شيخة الفجرية / مصطفى الحمداوي

إلى الكاتب الروائي والناقد المغربي المبدع مصطفى الحمداوي

 تحية وبعد

بداية أود الاطمئنان عليكم في ونحن نعيش هذه الغمّة التي خيّمت على كوكب الأرض بأكمله، والحمد على الصحة والعافية، سائلين الله أن يجنبنا جميعًا كل مكروه.

وجدتك متبحرًا في المسرح، ورأيت ما لديك فيه من مشاريع ناجحة وجهود مثمرة، ولأن الكتابة للمسرح تجمعنا، فإنني أردت اطلاعك على تجربتي المتواضعة فيه.

فالكتابة المسرحية جزء من حياتي، ومن التلفزيون عرفت المسرح، نشأت على متابعة المسرحيات التلفزيونية المصرية والكويتية والسورية أكثر من المسلسلات، لم تكن تلك المسرحيات مملة بالنسبة لي على الرغم من تكرار مشاهدتها، مثل المسرحية المصرية “ريا وسكينة” لعبدالمنعم مدبولي وشادية وسهير البابلي، والمسرحيات الكويتية مثل “باي باي لندن” لعبدالحسين عبد الرضا ومريم الغضبان، لم يكن ذلك الحرص على متابعة كم من المسرحيات سببه التفكير فيما سيكون، بل كان السبب والدافع هو التقليد والتقليد فقط في التمثيل، حيث كنت ومجموعة من بنات الجيران نقلد ما نراه من أدوار في المسلسلات والمسرحيات، وكان أكثر ما قمنا بتقليده هي شخصيات كلاً من حياة الفهد ومريم الغضبان وسعاد عبدالله ومريم الصالح في أدوارهن بالمسلسل الكويتي “خالتي قماشة”.

يقول القباني:( التمثيل جلاء البصائر ومرآة الغابر. ظاهره ترجمة أحوال وسير. وباطنه مواعظ وعبر. فيه من الحكم البالغة والآيات الدامغة ما يطلق اللسان ويشجع الجبان ويصفي الأذهان ويرغب في اكتساب الفضيلة ويفتح للبليد باب الحيلة. ويرفع لواء الهمم ويحركها إلى مسابقة الأمم)([i]).

وهذا التقليد قادني إلى عشق المتابعة لكل ما يبث عبر التلفزيون، تفرعت هذه المتابعة إلى عدة اهتمامات في المشاهدة إلى جانب المسلسلات والمسرحيات.

حين طلبت الانضمام لجماعة المسرح في مدرستي الإعدادية منعتني بعض معلماتي من المشاركة في المسرح المدرسي، بينما كانت نفس المعلمات تضع اسمي في أول القائمة في رحلات زيارة معارض الكتاب أو مسابقات القرآن الكريم، أو المشاركة في المسابقات الثقافية منها مسابقة الطفل الموهوب في الرسم والشعر والقصة، ومسابقات الخطابة، وكان سبب المنع من التمثيل في المدرسة ومسابقات المسرح على مستوى المناطق التعليمية هو: ترتيلي “القرآن الكريم” يومياً في طابور المدرسة!

حاولت مراراً مع مديرة المدرسة، في أن يتم استثنائي لكي أكون في الجانبين فخيرت من المعلمات والمديرة بين خيارين، فآثرت الصمت.

 بعد ذلك وجدتُ نفسي أتجه نحو الكتابة، فبدأت بكتابة مجموعة من “الاسكتشات التوعوية المدرسية” المُعَبِّرة، لجماعة المسرح في مدرستي(ودام الساحل الإعدادية)([ii])، وأثناء دراستي للثانوية العامة كتبتُ بعض “الاسكتشات” للفعاليات التي تُنظمها المجموعات التطوعية والأندية الرياضية في الولاية، ومن بين هذه المجموعات كانت “مجموعة دعم صحة المجتمع“([iii])؛ في هذه المجموعة بدأت أعمل على أن تكون الاسكتشات المسرحية، في أولويات أية فعالية صحية تنظمها المجموعة، تُبَثُّ من خلالها الرسائل التوعوية الصحية، المُراد إيصال أهدافها بسرعة ٍومتعةٍ في آنٍ معاً.

