كرة القدم بحر تطاولت أمواجه على شواطئ عواطف القارات، وشمس أشرقت على اَفاق القلوب، أشعّتْ أنوارها في عروق الطبيعة وانغمست في أجواء الحياة. لا تحتاج هذه الرياضة إلى تعريفٍ بالعربية أو بالإنجليزية أو بالإسبانية، فمجرد إشارتك إلى قدميك تكفي، إذ هي لغة عالمية ورياضة ممتعة وحكايةُ شغفٍ واتحادٍ بين الشعوب. أبكت الجماهير، وأثارت الفنون، وجنّت لها العقول.
عندما نذكر كرة القدم، فإنها تطرق أبواب القلوب وتختلطُ بمشاعر حارّة. وإنها ليست مجرّد تسعين دقيقة، بل هي حياة كاملة تحتوي الفرح والسرور والضحك والبكاء، والأمل واليأس، والطموحات التي لا تنتهي. كم من العيون سحرتها هذه الرياضةُ المدهشة؟ وكم من القلوب وجلت تحت سحرِ هذا الفنّ المثير؟ تتراقص الكرة بين أقدام اللاعبين كأنها تجسِّد نشوتها فوق العشب الأخضر النديّ؛ تضحكُ عند قبلة الشباك، وتغضب حين تُصدّ التسديدات.
الجماهير تتعالى هتافا وضحكا وبكاء، تنادي وتسبّ وتفرح وتخاف بحسب الموقف. التمريرات تمطرُ في الذاكرة، والتسديدات تشتعل في الطموحات، والمهارات تلهب الجنون؛ كلها تحكي روعة هذه الحياةِ المبرقشة بالألوان. وحين يُطلق الحكم صافرتَه، يشتعل الميدان بالنيران فوق الأعشاب اللامعة، كشرارةٍ تُلهب الحماسَ في قلوب المشجعين. توجيهات المدربين تبعث الحياة في أرواح اللاعبين، والرايات الركنية ترفرف كأنها أجنحة الفخر، فريقان يتناظران بلغة الجوارح، وكأنّ هذا المشهد لوحة من الأناقة والعنفوان. العشب الأخضر النديّ يحكي قصة لا تنتهي، رُسمت عليه أجمل الذكريات، وكُتبت فيه أروع الحكايات. وما زال المشجعون على اختلاف أعمارهم يرفعون أعلام فرقهم، ويلبسون قمصانهم، ويهتفون عند كلِ تمريرة وتسديدة ومراوغة، وترتجف أرواحهم مع كلّ هجمة.
وحين تُسجّل الأهداف، تتحوّل أجواء المباراة إلى عاصفة من الصيحات والرعد والبرق. ما من شباك إلا وقد تشبّعت بقبلات الأهداف. أنفاس اللاعبين تمتزج بأنفاس المباراة، ونشاطهم الدؤوب يُظهر كنوزا خفيّة من الفنّ والعزيمة. هناك الماهر الفنان كالنجم الذي لا يشبهه نجم، والمهاجم الغدّار كسيف لامع يمزّق الشباك، وثعلب يترصّد الفرص لاقتناصها.
صار هذا الفنّ ظلا يستظلّ به الناس في أوقات الضيق والإنهاك. ليس فيه انتصار للفرد، بل هو سباق عدالة وجمال بين الأجناس المختلفة في ميدان واحد. وفيه روح العمل الجماعي، وتناسق الجهود، وموازنة دقيقة بين الصبر والإصرار. فهي روح وإثارة وفنّ جماعيّ يؤلّف بين العقول والاتجاهات والثقافات في سماء الاضطراب والقلق، غدتْ رمزا حضاريا، ومرجعا فنيا، حتى حُمّلت أوصافا وأسماء لا تُحصى.
في بداية العهد النبوي، لم يُؤذن لكتابة الحديث خشية اختلاطه واشتباهه بالقرآن الكريم. وقد ورد النهي عن كتابة الحديث في أحاديث صحيحة، منها ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: “لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج“ (رواه مسلم). وهذا النهي كان وقائياً لحفظ القرآن وتمييزه عن غيره، وقد أُيّده عدد من كبار الصحابة كعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري وغيرهم.
لكن هذا المنع لم يكن للتأبيد، بل مقيّدا لمرحلة معينة. فبعد اطمئنان النبي ﷺ إلى حفظ القرآن وتمييزه، أذن لبعض الصحابة بالكتابة، خاصة لمن خشي النسيان، كما في قصة أبي شاه اليمني، إذ قال ﷺ: “اكتبوا لأبي شاه“ (رواه البخاري). وقد كتب عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أحاديث في صحيفة سمّاها “الصحيفة الصادقة” بإذن من النبي ﷺ.
تعريف الحديث ومكانته في التشريع: الحديث في الاصطلاح هو ما أُضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية، ويشمل كذلك ما نُقل عن الصحابة والتابعين من أقوال وأفعال. ويُعد الحديث الشريف المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهو الأساس في بناء الفقه والعقيدة والأخلاق. ومن هنا، حرص الصحابة والتابعون على حفظه ونقله بدقة، سواء من حيث الإسناد أو المتن، مما أدى إلى تطور علوم الرواية والتوثيق.
