شيخة الفجرية وعبدالرزاق الربيعي

إلى الأديب والشاعر الكبير عبدالرزاق الربيعي المحترم

 تحية وبعد

يطيب لي أن أبعث إليكم برسالتي هذه، للاطمئنان عليكم في ظل هذه الظروف السيئة التي يعيش فيها العالم، ومن جهتي، أحمد الله تعالى على فضله، فأنا وأسرتي بألف خير.

أستاذنا الشاعر الكبير، ثمة أمر يشغلني وأود منكم التنوير بشأنه، فأنا أعلم مدى اهتمامكم الواسع في العديد من المجالات، خاصة وأنكم صاحب قلم مبدع متعدد المواهب، في الشعر والمسرح والمقال وإبداعات أخرى. في رسالتي هذه، سأحدثك عن المتاحف في بلداننا العربية، وتحديدًا في بلادنا “سلطنة عُمان”، فالمتحف ليس مكاناً مغلقاً تُجمع فيه التحف واللُقى ثم يأتي الناس للفرجة عليها، إذ أن أغلب ما يتم جمعه في المتاحف قد لا يكون بالضرورة يخص البلد الذي أقيم فيه ذلك المتحف، وهذا ما رأيناه في بلدان عدّة، فثمة آثار مسروقة من مصر المحروسة والعراق مهد الحضارات وعُمان التاريخ، وهي الآن معروضة في متاحف مختلفة في فرنسا وأمريكا وبريطانيا؛ ومن الآثار العُمانية في بريطانيا، توجد” … سقيفة قبر… نقلت، بعد فترة من مشاهدة مايلز لها، إلى إنكلترا بطريقة غير قانونية، وهي الآن بمثابة سفير ثقافي عن حضارة المنطقة، وموجودة في متحف فكتوريا في لندن…”([i]).

وهناك اهتمامٌ شعبي كبير بالمنجز المكتسب في الدول الأوروبية وأمريكا ودول الشرق الأدنى كالصين واليابان، حتى لو كانت هذه المكتسبات مسلوبة من الشعوب الأخرى في العالم، إنهم يفخرون بتاريخهم، حتى إن كان عمره أقصر من عمر الحضارات الأخرى، يمكن ملاحظة ذلك في الأعداد الغفيرة التي يمكن ملاحظتها في المتاحف الغربية، إذ شاهدت ذلك بأم عيني في عام 2013م، حين قدَّر لي دراسة مواد في البيزنس واللغة الإنجليزية في جامعة ويسكانسون بالولايات المتحدة الأمريكية، كان هناك برنامج حافل لنا نحن الطلبة، منها زيارة متحف مستر PINE، كان مدهشاً ذلك التنظيم الذي يجعل من بيت بسيطٍ بُني في القرن التاسع عشر، مزارا لقطاع واسع من المواطنين والسياح في أمريكا، بينما تعج بلداننا بالمتاحف، ولا مقارنة في مستوى الإقبال على زيارة المتاحف بين بلداننا والبلدان الغربية؛ والملاحظة ذاتها وجدتها في واشنطن إذ يصطف خمسة متاحف بجانب بعضها البعض؛ وجميعها تكاد تختنق بالزوار.

وما يؤهل السلطنة لأن تكون متحفاً ثابتاً في الهواء الطلق، هو ما تكتنزه من موروثات مختلفة، منها: القلاع والحصون والأفلاج والأبراج والمساجد الأثرية.

بني بعضها منذ ما قبل الإسلام، مثل: قلعة بهلا، بل وبني بعضها في القرن الأول للميلاد، مثل: قلعة سلوت، التي بنيت في عهد الملك مالك بن فهم، كما جرى الكشف عنها مؤخراً في وسائل الإعلام العمانية، حيث كانت آثارها قبل ذلك مطمورة تحت التراب.

وترتبط هذه الآثار بالكثير من الأساطير التي تروي جوانب من كنهها وكينونتها، وما تحتاجه هو الترميم حسب المواصفات العالمية العالية الدقة والمستوى، ليتم استغلالها بعد ذلك مزارات سياحية تكتنز الثقافة والحضارة، يؤمها الصغار والكبار، وتنسق لها زيارات الأطفال والنشء، للتعرف على بلادهم وحضارتها، فتكون هذه الآثار درساً تقرأه العين ليستوعبه الدارس جيداً، فما يراه المرء بعينه يستطيع استساغته وحفظه أسرع مما يقرأ عنه.

