حبٌّ لا يُبدَّل عنه

كان الحر شديدا، لا سحابةَ في السماء، والعشب الذي أحرقته الشمس يبدو كئيبا بائسا، حتى لو سقط المطر عليه فلن تعود إليه الخضرة أبدا.
بدأ قاسم يتناول طعامه الشهي مع أسرته، ويتشاور معهم في الأمور الاقتصادية، وكانت الأم تُسرِع في التهام الطعام لتواكب أعمال المطبخ.
وبسوء الحظ، سُمع صوت نارجيل يسقط على سقف البيت، فانكسرت إحدى القرميدات، وتراقبت من الثقب أشعةُ الشمس وهي تتسلل بخجل إلى البيت. فتوقف قاسم عن الأكل، ناسيا اضطرار جوعه، ومستحضرا مسؤوليته عن أهله، وطفق يبدّل ذلك بتنهّدات خارقة. وألقت الشمس ضوءها على وجهه، فصار مكلوما بلجام من العرق الغزير.
فقالت الأم:
يا بني، كفّ عن هذا العمل، فالحر شديد، وسنبدّلها في المساء.
فقال قاسم:
لا بأس يا أمي، أصلحها الآن.
وكررت الأم هذا الأمر مرارا وتكرارا، لكنه لم يُبالِ بقولها، بل أعرض عنها. فانتقلت الأم إلى الغرفة، وأخذت حفيدها، وجاءت به إلى الفناء، ووضعته في مكان تتلألأ فيه أشعة الشمس الحارقة.
فاستشاط قاسم غضبا، وقال:
يا أمي، هل أنتِ جاهلة؟ إنه طفل صغير لا يستطيع تحمّل الحر!
فقالت:
لما مسّ الحر ابنك فآلمك، هكذا آلمني حين مسّ الحر ابني.
عندها أدرك قاسم خطأه في لحظة عميقة، فعانقها أشدَّ العناق.