أثناء ذلك جاءت فكرة أن نحتفي بالمسرح في مناسبةٍ دائمة في قريتنا، فقمتُ وشقيقي(هلال) و(15) خمسة عشرة فتاة من الصديقات وبنات الجيران، ومجموعة من شباب القرية بتأسيس “حفل العيد”([iv]) السنوي، الذي تقوم أهم أفكاره على وجود مسرحية أو اسكتشات مسرحية في عيدي الفطر والأضحى كل عام، على أن تكون تلك المسرحيات هادفة، وتسلط الضوء على الظواهر السلبية في المجتمع؛ بهدف الانتباه لها واستبدالها بالأفضل.

 وحدث أن توفرت الإرادة لدى الجميع ممن عرضنا عليه الفكرة في القرية، الكبار والصغار، الرجال والنساء، خاصة أعضاء الفريق الرياضي بقريتنا، ثم توفرت الجرأة كذلك في التمثيل من الجانبين الشباب والشابات، وبالفعل قُمت وشقيقي بالتناوب في كتابة النصوص، وتصميم الأدوار التي تناقشنا معاً في نوعها وطريقة أداها، كان الحضور قوياً منذ أول حفلٍ للعيد، إذ لم يقل عدد الحضور يومها عن ثلاثة آلاف متفرج وربما يزيد، في قرية يبلغ تعداد سُكانها آنذاك الخمسة آلاف نسمة([v]).

بعد الثانوية العامة تفرغت أكثر للكتابة، وخاصة كتابة المسلسلات، أما النصوص المسرحية فقد اكتفيت بالاسكتشات السنوية في حفل العيد، إلى أن انتظمت في الدراسة الجامعية “بجامعة نزوى” في عام 2010م، كتبت للجامعة عدّة مسرحيات، واسكتشات مسرحية لمناسبات عديدة، ومنها الحفل السنوي الذي تقيمه رئاسة الجامعة في عامي2012م، 2013م، بالإضافةِ إلى اسكتشات المهرجان الإعلامي([vi]) السنوي في الجامعة؛ وتم تتويج كل ذلك العشق للكتابة المسرحية بالفوز بجائزة الرؤية لمبادرات الشباب لعام2015م، عن النص المسرحي”بنت الهامور”([vii])؛ وذلك الفوز أعدّه انطلاقة لأفكار أخرى؛ في قادم الأيام. فما هو موقع المسرح  في حياتك؟

هذا ولك وافر التقدير

 تحياتي: شيخة الفجرية

سلطنة عُمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرد

إلى جميلة عمان الكاتبة والناقدة شيخة الفجرية

فما هو موقع المسرح في حياتك؟                                                               

إنه سؤال كبير، ويختبر القدرة على مساءلة النفس البشرية حول الكثير من القضايا التي يطرحها علينا مسرح الحياة في كل لحظة وحين. وسأحاول مقاربة هذا السؤال من خلال كرونولوجية المسرح في حياتي وليس العكس، ولكنني سأفعل ذلك باقتضاب شديد، وبالتقاط الخلاصات فقط، وسأتجنب الاطناب. أتذكر، وبكثير من النوستالجيا، الدور العميق والمؤثر الذي لعبه المسرح في حياتي..  ليس باعتباري فاعلا ولا لاعبا أساسيا فيه، ولكن باعتباري متلقي ومشاهد لهذا الفن البديع. وتحضرني، في هذه اللحظة وأنا أكتب، الكثير من التجارب المسرحية التي شاهدتها، خصوصا على شاشة التلفزيون الرسمي المغربي قبل سنوات كثيرة مضت (لا أرغب في استعراض التجارب العربية) لثلة من المسرحيين الرواد، وعلى رأسهم أحمد الطيب لعلج والطيب الصديقي، هذا الأخير الذي أدخل في مسرحه مناهج وتقنيات جديدة مستمدة من المسرح الغربي الحديث.. وبعد ذلك وفي زمن متقارب، اكتشفتُ تجربة الثنائي عبد الواحد عوزري وثريا جبران، وهي تجربة شكلت فارقا مؤثرا فيما يخص المسرح المغربي، بل وامتدت هذه التجربة، كما كانت تجربة الطيب الصديقي، إلى فضاءات أوسع، بحيث امتد اشعاعها ليصل المغرب العربي والمشرق العربي. ويمكنني عد تجربة الطيب الصديقي وثريا جبران، من التجارب الأولى التي شكلت ذوقي المسرحي، قبل أن أكتشف تجربة فريدة واستثنائية بالنسبة لي، والأمر هنا يتعلق بالمسرحي ذائع الصيت عبد الحق الزروالي الذي خاض تجربة المسرح الفردي أو “المونودراما”، هذه التجربة التي اكتشفتها عن قرب عندما وفد إلى مدينتي الصغيرة عبد الحق الزروالي  لعرض مسرحيته “المونودراما” (افتحوا النوافذ) التي استمدها من نصوص ساخرة كان ينشرها الشاعر والكاتب المغربي عبد الرفيع الجواهري في احدى الجرائد المغربية الرائدة آنذاك.

