلاع، والحصون، والمزارات الثقافية، والتاريخية في صميم المناهج الدراسية منذ الصفوف الدنيا الابتدائية “، نعم، علينا أن نبدأ مع النشء الجديد، عندها سنضمن مستقبلا باهرا لماضينا العريق.

تلك الأفكار دارت في رأسي، وأنا أقرأ رسالتك، فأحببت أن أنقلها إليك، والحديث ذو شجون!

وتفضلي بقبول وافر التقدير

عبدالرزاق الربيعي


([i]).المجيدل، عبدالله: عُمان في أدب الرحالة، مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 110 السنة الثامنة والعشرون – حزيران 2008، ص108.‏

المكتبة…

شيخة الفجرية / وفاء الشامسي

 إلى الدكتورة العزيزة وفاء الشامسي

 تحية وبعد                      

  أودُّ الاطمئنان عليك وعلى عائلتك في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها العالم بسبب جائحة كورونا، الذي فرض علينا البقاء الإجباري في البيوت، مما جعلنا نلتفت ونقترب من صديقة تقيم في بيوتنا، وهي المكتبة؛ التي آزرتنا في محنة كورونا.                                                           

الآن خطر ببالي سؤال، هل لا يزال مفهوم كلمة المكتبة يعني الحيز المكاني، حيث تُباع فيه الكُتب والقرطاسيات معاً؟ أم أن هذا المفهوم تطوَّر، وأصبح مواكبا للمستجدات الإلكترونية، حيث يتم تخزين الكتاب الإلكتروني أيضاً؟

كتبت إليك حول هذا الأمر، لأنك كاتبة رائعة، متعددة المواهب، لك إصدارات جميلة في أدب الطفل وأدب الناشئة، وأعلم أن للمكتبة اهتمام كبير في حياتك اليومية، كاتبة وقارئة.

أمَّا بالنسبة لي، فقد كانت أول مكتبة عرفتها، هي تلك التي قام والدي بتأسيسها لي منذ كنت في المرحلة الابتدائية، لم أكن أستطيع قراءتها بسبب عدم مقدرتي على فهمها، أتذكر ذلك الصداع المتعب الذي يصيبني ما أن فتحت إحدى تلك الكتب لقراءتها أمام والدي، كانت الكتب كبيرة الحجم والعناوين والمواضيع، كنت أراقب تزايد الكتب التي يشتريها والدي، ويطلب مني وضعها في أرفف مكتبة لا تتعدى الثلاثة أمتار، كان يشير للكتب الكبيرة ويقول لي: ستقرئينها ما أن تصلي للمرحلة الثانوية، بينما يطلب مني قراءة تلك الكتب الأخف وزناً.

يكتفي والدي بالصمت بينما أقرأ عليه ما كتب في كل كتاب، مع مرور السنين تكوّنت لدي مكتبة تضم مئات الكتب، فجأة، جاء إعصار “جونو”، الذي تعرضت له السلطنة في يونيو 2007م، لم نتعرض للإعصار مباشرة، ولكن كمية مياه الأمطار كانت كبيرة جداً لدرجة دخول ماء المطر إلى بيتنا، تبللت مكتبتي ولم أنتبه لذلك، تكوّمت الرمة حول الكتب، وأنا في غفلة عنها، إلى أن جاء يوم الصاعقة التي صدمت فيه بانقضاض العثّة على كتبي جميعها، أتذكر منها: مختار الصحاح وتحفة الأعيان للسالمي.

بكيت كثيراً قبل أن أنقل الخبر لوالدي الذي صعق حين أخبرته أن مكتبتي ذهبت في مهب “جونو”، قال لي بعدها بصوت حزين: “ما أقدر أشتري لك نفس الكتب، يمكن أشتري لك عدد بسيط”.

حزَّ في قلبي أن أتسبب بخيبة ظن والدي بي، فأنا التي لم تستطع الحفاظ على مكتبة بحجم المكتبة التي كوَّنها لي، وعدته أن تكون لدي مكتبة أكثر ضخامة من تلك التي فقدتها، بعد سنتين من تلك الحادثة، أخبرت والدي أنه بدأت بتكوين مجموعة من الكتب الإلكترونية، يصل مجموعها إلى أضعاف ما فقدت، كان يسألني عن عناوين محددة، وأخبره أنني قد حصلت عليها، بحيزٍ مكاني وسعر أقل مما كانت عليه المكتبة الأخرى.