الرحلة في طلب الحديث وجهود التدوي: بدأت رحلة العلماء في طلب الحديث منذ العصور الأولى، وكانوا يرتحلون إلى الأمصار المختلفة للتثبت من الأحاديث، كما فعل البخاري ومسلم. ويُعد “الموطأ” للإمام مالك أول تصنيف شامل في الحديث، ضم أحاديث نبوية وأقوال الصحابة والتابعين مرتبة على الأبواب الفقهية. ثم ظهرت مصنفات أخرى كـ”مصنف عبد الرزاق” و”مصنف ابن أبي شيبة”، وتوّجت هذه المرحلة بظهور “الكتب الستة” في القرن الثالث الهجري.
ومع تزايد الوضع والكذب في الحديث، نشأت علوم جديدة لضبط الحديث وتمييز الصحيح من الضعيف مثل علم الجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، وعلوم الرجال، والعِلَل.
بداية التدوين الرسمي في العصر الأموي والعباسي: في القرن الثاني الهجري، أرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز أوامر بجمع الحديث خشية ضياعه وموت حفاظه. وقد برز في هذا العصر علماء كبار مثل الإمام الزهري في المدينة، وعبد الملك بن جريج في مكة، ومعمر بن راشد في اليمن، والأوزاعي في الشام، والليث بن سعد في مصر. وقد وضعوا اللبنات الأولى لتدوين السنة النبوية، وأسهموا في حفظ الهوية الإسلامية ومواجهة التحديات الفكرية والسياسية.
ومن هنا، بدأ العلماء في تصنيف الأحاديث بحسب الموضوعات الفقهية، وأصبح علم الحديث من أبرز علوم الأمة وأكثرها تطوراً.
كتابة الحديث في عهد الصحابة والتابعين: وردت شواهد على وجود صحائف حديثية كُتبت في زمن النبي ﷺ وبعده، منها:
الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص، وتضمنت مئات من الأحاديث.
الصحيفة الجامعة لعلي بن أبي طالب، وفيها أحكام الديات وبعض الوصايا.
صحف لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما تتعلق بالأحكام والمراسلات القضائية.
مرويات لأبي هريرة وأنس بن مالك، وإن كان أكثر اعتمادهم على الحفظ.
صحف التابعين مثل همّام بن منبه، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب.
تدل هذه الصحف على أن الصحابة والتابعين لم يروا الكتابة بدعة، بل وسيلة لحفظ السنة النبوية الشريفة.
رأي العلماء في كتابة الحديث: اختلف العلماء في جواز كتابة الحديث بجانب القرآن. قال ابن حجر: إن النهي عن كتابة الحديث كان في بداية الإسلام، ثم زال بعد التمكين لحفظ القرآن. فالإذن بالكتابة جاء مشروطًا بعدم اختلاط الحديث بالقرآن، وقد رُخِّص فيها لمن خشي النسيان أو لم يكن حافظاً قوياً، ومنع من ذلك من كان قوي الذاكرة وموثوق الحفظ.
أهمية الإسناد والمتن في الرواية: الإسناد هو سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث، والمتن هو نص الحديث نفسه. وقد اهتم العلماء بتوثيق السند والمتن والتثبت من عدالة الرواة وضبطهم، وهو ما يُعرف بـ”علم الرجال”. وقد قسّم العلماء الأحاديث إلى: صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع، وفق ضوابط دقيقة.
رحل الأئمة كالبخاري إلى أصقاع مختلفة لسماع الحديث من الثقات. وقبلوا الحديث بشروط مثل اتصال السند، وعدالة الرواة، وعدم وجود شذوذ أو علّة. وكان الرواة يتمتعون بقدرات حفظية متميزة، يحفظون السير والقصائد والأنساب بدقة متناهية.
وقد تطورت علوم الحديث من الرواية الشفوية في عصر النبي ﷺ إلى التدوين المنظم في القرن الثاني الهجري، ثم إلى مرحلة التصنيف العلمي، فالشرح والتحليل في القرون اللاحقة.
نماذج من أحاديث النهي والإذن بالكتابة
أحاديث النهي:
عن أبي سعيد الخدري: “لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه…” (مسلم).
كان هذا النهي وقائياً مؤقتاً.
أحاديث الإذن:
عن عبد الله بن عمرو: قال ﷺ: “اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه إلا الحق” (أبو داود).
وعن أبي هريرة: “استعن بيمينك” (الترمذي)، أي اكتب ما لا تحفظه.
العلوم المصاحبة لعلم الحديث ودورها في توثيق السنة
لم يتوقف تطور علوم الحديث عند حدود السند والمتن فحسب، بل نشأت إلى جانبه علوم مصاحبة، أسهمت في ترسيخ المنهجية العلمية في نقل النصوص، وبلورت مفهوم “التحقيق العلمي” بمعناه المبكر. من أبرز هذه العلوم:
علم الجرح والتعديل: وهو علم يُعنى بتقييم الرواة من حيث العدالة والضبط، وقد ظهر هذا العلم لحماية الحديث من الكذب والدسّ، وامتاز بضوابط دقيقة في إصدار الحكم على الرواة، مثل “ثقة”، و”صدوق”، و”ضعيف”، و”متروك”، وغيرها. وكان علماء مثل يحيى بن معين، علي بن المديني، والبخاري من أبرز روّاده.