كان العرض باهراً بالنسبة لي، وتعرفت عن قرب على تجربة فريدة وممتعة في جنس المسرح، ويمكنني أن أزعم، بكثير من الثقة، أن اهتمامي بالمسرح الفردي بدأ يتبلور منذ تلك اللحظة التي كانت فارقة في احتكاكي الشخصي بالمسرح، ولوعلى مستوى المشاهدة على الركح ليس إلا. ولكن بعد ذلك ظلت علاقتي بالمسرع عموما علاقة عادية، أستمتع فيها بمشاهدة المسرحيات بمختلف مدارسها، ولكنني لم أكن منجذبا أو مولعا بهذا الفن إلى الحد الذي يجعلني أتابع جديد المسرح وكل ما يخصه، غير انني كنت أهتم بكل ما اصادفه سواء قراءة أو شعرا، وتجدر الإشارة هنا الى انني تذوقت المسرح في بداياتي من خلال القراءة، إذ قرأت لتوفيق الحكيم الكثير من الأعمال المسرحية التي أعجبت بها اعجابا كبيراً في ذلك الوقت، قبل أن تتطور قراءاتي لأجد نفسي أقرأ لشكسبير بالخصوص وروائعه التي لا يمكن لمشتغل ومهتم بالمسرح أن لا يقرأها. وفي لحظة ما وعندما بدأتُ أكتب بجدية وبطموح أكبر، بدأتُ أكتب ما قد نسميه مسرحا “تجاوزا”، وكانت بدايات خجولة أعدها الآن مجرد تدريب على الآليات الأساسية في الكتابة المسرحية، وظللتُ مواظبا على ذلك إلى أن لمستُ في كتاباتي شيئا من النضج، وكبر طموحي بحيث بدأت أفكر في كتابة مسرحيات حقيقية، وفعلت ذلك مرات، ولكنني لم اقتنع مطلقا بكل ما أنجزته، واعتبرت ذلك مجرد محاولات من مبتدئ يكتب لأجل اكتساب المهارات الضرورية لكتابة نص مسرحي مقنع وتتوفر فيه كل العناصر المهمة التي تجعل منه نصا مسرحيا قابلا ليحمل هذه التسمية.

لكن التحول الأهم حدث عندما بدأتُ أكتب “المونودراما”، وبما أن الآليات الفنية التي تحكم الكتابة في المونودراما مختلفة كليا عن الكتابة المسرحية الكلاسيكية، فإنني أعتقد، بشبه تخمين قد يكون صحيحا وقد لا يكون، بأنني توفقت إلى حد ما في الكتابة في هذا الجنس المسرحي. وسيتأكد هذا الاعتقاد عندما شاركتُ في جائزة الفجيرة للمونودراما سنة 2014 ، وقد حالفني الحظ وفزت بالجائزة الثالثة، وهو إنجاز كبير أعطاني حافزا للكتابة بنفس وبإصرار وبوتيرة أكبر. واعتبرت ان التتويج الذي حققتهُ مسرحيا في المونودراما عن نص يحمل عنوان: “الرحلة الأخيرة”، هو بداية فقط لمسار طويل مع أشكال أخرى في الكتابة قد أستثمر فيها هذا النجاح في المسرح الفردي “المونودراما”، لأشكل من كتاباتي مشروعا تبلور في الأخير ليستقر على جنس الرواية، رغم انني كتبت الشعر والقصة القصيرة والمسرح والنقد، لكن الرواية هي التي استهوتني واستقطبتني إلى عوالمها في النهاية. ولم يكن المسار منعطفا أو تحولا جذريا وأساسيا، لأن أول منجز في الكتابة رأى النور بواسطة نشره في كتاب كان عبارة عن رواية نشرتها سنة 2010 بعنوان: “غواية الجسد” ثم نشرت بعد ذلك رواية: “حب دافئ تحت الثلج” ورواية “الشيطان والورد”، وكتاب نقدي بعنوان: “غابرييل غارسيا ماركيز في دائرة الواقعية اللسحرية”.. وبعد هذه المرحلة،  وكانت السنة 2015 .. شاركت في جائزة كتارا للرواية العربية، وحالفني الحظ وفازت روايتي “ظل الأميرة” وترجمت إلى اللغتين الفرنسية والانجليزية. وبعد ذلك نشرت رواية: “مأساة الفتاة التي”، قبل أن أنهي سنة 2019 برواية: “الكونتيسة”، التي لاقت نجاحا كبيرا من لدن القراء، واحتفاء من قبل النقاد والمحللين. ولكن أعود وأؤكد أن فضل الكتابة السردية يعود بقوة إلى التدرب على الكتابة المسرحية بمدارسها المختلفة. إن الكتابة المسرحية تروض خيال الكاتب وقدراته ليستطيع خلق عوالم وأحداث متنوعة يبلورها روائيا من خلال الآليات الفنية المستمدة من المسرح.. فالحوار جانب هام وأساسي في الرواية، كما أن المونولوغ عنصر لا يمكن الاستغناء عليه في الرواية أيضا، إضافة إلى الصورة التي يتم نقلها ذهنيا، بتقنية المسرح، من الركح إلى الرواية، ثم إلى القارئ.