أود أن تخبريني عن مكتبتك الخاصة، وطريقتك في التعامل معها، ما هي أولوياتك في اختيار ما يدخل إليها من جديد المعارف والعلوم؛ أنتظر رسالتك بلهفة المتشوق للمعرفة.

هذا ولك وافر التقدير

                        تحياتي: شيخة الفجرية

الرد

إلى العزيزة والصديقة شيخة الفجرية

تحية ودٍ خالصة، وبعد،،،

فإني تلقيتُ ببالغ الفرح رسالتك المعنونة بـ” مكتبتي في مهبّ جونو”، وآلمني المصير الذي آلت إليه تلك الكنوز الثمينة، فلا تلقِ باللوم على نفسك، خصوصًا أنك استطعتِ تجاوز الأمر والشروع بما هو أفضل، وجعلتِ إلى جانب ما تبقى في مكتبتك الورقية مكتبةً إلكترونية، ولا أعتقد أنك كنتِ ستقومين بذلك لولا تلك العثّة المعتدية.

صحيحٌ بأن الحصول على مكتبة لم يكن بالأمر الهيّن في سني عمرنا الأولى، ولكنه حلمٌ طالما سعينا لتحقيقه صديقتي، وأعتقد أننا نجحنا في نهاية المطاف.

أذكر بأني كنتُ أتسلل لمكتبة جدي – رحمه الله- وأحاول فك رموز تلك الكتب الكثيرة، والثقيلة التي كان يضعها في مكتبته الخاصة. وحين لاحظ جدي شغفي بمكتبته، أدناني منه، وكان يقرأ على مسامعي بصوته الشجي، وطلب من والدي أن يحضر لي ما يناسبني. لقد كنتُ طفلة صغيرة؛ لذلك اختار لي والدي إحضار مجلة ماجد، وبعض الأعداد القديمة من مجلة شعرية كانت تصدر في أبوظبي حيث يعمل، ومنها كوّنت الرف الأول لمكتبتي الخاصة.

وعندما التحقت بالمدرسة، كنت أقضي أوقات الفراغ في القراءة والمطالعة في المكتبة، ولم تتوانى معلمتي في المرحلة الابتدائية عن إعارتي بعض الكتب التي كانت قد أحضرتها من مصر، وهذا ما دفعني لأن اقتطع جزءًا من مصروفي اليومي، حتى إذا ما ذهبنا في رحلة مدرسية، طلبت من مشرفة الرحلة أن تأخذنا إلى مكان تُباع فيه الكتب.

أنا أحب القراءة كثيرًا، وكنت أقتصر على القراءة في مجالات محددة، ولكن الحياة علمتني أن أوسّع دائرة اهتماماتي، وأن أقرأ في كل العلوم، ولا أخفي عليك بأن هذا كان له كبير الأثر في صقل ذائقتي، وتوسيع مداركي.

إن لي يا صديقتي مكتبتي الخاصة في المنزل، وقد ملأتها بكثير من الكتب، في البداية اقتنيت أمهات الكتب والمعاجم، ثم توجّهت إلى كتب التخصص في التربية والنحو والبلاغة وغيرها من علوم اللغة، وهناك كتب التاريخ والسير والتراجم، وكتب علم النفس، ولأني شغوفة بأدب الأطفال واليافعين فإني شرعت بشراء كل ما أجده في طريقي، لأني آمنت بأن كل ما كُتب يستحق القراءة، فمن الكتب الجيدة أتعلّم وأصقل قلمي، ومن الرديء أتحاشى أن أقع في كبوة الحرف أو المعنى.

سأخبرك بأمر طريف، حاولت أن تكون لي مكتبة الكترونية، لكني لم أتأقلم معها، ولم أحببها كما أحب كتبي الورقية التي أحب ملمسها، ورائحتها، وأتعامل معها وكأنها أطفالي. وفي الوقت الذي يحين فيه موعد تنظيف الرفوف لا أحد يقوم بذلك غيري؛ لأني لا أثق بالآخرين.

في الحقيقة هناك مكتبة أخرى وضعتها في صالة الدور الأول، بالقرب من غرفة نومي، أعرّج عليها قبل النوم، وبعده، لأنني لا أتخيل أن أقضي الوقت دون كتاب، وأنت بالتأكيد تتفهمين ذلك كونك قارئة من الطراز الرفيع، وقد لمحتُ ذلك فيما تطرحينه بين فترة وأخرى في صفحتك الخاصة في (الفيس بوك).