علم العلل: يُعنى باكتشاف الخلل الخفي في الإسناد أو المتن، والذي قد لا يظهر في الظاهر، فيحكم على الحديث بالضعف رغم صحة سنده الظاهري. وهذا يدل على عمق النظرية النقدية في علوم الحديث.
علم المصطلح: الذي نظم المصطلحات العلمية لتقييم الحديث مثل “الحديث المتواتر”، و”المشهور”، و”الآحاد”، و”المرفوع”، و”الموقوف”، و”المقطوع” وغيرها، مما أرسى معايير دقيقة للتصنيف.
دور التابعين والمدارس الحديثية
بعد عصر الصحابة، برز جيل التابعين الذين واصلوا حفظ السنة وتدريسها، ونشأت المدارس الحديثية في مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام. وكان لكل مدرسة ميزات منهجية خاصة:
المدرسة المدنية: اهتمت بالتثبت في الرواية والاقتصار على ما ثبت.
المدرسة العراقية: اهتمت بجمع الأحاديث والإكثار منها رغم وجود الروايات الضعيفة، مما دفع إلى نشوء منهج نقدي لاحق في التمحيص.
وقد أدت هذه المدارس دورًا جوهريًا في نقل الحديث وتدوينه، وأسست لتحراك علمي نشط امتد إلى سائر أقاليم الدولة الإسلامية.
التأثير المنهجي لعلوم الحديث على الفكر الإسلامي
امتد تأثير علوم الحديث إلى خارج دائرة الرواية، ليؤسس منهجًا علميًا دقيقًا أثّر في بقية العلوم الإسلامية، بل وألهم بعض مناهج البحث في الفقه والتفسير وأصول الفقه.
في الفقه: استُخدم تصنيف الحديث في بناء الأحكام الشرعية، وكان فقهاء المذاهب يستندون إلى تصحيح الحديث أو تضعيفه لتقرير حكم فقهي.
في أصول الفقه: أسّس علم الحديث مبدأ “الخبر الصحيح” كدليل تشريعي مستقل، بل وميز بين مراتب الأخبار (الآحاد والمتواتر).
في علم التاريخ: استفاد المؤرخون من منهج التثبت بالسند، فكان التاريخ الإسلامي يعتمد على “إسناد الخبر” مما لم يوجد مثله في الحضارات الأخرى.
أثر تدوين الحديث في حفظ الهوية الإسلامية
لقد أسهم تدوين الحديث في ترسيخ الهوية الإسلامية، وحماية تراث النبي ﷺ من الضياع. وقد أدرك الخلفاء والعلماء أن جمع السنة ضرورة لحفظ الدين، كما كان جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ضرورة لصيانة الوحي.
وقد حافظ هذا التدوين على وحدة الأمة العلمية، إذ أصبحت كتب الحديث مرجعًا مشتركًا بين المذاهب والمدارس، رغم اختلاف اجتهاداتها. فالسنة النبوية، بصيغتها المدونة، كانت وما زالت الأساس في بناء العقيدة، والشريعة، والسلوك، والتزكية.
الخاتمة: إن تطور علوم الحديث من الرواية الشفوية إلى التدوين كان محطة فاصلة في تاريخ العلوم الإسلامية، أسهم في توثيق المصدر الثاني للتشريع، وحفظ السنّة النبوية من التحريف والضياع. لقد اجتهد العلماء، وتحملوا مشاق الأسفار، ووضعوا مناهج علمية صارمة لفحص الأحاديث. فكان هذا العلم ضمانة لحفظ الدين، ونبراسًا يهتدي به المسلمون في عباداتهم ومعاملاتهم.
فجزى الله علماء الحديث خير الجزاء، ونفعنا بعلمهم في الدنيا والآخرة.
المراجع:
The Evolution of Hadith Collections: From Oral Transmission to Canonical Compilations *Dr. Abdulmalik Sani.
Oral Traditions of the Prophet Muḥammad: A Formulaic Approach R. Marston Speight
THE WRITING OF HADITH IN THE ERA OF PROPHET MUHAMMAD, A Critique on Harun Nasution’s Thought Daud Rasyid*; Aisyah Daud Rasyid**; Asmuliadi Lubis***; Mohd Abd Wahab Fatoni Bin Mohd Balwi***; Bilal Daud Rasyid.