ودعني أخبرك ما تقوله إحدى الأساطير عن الأفلاج في عُمان: “نزل النبي سليمان(عليه السلام) في عُمان، وجدها صحراء جافة، فأمر الجن أن تشق ألف قناة”، وبهذه الأسطورة يستهل العُمانيون أي حديث عن تاريخ وجود الأفلاج_ قنوات مائية تشق من أسفل الأرض لتمر بين الجبال حاملة الماء لأماكن بعيدة _في عُمان، والتي يعود تاريخ آثارها إلى فترة ما قبل العصر الحديدي(حضارة أم النار2700ق.م) ، ويُقدر عددها ب4112 فلج، تروي ما يقارب 17600هكتار، أي ما يقارب أكثر من ثلث المساحة المزروعة في السلطنة، وينضوي الفلج في عُمان على تنظيمات إدارية واجتماعية في مساحة الخارطة، على توالي الأيام والسنين وتعاقب الأجيال، وينتج عنه تقاليد في الإدارة عبر وحدات تقليدية زمنية لنظام دوران المياه فيها والمرتبطة بأسماء النجوم الليلية؛ بالإضافة إلى نظام توزيع المياه بين المزارعين والقاطنين حولها.

ما نحتاجه في وطننا أن تكون مسألة زيارة المتاحف والقلاع والحصون والمزارات الثقافية والتاريخية في صميم المناهج الدراسية منذ طلاب الصفوف الدُنيا في الابتدائية (الحلقات الأولى/التعليم الأساسي)، بل منذ مرحلة الدراسة في رياض الأطفال إلى المرحلة الجامعية إلى طلاب الكُليات والجامعات، وهذا ذاته ما يحدث في الغرب ونحن أحوج إلى ارتباط أبناءنا بتراثهم وتاريخهم.

فهل يكفي برأيك كل هذا؟ أم أن لديكم أفكار أخرى؟

هذا   وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، في أمان الله

هذا ولك وافر التقدير

تحياتي: شيخة الفجرية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرد

بسم الله الرحمن الرحيم

الكاتبة المبدعة شيخة الفجرية المحترمة

تحية عطرة، وبعد

وصلتني رسالتك، وأنا في المكان المعتاد قبل أربعة شهور، الذي تعرفين: البيت، المألوف بالنسبة لي منذ عرف فايروس “كورونا” الطريق إلى رئات البشر، وكلّنا أمل أن تنتهي هذه الجائحة، ويعود السلام إلى الكون الذي شلّ هذا الفايروس غير المرئي حركته، وامتصّ نسغ حياته، وكاد أن يجعله خاويا على عروشه!

قبل أن أجيبك عن تساؤلاتك أبارك لك قرب صدور روايتك الجديدة عن الجمعيّة العمانيّة للكتّاب، والأدباء، متمنيا لك دوام الألق، والنجاح.

العزيزة شيخة

لقد وضعت يدك في رسالتك على قضيّة مهمّة، فالسلطنة معروفة بعمق إرثها الحضاري، وتاريخها العريق الذي يمتد مع عمق الزمن، وأذكر أننا قمنا بزيارة إلى منطقة العامرات، حيث الجيولوجيا العمانية البكر، والصخور،  والتكوينات الرسوبيّة ، حيث التاريخ غير المحكي، النائم  تحت الصخور، “فأحسسنا إنّنا نمضي برحلة عبر الزمن، مرَّت 4 مليارات ونصف المليار من عمر الكرة الأرضية كانت شاهدة على عمق تجذَّر الإنسان العماني في أعماق التاريخ الجيولوجي قبل الإنساني، في العامرات وقفنا عند صخور يعود عمرها إلى 420-450 مليون سنة، وعلى بعد أمتار علمنا أنّ البحر اصطدم  قبل 100مليون سنة بالأرض في ذلك المكان،فالتوت الجبال ” كما ذكرت في حديثي عن هذه الرحلة التي نظّمتها الجمعية الجيولوجية العمانية مع النادي الثقافي في كتابي”خطوط المكان، ودوائر الذاكرة”، وبذلك وجدنا أنفسنا أمام كنز سياحي، وبمقدار سعادتنا بهذا الكشف تألّمنا، لأن هذا الكنز يحتاج إلى المزيد من الجهود للتعريف بتاريخ المنطقة، فكم من المرات التي مررنا بهذا المكان دون أن ننتبه إلى أهمّيته التاريخيّة!