أنا جد سعيدة لأننا نتبادل الحديث حول هذا الأمر، وأتمنى أن نكون على تواصل دائم، وكلي شوق لمعرفة جديدك في مكتبتك الالكترونية.

دمت بكل خير صديقتي.

وفاء

سلطنة عُمان

من شيخة الفجرية إلى تغريد فياض

شيخة الفجرية / تغريد فياض

إلى الشاعرة والأديبة والمترجمة اللبنانية تغريد فياض

تحية طيبة

يطيب لي ويسعدني أن أبعث لحضرتك برسالتي هذه، فأنا من متابعي أنشطتك الثقافية، وإبداعك الأدبي، فبالإضافة إلى حضورك كشاعرة لك إصداراتك الشعرية المميزة، فإنك كنتِ ولا تزالين نموذجًا عربيًا رائعًا، ورائدًا في خدمة الثقافة العربية، إذ يقوم صالونك الثقافي المميز” صالون الشاعرة اللبنانية تغريد فياض”، الكائن في جمهورية مصر العربية، بخدمة الثقافة العربية قاطبة، إذ نراك توجهين الدعوة لكافة المثقفين، الذين يمكنهم تمثيل دولهم خير تمثيل في هذا الصالون؛ الحافل بالأنشطة الثقافية والفنية بشكل شهري منتظم. ولم يتوقف هذا النشاط حتى في ظل الجائحة، التي تسببت بالشلل لكافة الأنشطة الثقافية في العالم، واتجه نشاطكم إلى استثمار المجال الإلكتروني، ونجح أيضًا في التواصل مع المثقفين العرب لتمثيل دولهم باسم صالون الشاعرة اللبنانية تغريد فياض، وهنا أتساءل: كيف استطعتِ التوفيق بين إبداعك الشعري وبين خدمتك للثقافة العربية من خلال صالونك الثقافي الفاعل؟ والسؤال الثاني: على ماذا تراهنين فيما تبذلين من جهدٍ لإظهار الثقافة العربية من خلال وجود ممثلين للدول العربية في فعالياتكم؟ كما أنَّ لصالونكم الثقافي إدارة مميزة، من مثقفين وحملة شهادات ومناصب عليا في الدولة المصرية، فهل يعملون بشكل تطوعي؟ أم أن مؤسستكم الثقافية ذات جهد نفعيٍّ ما؟

ما الذي تكتسبينه على الصعيد الشخصي من مثل هذه الفعاليات؟ وما أثرها على أشعارك؟ وإصداراتك الشعرية وحياتك الشخصية؟ 

لن أطيل عليك كثيرًا، فلقد أفضت عليك بالكثير من الأسئلة، أرجو أن تجد لها ابتسامة على ثغرك الجميل، ثم إجابة أعرف من تكون الشاعرة الجميلة تغريد فياض من خلالها.

هذا ولك المحبة ووافر التقدير

                        تحياتي: شيخة الفجرية

                           سلطنة عُمان

………………………………………………………………………………………

إلى الأديبة العمانية أستاذة شيخة الفجرية…

خالص التحية لك،

أشكرك وتحية من القلب لرسالتك الرقيقة، ولرأيك الرائع في أنشطتي الثقافية وابداعي الشعري والأدبي.

في الحقيقة، تعتبر الثقافة عندي عنصرا أساسيا في حياتي منذ الطفولة، حيث تربيت وكبرت على حب الثقافة من والدي المثقف الكبير، والذي كان قارئا نهما لمختلف أنواع الأدب والشعر وحتى الكتب الدينية والتاريخية والعلمية، وحاول جهده أن يربيني أنا واخوتي على نفس الطريق، وكان يحببنا بالقراءة والتفكير والتحليل عن طريق المسابقات التي كان يقيمها بيننا، فيعطينا مجموعة من الكتب كل حسب عمره، ويطلب منا أن نقرأها وأن نحللها ونلخصها، والفائز فينا هو صاحب أفضل تلخيص للكتاب الذي يختاره. وجعلنا أبي نعتبر معرض الكتاب هو أهم حدث في السنة، وننتظره بفارغ الصبر، حيث هناك فقط كان أبي يتركنا لننطلق بمفردنا إلى مختلف دور النشر ونختار ما يعجبنا من كتب منها. كان كتاب “النبي” لجبران خليل جبران، هو أول كتاب اخترته بنفسي وقرأته وأثر بي كثيرا، إلى حد دمعت عيناي عندما قرأت بعض المقاطع فيه والتي أحسست أنها تتماس مع أفكاري ومشاعري، وأحسست وقتها أن الكتب هي أجمل مكان نلتجأ إليه، وأوحى ذلك لي بأن هذا هو مكاني الخاص في العالم. وبذلك نرى أن  حب الثقافة لا يأتي من فراغ. وبالطبع لا بد أن تكون موهبة الكتابة والإبداع جزء أساسيا في الشخصية حتى يستطيع المثقف أن ينتج كتبا تحمل عصارة روحه ليقرأها الآخرون ويعيشون تجربته ومشاعره.