الملخص: يهدف هذا البحث إلى دراسة نقدية تحليلية للردود العقلية على ظاهرة الإلحاد، من خلال كتاب “حوار مع صديقي الملحد” للدكتور مصطفى محمود، أحد المفكرين البارزين في العالم العربي المعاصر، يأتي هذا العمل من سياق مواجهة التحديات الفكرية التي تطرحها الموجات الإلحادية الحديثة، والتي تنتشر بين فئئات من الشباب العربي والإسلامي تحت تأثير الثقافة الغربية والمفاهيم المادية. يعتمد الباحث في دراسته على المنهج الحليلي والنقدي المقارن، حيث يقوم بتحليل الحوارات المطروحة في الكتاب، وتفكيك بنية الحجج الإلحادية، ومن ثم عرض الردود العقلية والمنطقية التي يقدمها المؤلف، وتشمل هذه الردود موضوعات جوهرية كوجود الله، الحكمة من الخلق، مفهوم الخير والشر، العقل والوحي، والمعجزات، كما يتناول البحث الأسلوب الجدلي والحكيم الذي اتبعه الدكتور في مخاطبة العقل الإنساني بعيدا عن الأساليب الخطابية أو العاطفية. وتظهر نتائج البحث أن كتاب “حوار مع صديقي الملحد” يعد من أبرز الأعمال التي ترد على الفكر الإلحادي بأسلوب عقلي فلسفي واضح، ويجمع بين البساطة والعمق، مما يجعله مناسبا للقراء من مختلف المستويات، كما يؤكد البحث أهمية تعزيز الخطاب العقلي في الدعوة الإسلامية، لمواجهة الشكوك الفكرية المعاصرة وإعادة بناء الثقة في العقيدة من منظور علمي فلسفي. يوصي الباحث بضرورة توسيع هذا النمط من الكتابات، وتطوير أدوات الحوار العقلي مع التيارات الفكرية النختلفة، خاصة في ظل تصاعد النزعات التشكيكية في هذا العصر المادي.
الكلماتالمفتاحية: الإلحاد، الردود العقلية، مصطفى محمود، الفكر الإسلامي، العلم والدين، والشبهات الفكرية.
التمهيد: نحن نعيش اليوم في عصر انتشرت فيه الهواتف الذكية بين الناس، فلا يكاد يرى أحد إلا وفي يده هاتف، وقد أصبح استخدامها سهلا وميسورا من جميع الجوانب. ومع انتشار هذه الهواتف، كثرت حسابات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وتيك توك، وإنستغرام وغيرها، والتي باتت منصات يعرض فيها كثير من الناس مقاطع فيديو تحتوي على أفكار وآراء ناقصة أو منحرفة عن الإسلام، يقدمها من يسمون أنفسهم مفكرين، علماء، مجتهدين، أو متحديثين تحفيزيين. بعض هؤلاء عن قصد أو جهل يروجون الشبهات ويزرعون بزور الشك والكراهية تجاه الإسلام وتعاليمه. وقد أصبح لهذا المحتوى تأثير واضح على المستخدمين، حيث بدأت تنتشر بينهم الشكوك، ويتزعزع يقينهم، ويتأثرون سلبا بأولئك المجتهدين المزعومين، سواء كانوا من المسلمين أو من غيرهم. ويؤسف أن كثيرا من الناس بوعي أو بغير وعي ينساقون خلف هؤلاء ويقبلون ما يقولونه، مما يؤدي إلى انحراف في العقيدة وتفكك في الفهم الصحيح للدين. هذه الظاهرة لم تقتصر على العامة فقط، بل تسربت أيضا إلى بعض من يظن فيهم الفهم والمعرفة. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى وجود نخبة من العلماء الربانيين والدعاة المخلصين، الذين يردون على الشبهات بأسلوب علمي وباستخدام الوسائل الحديثة كالفيديوهات والكتابات المؤثرة. زمن أبرز النماذج من هذا المضمار، الدكتور مصطفى محمود – رحمه الله- الذي كان له دور بارز في التصدي للشبهات، ومن أهم مؤلفاته في هذا الصدد للتلغب على الشبهات، ومن أهم مؤلفاته في هذا المجال كتابه الشهير: “حوار مع صديقي الملحد”، الذي كان ولايزال سببا في إزالة الشكوك وتثبيت اليقين في قلوب الكثيرين.
معلومات موجزة عن المؤلف: في 20 من شهر ديسمبر 1921م،ولدمصطفى محمود آل حسين في قرية ميت خاقان القديمة بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية في مصر، وكان توأما. ينحدر من سلالة زين العابدين بن علي بن أبي طالب، ومن ثم تنتمي أسرته إلى طبقة الأشراف[i]. الدكتور كان مبدعا يجيد الكتابة في مجالات متنوعة، فكتب في مختلف العلوم والفنون، ومن المستطاع أن تقسم أعماله في مرحلتين، مرحلة قبل 1970م وهو لايزال في الحيرة التخبط باحثا عن الحقيقة والدين، ألف فيها في فنون الأدب العربي، وإن كان يتخللها بعض المقالات الفكرية والعلمية، والثانية بعد 1970م، بعد أن انكشف الظلام واستقر الإسلام في قلبه، كتب فيها مقالات في العلم والدين والسياسة وغيرها. ونشرت مؤلفاته عبر عدد من دور النشر المعروفة، فأثرى بمؤلفاته الغزيرة مكتبات العالم الأدبي العربي، وكسب قلوب ملايين القراء من مختلف بقاع العالم، ونال العديد من الجوائز، مصطفى محمود هو الاسم الذي عرف به، وطبع على جميع أعماله الأدبية والفكرية، وبرز به في الوسط الأكاديمي. لقد توفي الدكتور صباح السبت 2009م بعد رحلة علاج استمرت عدة شهور.[ii]