وينطبق الكلام، أخت شيخة،  على الكثير من الآثار التي تنام في المتاحف دون أن تجد من يُصبّح، ويُمسّي عليها من الزائرين، والسبب لأنّنا لانمتلك ثقافة متحفيّة، وهذه الثقافة، في الغرب، درس يتعلّمه الصغار في المدارس، وفي زياراتنا للمتاحف في أوروبا نجد طلّاب المدارس يحملون كرّاساتهم، ويدخلون في صفوف منتظمة هذه المتاحف، بصحبة معلّميهم الذين يشرحون لهم تاريخ تلك القطع الأثرية التي ضمّتها المتاحف، وهم يصغون بصمت، وإجلال يليق بتاريخها القديم، وكم كانت سعادتي كبيرة عندما رأيت مجموعة من تلاميذ مدرسة ابتدائيّة يفترشون بلاط قاعة تضم آثار” بلاد ما بين النهرين” في متحف اللوفر، ويقومون برسم تلك القطع الأثرية التي صنعها أجدادي السومريّون، والبابليّون، والآشوريون!

ويومها شعرت بالفخر، وأصدقك القول بأنّني لم أحزن لأن تلك الآثار “مسلوبة” كما أطلقت في رسالتك على الآثار التي سرقها لصوص التاريخ من حاضنتها في الشرق، ومصدر الفخر، أنّ هذه الآثار تُدرس، وتُرسم، وتُزار، بينما لو بقيت في مكانها، فستوضع على رفوف يعلوها الغبار! فنحن لا نعرف قيمة التاريخ، ربما لأننا مثقلين به، ولم ننقطع عنه، وبسبب ذلك لم ندخل عصر الحداثة!

لكنّنا للأسف الشديد أضعنا المشيتين، كما الغراب!

فلا أعطينا التاريخ قيمته، وبقينا خارج زمن الحداثة

ولكي نعطي التاريخ قيمته، نعلّم أطفالنا أهمّية زيارة المتاحف، ليس من باب تقدير الماضي، بل النظر إلى الحاضر بعيون أكثر اتّساعا، وهي تفتح حدقاتها لترى ضياء المستقبل، قبل سنوات قليلة زارني صديقي الشاعر عدنان الصائغ مع أسرته، قادمين من لندن حيث تقيم الأسرة، وذات يوم  قال حفيده البالغ من العمر يومها خمس سنوات: “جدّو، أريد أن تأخذني اليوم إلى مكتبة”!!

وحين نقل لي رغبة حفيده فوجئت، قلت له : وكيف عرف المكتبة؟ أجاب: لأنّهم في رياض الأطفال يأخذونهم إلى المكتبات، والمتاحف، والمعارض الفنيّة”

وبهذا أتفق مع ما جاء برسالتك بأن” ما نحتاجه في وطننا أن تكون مسألة زيارة المتاحف، والقلاع، والحصون، والمزارات الثقافية، والتاريخية في صميم المناهج الدراسية منذ الصفوف الدنيا الابتدائية “، نعم، علينا أن نبدأ مع النشء الجديد، عندها سنضمن مستقبلا باهرا لماضينا العريق.

تلك الأفكار دارت في رأسي، وأنا أقرأ رسالتك، فأحببت أن أنقلها إليك، والحديث ذو شجون!

وتفضلي بقبول وافر التقدير

عبدالرزاق الربيعي


([i]).المجيدل، عبدالله: عُمان في أدب الرحالة، مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 110 السنة الثامنة والعشرون – حزيران 2008، ص108.‏