بدأ شغفي بالثقافة منذ أيام المدرسة الابتدائية حيث بدأت بالمشاركة في المسابقات الشعرية والإبداعية، وحتى بفريق التمثيل المسرحي والإذاعة المدرسية، وحتى أني شاركت في فريق الكشافة المدرسية وأنشطته. كنت أجد متعتي في الانشغال بهذه الأنشطة، وخصوصا أن القراءة بغزارة قد مهدت لي أرضية صلبة للانطلاق في عالم الثقافة الغني والمتميز، فلقد كانت القراءة الباب الواسع لي للتجول في مختلف آداب وثقافات دول العالم، وكأنني زرت كل تلك الدول. واستمر الموضوع وتطور أيضا عندما أصبحت في المرحلة المتوسطة ومن ثم الثانوية، وشاركت في العديد من المسابقات وكنت أفوز فيها بمراكز متقدمة، مما كان يشجعني أكثر وأكثر. كما أنني بدأت بكتابة المقالات الصحفية والقصة القصيرة من عمر13 سنة ونشرتها في جريدتي القبس والوطن في الكويت حيث ولدت ودرست. واستمر شغفي بالأنشطة والعمل الطلابي حتى المرحلة الجامعية، حيث كنت أشارك دوما في الانتخابات الطلابية وأفوز فيها أيضا، وآخر منصب كان لي هو أمينة السر بمجلس فرع الطلاب في كلية الآداب، في الجامعة اللبنانية. كانت المرحلة الجامعية لي في بيروت، حيث درست فيها ثلاث تخصصات، بدأت بالأدب الانجليزي والترجمة، ثم تخصص علم النفس (العيادي) واخيرا الاعلام. درست الثلاثة مع بعض، حيث كان الأدب الانجليزي صباحا في جامعة بيروت العربية، وعلم النفس مساءا في جامعة ثانية (كلية الآداب- الجامعة اللبنانية)، ثم وأنا في السنة الرابعة من الأدب الانجليزي، والثالثة من علم النفس، تقدمت لامتحان القبول في كلية الاعلام، والذي كان النجاح فيه معجزة وقتها، واعتبرت ذلك تحدي، ونجحت وكنت الثالثة على المتقدمين للكلية، وأكملت الدراسة في ثلاث جامعات مختلفة، وكان ذلك مرهقا جدا، واضطررت أن أتغيب لأول مرة عن بعض المحاضرات في الجامعتين حتى أستطيع الحضور في كلية الاعلام، وكان التحدي وصعوبته، هو ما أعانني على هذا الحمل الثقيل جدا، فالتحديات تدفعني للأمام دوما وتخرج أفضل ما عندي، بل إن ذلك يسعدني أيضا. فأنا حتى الآن لا أشبع من المعرفة والعلم، وأبحث عنهما وعن ارضاء نهمي لهما في كل مجال.. 