نبذة عن الكتاب: هذا الكتاب هو أحد الروائع الفكرية التي تركها لنا الدكتور مصطفى محمود، ويضم بين دفتيه تسع عشرة مقالة كتبها خلال عقد الثمانينيات، نشرت عام 1986م عن دار العودة، وجاءت في 160 صفحة من العمق الفكري والأسلوب الحواري الجذاب. يتناول الكتاب مجموعة من الإشكالات الفكرية والشائعات العقيدية التي طالما أثارها المتشككون والملحدون حول العقيدة الإسلامية، وقد صاغ المؤلف مقالاته بأسلوب السؤال والجواب، حيث يظهر فيها صوت المتشكك في مواجهة إجابات علمية وفلسفية دقيقة، بأسلوب مقنع ومدعوم بالأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بالإضافة إلى استحضار معطيات العلوم الحديثة من الفيزياء والفلسفة والطب. تتوزع موضوعات الكتاب بين العقيدة والتوحيد، مثل: “لم يلد ولم يولد”، و”لا إله إلا الله”، و”لماذا يحاسبني الله إذا كان قدّر أفعالي”، و”هل القرآن من تأليف محمد؟”، وبين قضايا تتعلق بأركان الإسلام، ك: “هل مناسك الحج وثنية؟”، وتجديد مفهوم “لا إله إلا الله”. كما يعالج الكتاب قضايا فكرية ساخنة مثل: “هل الدين أفيون؟”، و” موقف الإسلام من المرأة”، و”موقف الدين من التطور” و”القرآن لا يمكن أن يكون مؤلفا”، و”شكوك”.[iii]
ويرجح أن شخصية “الصديق المتشكك” التي تحاور المؤلف ما هي إلا تمثيل لمرحلة الشك التي مر بها الدكتور مصطفى محمود نفسه، وقد اعترف بها لاحقا، مما يضفي على الحوار مصداقية وواقعية تجعل القارئ يتفاعل معه بصدق واهتمام. وفي جانب لقد نجح المؤلف في تقديم صورة مشرقة عن حكمة الله في خلق الإنسان وتشريعاته، وفنّد الشبهات المثارة حول الدين بأسلوب عقلي راق، يعكس عمقا في الفهم وسعة في المعرفة، بأسلوب حواري يجمع بين السلامة والعمق، ويعيد تقديم المفاهيم الإسلامية بطرح جديد يليق بعقل القارئ المعاصر.
البنية العامة للكتاب: يضم هذا الكتاب تسع عشرة مقالة متنوعة، صيغت بأسلوب فكري وتأملي، تناولت موضوعات متعددة تتصل بجوانب عقيدية وفكرية وعلمية، من بين هذه المقالات ما يتناول أركان الإسلام، ومنها يعرض لحكمة الله في خلق الجنة والنار، كما تضمنت بعضه المقالات مباحث في “الشكوك” حول الإسلام وتعاليمه، والجوابات الشافية مستمدة من العقل والفكر والعلم والدين حول التساؤلات المثارة ضد الإسلام. ومنها ما تكلم فيها حكمة الله في خلقه، ومنها ما تتعلق بالمعجزة والعلم، مبينا أن الدين والعلم ليسا ضدين، بل يسيران جنبا إلى جنب في انسجام وتكامل، ومنها ما يتعلق بتفسير طريف لبعض آيات القرآن الكريم. وغيرها بأسلوب يمزج بين البصيرة الإيمانية والرؤية العقلية.
والمقالات التي تشتمل عليها هي: “لم يلد ولم يولد”، “إذا كان الله قدّر عليّ أفعالي فلماذا يحاسبني؟”، و”لماذا خلق الله الشر؟”، و”وما ذنب الذي لم يصله قرآن؟”، و”الجنة والنار” و”هل الدين أفيون؟”، و”حكاية الإسلام مع المرأة”، و”الروح” و”الضمير”، و”هل مناسك الحج وثنية؟”، و”لماذا لا يكون القرآن من تأليف محمد؟”، و”القرآن لا يمكن أن يكون مؤلفا”، و”شكوك”، و”موقف الدين من التطور”، و”كلمة لا إله إلا الله”، و”كهيعص”، و”المعجزة”، و”معنى الدين”، و”فزنا بسعادة الدين وفزتم بالأوهام”،.[iv]
الدوافع وراء التأليف: من خلال دراسة فصول الكتاب وتحليل مضامينه، ظهر لي بوضوح أن المؤلف سعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المهمة، من أبرزها:
الرد بأسلوب منهجي على المشككين في أركان الإسلام وعقائده النقية، مع شرح الحكمة الإلهية في تشريعها، وتوضيح دورها في بناء الفرد والمجتمع.[v]
تفنيد أطروحات العلمانيين ونظرية داروين بطريقة علمية دقيقة، بالإضافة إلى الرد على الفلسفة الماركسية وفكر كارل ماركس بالحجج العقلية والنقلية.[vi]
الإسلام قضى على نظام الرق والجواري الذي كان رائجا من قبل، ولم يعززه ولم يروجه كما ينتقد أعداء الإسلام عليه، بأسلوب حكيم يتماشى مع فطرة الإنسان.[vii]
إثبات أن القرآن من عند الله وليس من تأليف النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال عرض أدلة عقلية ونقلية بطريقة مبتكرة جذابة.[viii]
تقديم رؤية جديدة في تفسير الحروف المقطعة الواردة في أوائل السور القرآنية، بأسلوب فريد قل من سبق إليه.[ix]
السعي إلى بيان أن الدين والعلم ليسا شيئين متضادين، بل يسيران جنبا إلى جنب، من خلال ربط المفاهيم الدينية بالاكتشافات العلمية.[x]
الدفاع عن المرأة وبيان مكانتها الرفيعة في الإسلام، مستدلا بالقرآن الكريم والسنة النبوية والعقل، ومؤكدا أن الإسلام أعطاها حقوقها كاملة ولم يظلمها.[xi]
معالجة الشبهات والافتراءات التي يروج لها أعداء الإسلام، والرد عليها بوضوح ومنطق متزن.[xii]
من خلال هذه الأهداف تعكس عمق رؤية المؤلف وحرصه على خدمة الإسلام والرد على التحديات الفكرية المعاصرة بأسلوب علمي متوازن.