أبقى في المسرح دائماً، وأسألك: كيف كانت حياتكِ في مسرح الحياة؟

مودتي الخالصة العزيزة شيخة الفجرية

 مصطفى الحمداوي

  مقيم في هولندا



([i]) -( نظرية المسرح ) في جزئين – تحربر وتقديم محمد كامل الخطيب – إصدار وزارة الثقافة السورية

 دمشق – عام 1994 – ص 937 الجزء الثاني . هذا النص من كتاب محمد كامل

     الخلعي تلميذ القباني ( كتاب الموسيقى الشرقي ) .

([ii]).تم تغيير مسمى المدرسة الآن إلى مدرسة ودام للتعليم الأساسي.

([iii]).مجموعة تابعة لمركز صحي السويق، بولاية السويق، انضممتُ إليها منذ الصف الثاني الثانوي، وكنتُ أرأس المجموعة بعد إنهائي مرحلة الدراسة الثانوية، نفذنا في قريتنا مشروع تطوعي حصل على درع أفضل مشاركة قائمة على مشاركة المجتمع، تتكون لجنة تحكيمها من اللبنانية الدكتورة/سوسن رواس مندوبة اليونيسيف بسلطنة عُمان وبعض المسؤولات في وزارة الصحة والمديرية العامة للشؤون الصحية بصحار.

([iv]) . حافظ شقيقي على تشكيلة مسرح حفل العيد وواصل تقديم عروضه المسرحية، وله 3مسرحيات تلفزيونية في برنامج” براويز” التلفزيوني الذي عرض في تلفزيون سلطنة عُمان.

([v]). حسب تقرير التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت لعام 2003م.

([vi]).رأست جماعة الصحافة والإعلام في الجامعة، بطلب من الناقد الدكتور/ محمد الشحات في عام 2011م، بعد أن ترأست الجماعة فكرت بتأسيس هذا المهرجان، على أن يكون مختلف العناوين سنوياً، فكانت عناوينه متنوعة بين الدراما والأغنية والمسرح، فيما حمل المهرجان الإعلامي الرابع، في الفترة (5/5/2014ـ 7/5م2014م)، بعنوان: السينما العمانية آفاق وأبعاد، تم عرض أفلام مسابقة المهرجان، وهي 24فيلماً عمانياً قصيراً، إلى جانب حضور بعض الأفلام للعرض فقط في ” قاعة الشهباء”, تتنافس جميعا لنيل دروع المهرجان، تكوّنت لجنة التحكيم من: الدكتورة زينب الجميلي، الأستاذ خالد العامري رئيس جمعية المسرح العماني آنذاك، والأستاذ عبدالله خميس، والأستاذ الشاعر سماء عيسى، والفنان جاسم البطاشي، حضره الفنان الأكاديمي الكويتي خالد أمين والفنان سعود الدرمكي، والفنان عصام الزدجالي والفنانة العمانية شمعة محمد، ونخبة من الإعلاميين والفنانين العمانيين.

([vii]).فازت المسرحية بالمركز الثاني في جائزة الرؤية لمبادرات الشباب2015.