ولدت وعشت في الكويت، مع أني لبنانية الجنسية والأبوين، ودرست فيها حتى أنهيت المرحلة الثانوية هناك. وكان لهذا أيضا تأثير كبير على تنوع ثقافتي وغزارتها. حيث أن الكويت كانت ملتقى لمختلف الدول العربية وغير العربية أيضا. وكانت زميلاتي في المدرسة من مختلف الدول، وحتى كانت لدي صديقات من باكستان والهند وايران، بالإضافة للدول العربية. وأن تعيش وتكبر في هذا الجو المتنوع يخلق لديك الاحساس بالعالمية، أي أنك تنتمي للعالم الكبير، وليس لبلد بعينه. هذه الظروف والذكريات أغنت الكثير من ابداعاتي الأدبية، وظهرت في دواويني الشعرية الثلاثة، ومجموعتي القصصية التي نشرت حتى الآن، وخصوصا في معظم قصص مجموعتي القصصية. ولقد أنهيت كتابة روايتي الأولى مؤخرا والتي تنشر قريبا، متأثرة بالكثير مما عايشته في معظم الدول التي عشت فيها أو زرتها، من الكويت، للبنان موطن أهلي وجذوري، لمصر التي اخترت أن أعيش فيها بعد ترحال، وأنا فيها الآن منذ 15 سنة. كما عشت في الامارات لمدة ثلاث سنوات، وسنة في جدة في السعودية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية عشت لثلاث سنوات في نورث كارولينا، حيث كنت أدرس للماجستير هناك. وزرت سوريا وسلطنة عمان وتونس وتأثرت كثيرا بجمال الطبيعة، وبأهل البلدان التي عشت فيها والتي زرتها.

كانت هذه اللمحة البانورامية لتوضح كيف وصلت إلى تأسيس منتداي الثقافي في القاهرة، العاصمة التي شغفت بها منذ طفولتي، منذ قرأت أول مرة لنجيب محفوظ، الذي أعتبره الساحر الذي أثر بي كثيرا، وجعلني أعشق مصر والحارات المصرية التي قرأت عنها في كتبه، وأهلها الطيبين، وقرأت بعدها لعدة أدباء وشعراء من مصر. وأصبحت عضوة في اتحاد كتاب مصر بعد أن نشرت جميع كتبي فيها. وبدأت بالمشاركة في الأمسيات الشعرية والثقافية، والمؤتمرات الأدبية والمهرجانات، وإجراء المقابلات التلفزيونية والإذاعية، لعدة قنوات واذاعات مصرية وغير مصرية، لمدة عشر سنوات منذ 2005، بل وحتى أصبحت عضوة في لجنة الترجمة في اتحاد الكتاب وفي نادي القصة. وقمت أيضا بالترجمة من الانجليزية للعربية والعكس، لوزارة الثقافة المصرية، ولمؤلفين مصريين ولبنانيين ودور نشر لبنانية، حيث أن الترجمة هي العمل الذي أقوم به بعيدا عن هواياتي وأنشطتي.

كان كل ذلك قبل أن أقوم بتأسيس منتداي الثقافي في عام 2015، أي منذ خمس سنوات، وأقمته بشكل شهري في عدة أماكن ثقافية في القاهرة: مثل الأوبرا المصرية، أتلييه القاهرة للفنانين والأدباء، مكتبات مصر العامة المختلفة، الجامعة الأمريكية في القاهرة، المركز الثقافي الفرنسي، المركز الثقافي الروسي، المركز الثقافي اليمني، مركز رامتان الثقافي في متحف طه حسين، الجمعية الأفريقية. وأقمته أيضا في الاسكندرية في مكتبة الاسكندرية الشهيرة، وفي محافظة الأقصر في مكتبة الأقصر العامة.

فريق العمل معي يعمل متطوعا، حيث أني أنا شخصيا متطوعة في هذا العمل الثقافي، بل وأنفق عليه بنفسي، بما أنه ليس عندي راعي مادي له.  وفي الحقيقة الكثيرين من الشعراء والمثقفين، ومن شاغلي مختلف المناصب في الدولة المصرية، يتسابقون للانضمام لهذا المنتدى لما له من شهرة كبيرة في دعم الثقافة وإقامة الفعاليات الشهرية الناجحة وذائعة الصيت، ولأننا نعمل معا بروح الفريق والأخوة فيما بيننا، ونتشاور في بعض الأمور، إلا أن القرارات الرئيسية، واختيار المواضيع والضيوف المتحدثين والأماكن التي تقام فيها الفعاليات والحجز فيها، يقع على عاتقي أنا. وحتى أن أغلب الجمهور الذي يحضر يكون بدعوة مني، وطبعا ساعدتني وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة كثيرا، على الوصول لأكبر عدد من الجمهور ومن الضيوف المشاركين من مختلف الفئات.