النهج المتبع: أما إذا نظرنا إلى أسلوب هذا الكتاب فنجد أساليب عديدة منها أسلوب سهل ممتع جذّاب، وكذلك نجد أنه يستدل بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوي، ومن نصوص الكتب السماوية، وكذا نجد أنه استخدم الاصطلاحات العلمية والطبية، بل بعض المقالة يغلب عليها طابع علمي وغيرها من الأساليب المختلفة. بعد تتبع الكتاب من البداية إلى النهاية نجد أن هذا الكتاب يشتمل على عدة أساليب استخدمها الدكتور مصطفى محمود لتوضيح أفكاره والرد على الشبهات حول الدين، ومن أهم هذه الأسباب:-
أسلوب الحوار: اتخذ الكاتب أسلوب النقاش بينه وبين صديقه الملحد، فكان الصديق يوجّه سؤالا وهو يجيب عليه، مما جعل الفكرة سهلة الفهم وجذابة للقارئ.
الأسلوب العقلي والفلسفي: ولجأ إلى التفكير العقلي والمنطقي ليوضّح الدين وعقائده الخالصة، بطريقة تجمع بين السهولة والعمق.
الأسلوب العلمي: ساق براهين من العلم مثل الفيزياء والأحياء والكون، ليثبت أن هناك خالقا لهذا الكون، وأن العلم لا يتعارض مع الدين.
الأسلوب التأملي والأدبي: استخدم تعبيرات جميلة وتأملات عميقة تجعل القارئ يفكر في الحياة والموت والكون.
الأسلوب النقدي: تناول أفكار الإلحاد والمادية، وبيّن أخطاءها وتناقضاتها بشكل محترم وواضح.
الأسلوب البسيط والواضح: لقد صاغ الكتاب بلغة سهلة بعيدا عن التعقيد، حتى يتمكن القارئ من فهم الكتاب، سواء كانوا من المتخصصين أو الغير من المتخصصين.[xiii]
هذه هي بعض من الأساليب التي اهتديت إليها بعد الإمعان الشديد في الكتاب.
الملاحظات النقدية: إن هذا الكتاب لم يخل من المؤاخذة، نذكر من بعض المؤاخذ، وهي كما يلي:-
ذكر الكاتب بعض الأحاديث النبوية دون الإشارة إلى مصادرها الأصلية[xiv]. واستدل بآيات من القرآن الكريم بدون التخريج في بعض الأماكن. وكذا استشهد بالشعر غير التخريج.[xv]
الاستدلال ببعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، مما يضعف من حجية الاستنتاجات المبنية عليها.[xvi]
الاعتماد على مواد مأخوذة من كتب سماوية وتاريخية دون توثيق مصادرها بشكل دقيق.[xvii]
تفسير مفهوم بعض آيات من القرآن الكريم وألفاظه بأسلوب علمي بحت، قد يفهم منه ما يخالف مقاصد الشريعة وتعاليم القرآن والسنة.[xviii]
الإكثار من استخدام المصطلحات العلمية والطبية والفلسفية، مما قد يصعب على القارئ غير المتخصص إدراك المعنى المقصود بسهولة.[xix]
الميل الواضح إلى تقديم العقل على النقل، حيث يرجح الكاتب الرأي العقلي في مواضع يستحسن فيها الاعتماد على النصوص الشرعية.
جمل مؤثرة استوقفتني في الكتاب: قام الدكتور بتحليل عض أركان الإسلام وشعائره من منظور عقلي عميق، فرغم أننا نؤدي الفرائض من صلاة وزكاة وصوم وحج، إلا أننا كثيرا ما نغفل عن الحكم والمعاني الكامنة وراء هذه العبادات. ومن خلال مقالاته، فتح لنا الدكتور آفاقا جديدة لفهم الدين، مقدما أفكارا وعبارات تنقلنا إلى عالم أوسع وأعمق من مجرد الممارسة الشكلية.
لقد تصدى للانتقادات والشبهات التي وجهت إلى الإسلام، ففنّدها بأسلوب علمي، وأزال الغموض عنها، مما أتاح لنا فرصة لفهم ما نقوم به من عبادات في ضوء العقل والمنطق. وأبدع في توضيح معنى “المعجزة” والحروف المقطعات. امتاز أسلوبه بالسلاسة والجاذبية، وزاد من أثره استخدامه لعبارات فكرية أثارت فينا الشغف والاهتمام. وفيما يلي أستعرض بعضا من العبارات الملهمة.
يكتب الدكتور في مقالة “إذا كان الله قدّر عليّ أفعالي فلماذا يحاسبني؟” “إن أتفه المقدمات ممكن أن تؤدي إلى أخطر النتائج.. وأخطر المقدمات ممكن أن تنتهي إلى لا شيء.. وعالم الغيب هو الذي يعلم قيمة كل شيء” ..[xx]
ويكتب في مقالة “الصيام” “الله أعطانا الحرية أن نعلو على رضاه (فنعصيه) . ولكن لم يعط أحدا الحرية في أن يعلو على مشيئته” ..[xxi]
ويكتب في مقالة “هل الدين أفيون؟” “والتفاوت بين الناس حقيقة جوهرية. ولم تستط الشيوعية أن تلغي التفاوت. ولم يقل حتى غلاة المادية والفوضوية بالمساواة. والمساواة غير ممكنة فكيف نساوي بين غير متساويين”.[xxii]
يكتب في مقالة “حكاية الإسلام مع المرأة” فيقول: “ويمكن أن نتصور حال أمة نساؤها في الشوارع والمكاتب وأطفالها في دور الحضانة والملاجئ.. اتكون أحسن حالا أو أمة النساء فيها أمهات وربات وبيوت والأطفال فيها يتربون في حضانة أمهاتهم والأسرة فيها متكاملة الخدمات”.[xxiii]
ويكتب في مقالة ” كلمة لا إله إلا الله” “إن لا إله إلا الله” لمن يعمل بها وليست لمن يشقشق بها لسانه، “لا إله إلا الله” منهج عمل وخطة حياة وليست مجرد حروف.”[xxiv]
هذه هي بعض الأمثلة لجمل فكرية، والكتاب كله مملوء باللآلي والجواهرات من الفكر في بيان حكمة ما فرض الله لنا من الأوامر والنواهي، ويأخذ بيد القارئ ويدخل في عالم جديد، فالقارئ يعرف كيف ينظر في الأشياء والأمور.
الاستنتاجات: الكتاب من أشهر مؤلفات الدكتور، إنه مجموعة من المقالات للدكتور مصطفى محمود، التي كتبها وفنّد فيه دسائس أعداء الإسلام. وأزال الشبهات حول الإسلام، ورد على العلمانيين وفلسفة دارون وغيرها، بالاستدلال من القرآن والسنة وشيئا من التاريخ، والعقل والعلم، وقد اعتمد الدكتور في ردوده على منطق عقلي فلسفي، يجمع بين الحجة العقلية، والفطرة السليمة، والنظر في الواقع، دون أن يغفل بعض الإشارات إلى المعاني الإيمانية والشرعية، وقد كانت أبرز مميزات ردوده هو وضوح الأسلوب، وقوة العرض، وربط الفكرة بالمثال الواقعي والحياتي، مما يجعل القارئ قادرا على التفاعل مع القضايا المطلاوحة وفهمها بسهولة. ومع ذلك فإن بعض المواضع في الكتاب كان يمكن تعزيزها بدقة أكبر من حيث التوثيق الشرعي والعمق العقدي.
وبالجملة، فإن كتاب “حوار مع صديقي الملحد” يعد من أبرز الكتب العربية التي خاطبت الإلحاد خاصة والعقل عامة بلغة المنطق والعقل، وهو يستحق أن يكون محل دراسة وتأمل في المحافل العلمية والدعوية، لما فيه من نماذج راقية في الحوار والجدال الحسن، ومنهجية متوازنة في التعامل مع الشبهات، تحجمع بين الحمكة والموعظة الحسنة. بعد قراءة الكتاب نحن نستطيع أن نجد جوابا شافيا على بعض أسئلة تجري فينا حول بعض أعمال الشريعة من الناحية العقلية والعلمية، نحو الصيام والزكوة والرمي والذبح والطواف وغيرها، وكذا نجيب بمن يثير السؤال حول تعاليم الإسلام.
الحقيقة التي لفتت انتباهي هي ربط الكاتب لكل شرح بأحداث واقعية، ويجعلك تقارن بين ذلك الواقع الذي عاشه وواقعنا الحالي، وبين الأشخاص الذين التقاهم وحاورهم، وبين أناس نلتقيهم كل يوم ونجادلهم، بعد قراءة الكتاب ستتهيأ لتناقش سلوكاتك أكثر وتطلق العنان لعقلك ليتدبر أكثر، لقلبك ليتفقه أكثر. وكان الدكتور يقدم العقل على النقل، وفسر بعض الآيات تفسيرا علميا بحتا، لكن علينا أن نقرأ الكتاب ونتعامل مع مؤلفه الدكتور على أساس أن الرجل رجل فيلسوف ليس رجل دين، وكذا نفهم أن الدكتور إنسانا مسلما مجتهدا يجتهد في تعليم دينه، فيصيب مرة، ويخطئ أخرى، وليس عالما يؤخذ منه أحكام الشريعة.
قائمة المصادر والمراجع:
د. مصطفى محمود، الإسلام.. ماهو ؟؟، دار المعارف، القاهرة، مصر.
د. مصطفى محمود، حوار مع صديقي الملحد، دار العودة، مصر، 1986م.