يأخذ المنتدى مني جهدا كبيرا جدا ووقتا طويلا، وفي الحقيقة فإنه أيضا أثر سلبا وسبب تأخري في بعض الأحيان في اصدار ابداعاتي وكتبي الخاصة، وبالذات الرواية. إلا أنني أحس بالرضا التام وبالفخر بنفسي، وبحلاوة النتائج عند نجاح المنتدى بشكل كبير بعد كل فعالية بحمدالله. وربما تعوّدي على الحياة النشيطة وعلى الأنشطة الثقافية كل حياتي تقريبا، جعلني أكتفي بهذه النتائج ولا أطمح لغيرها وأنا أقيم هذا المنتدى وأعمل له بجد واجتهاد كبيرين. الفرح الذي أحسه في وجوه وقلوب الجمهور الحضور والمشاركين، يعطيني سعادة لا مثيل لها، وأيضا حصولي على قيمة معنوية كبيرة في المجتمع الثقافي المصري والعربي، والتي ترسخت بفعل مرور السنوات، وتطور المنتدى من جيد إلى أفضل.

الهدف الأساسي من انشاء المنتدى كان دعم الثقافة العربية بشكل عام وإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة من كبار الشعراء والأدباء والفنانين والعلماء، إلى المجهولين منهم، والذين لم يجدوا منصة يعبرون فيها عن ابداعهم، بالإضافة للأطفال الموهوبين والشباب الذين لهم فرص كبيرة في كل منتدى للمشاركة بإبداعاتهم. ويشارك أيضا في المنتدى مثقفين من مختلف الدول العربية والأفريقية، بالإضافة للمصريين. كما يشارك دبلوماسيين من جامعة الدول العربية، والسفير اللبناني في القاهرة، وشارك من قبل رئيس وزراء مصر الأسبق، ووزير ثقافة أسبق، ومستشارين في مجلس الوزراء. نتيجة لتنوع وغنى المواضيع التي نطرحها شهريا، وللسمعة الجيدة التي يتمتع بها. بالنسبة لمواضيع المنتدى فهي تكون أدبية، فنية، علمية، موسيقية، اعلامية، وأحيانا الاحتفال بمناسبات تهمني مثل يوم المرأة العالمي، يوم الشعر، يوم اللغة العربية، وبعض المناسبات الوطنية الخاصة بلبنان ومصر. وحين حدثت أزمة كوفيد-19 (كورونا) وتوقفت الأنشطة، تحولت لأقيمه على صفحات الفيس بوك- أون لاين، وأقمت حتى الآن ثلاث منتديات الكترونية ناجحة جدا شارك فيها الكثير من المثقفين من مصر وحول العالم، وأصبح لنا هناك قاعدة جماهيرية أكبر بكثير من الأول. وسوف نعود بحمدالله لإقامة منتدانا بشكل فعلي على أرض الواقع يوم 22/اغسطس القادم، لنقيم منتدانا السابع والثلاثين.

شكرا جزيلا لك عزيزتي الأديبة شيخة الفجرية، لرسالتك الجميلة لي ولاختيارك لي للمشاركة معك، أقدّر أهل سلطنة عمان كثيرا، خصوصا، بعد زيارتي لها من قبل والتعامل الجميل مع أهلها الطيبين. تحياتي الكبيرة لك ولسلطنة عمان الحبيبة، وتمنياتي لكم بالنجاح والابداع المتواصل.

الشاعرة والأديبة والمترجمة اللبنانية: تغريد فياض 

القاهرة- 14/اغسطس/2020

جمهورية مصر العربية

إحياء الرسائل الأدبية

المحرر

إن فن الرسالة وقد نسيها هذا الجيل متأثرين بثورة التكنولوجيا، وإن الرسالة قد انحصرت على شكلها الرسمي فقط، وكانت الرسالة فنا من الفنون الإبداعي ، وكانت الرسائل مظهرا للإبداع الفني بين الشخصين. تخيل ذاك الزمان عندما تفتح رسالة صديقك الحميم، أو صديقتك المحبوبة، أو رسالة من والدك أو والدتك أو أي شخص آخر يلمس قلبك، عندما تفتح هذه الرسالة تنبعث إليك روح الكلمات وكأنك تسمعها، وكانت تلك الكلمات أقرب إليك من أن تسمعها اليوم عبر الهاتف أو أقرب إليك من أن تتحدث معهم عبر برنامج الفيديو.
فنحن نقدم أمامكم هذه التجربة لمرة أخرى. اقرأ الرسائل وتمتع بها من جديد.