كنتُ دائمًا أنصّب نفسي حكمًا، ولا أدري لماذا أفعل ذلك، وأُردِّد: لا يمكن للغاية أن تُبرِّر الوسيلة. غير أنني عاصرتُ مواقف جعلتني أقول إن الغاية قد تُبرِّر الوسيلة في بعض الأحيان. ولسنا مكلَّفين بمحاسبة أحد، ولا بتنصيب ميزان لأحد، بل ينبغي لنا أن نحمدَ اللهَ عزّ وجلّ إذ لم يجعل له شريكًا في الملك، وأنه وحده المكلَّف بنصب الميزان والحساب، وأن مقاليدَ الجنةِ والنارِ بيده وحده.
الحدث الأول: تجارة المحظورات ما هذا الذي يفعله ابنك؟ يُتاجر في المحظور، ويُفسد أبناء الحيّ بفعلته هذه! ألم تخجلي من فعلته؟ لو أنكِ تولّيتِ تربيته كما ينبغي، لما فعل ذلك. اذهبي إلى الجحيم أنتِ وابنكِ هذا! في بادئ الأمر كنتُ بالفعل أخجل، وكنتُ أؤنّبه على فعلته، وأُلقي عليه اللوم، وأنتحب، وأقول له: ليتك ما كنتَ ابني، ليتني تركتك وذهبت كما فعل أبوك! لماذا أصررتُ على بقائك معي؟
كان ينظر إليّ بمرارة، ويُشيح بوجهه عنّي. كنت أسمع صدى صوتي وهو يتردّد في الأفق، وكأنه يقول: هذا كل ما تستطيعين فعله؟ أن تتركيني وتذهبي؟ دون أن تُكلّفي نفسك عناء التبرير، أو أن تقطعي وعدًا بألّا يتكرر ذلك مرةً أخرى؟ كنتُ في كل مرة يأتيني أحدهم وينهرني، أذهب إليه فأُوبّخه على ما يتسبب فيه من ضرر، إلى أن صرخ في وجهي ذات مرة: كفى، كفى يا أمي! لقد طفح الكيل.
هل وجدتِ لي سبيلًا لأكسب قوت يومي من الحلال ولم أفعل؟ هل وجدتِ من يرأف بحالي حين تركنا أبي وأنا طفل صغير ولم أفعل؟ ألم تتذكري حين أصررتُ على عمّ صابر البقّال أن يُوظّفني لديه، وأخبرته أن أبي تركني، وأنني أريد مساعدتك في نفقات تعليمي؟ وحين وافق أن يُشغّلني إلى جانب دراستي، كيف كان يُعاملني؟ كيف كان ينهرني؟ كان يُعطيني القليل، وكنتُ أتحمّل، متذكّرًا كلماتك: “نواة تُسند الزير”.
وفي آخر الأمر، ماذا فعل بعد طول تحمّلي وصبري على إهانته؟ طردني من العمل، ورفض أن أعمل لديه. ألم تتذكري كيف كان يُوبّخك ويُوبّخني حين أمرض وأتغيّب عن العمل؟ من ساعدني يا أمي؟ من وقف بجانبي؟ لم أجد سوى تجارة المحظورات؛ تعطيني الكثير، وتستهلك القليل من الوقت، كي أستطيع المواظبة على دراستي.
انتَحبتُ، وقلتُ: وماذا ستُفيدك دراستك؟ وفي أي لحظة قد يتم القبض عليك؟ ساد الصمت لحظات، ثم نظر إليّ بمرارة، وأخذ نفسًا طويلًا، وقال: من يُخبرونك بأنني فاسق… هم من دفعوني دفعًا إلى الفسق.
الحدث الثاني: تمردت
تركتِ ابنتكِ المنزل وهربت! هذه هي تربيتك لها؟ هذا هو حصاد دلالك المفرط! لقد ألحقتِ بنا العار. لو رأيتها لقتلتها لما فعلته!
ألم تهرب ابنتي بسبب فرط قسوتك عليها؟ كم مرة كنتُ أُحدّثك وأقول لك: أختكِ ليس لها من يغمرها بالحنان. توفّي أبوك، ولم تتزوج، ولا أحد لها غيرنا. ارفق بها، لا تقسُ عليها؛ فإن لم تجد الحنان منك، ستبحث عنه خارج جدران هذا المنزل. كنتَ تنهرني، وتأمرني بالصمت، مرددًا: أنا أعلم أن دلالك المفرط هو ما يُفسدها.
لقد دفعتها إلى الشارع دفعًا، لعلها تجد من يحنو عليها، وإن لم تجد، تتعلم أن من لا يجد الحنان في البيت لن يجده خارجه. مرّت الأيام، ولم أسمع عنها شيئًا، سوى أن أخبرني أحدهم ـ بتحقير ـ: ابنتكِ تُقيم في أحد بيوت الرذيلة. هذه تربيتك لها؟ ما أحقرها! سألتُه أن يُخبرني بمكانها، لأذهب إليها وأُعيدها، وأُعيد تربيتها. ربما أخطأتُ في تربيتي لها.
وحين ذهبتُ إليها وأحضرتها، انهلتُ عليها سبًّا وضربًا. لم تُحرّك ساكنًا، وكنتُ أنتَحب قهرًا: خسارة تعبي فيكِ، وخسارة عمري الذي ذهب هباءً. لماذا فعلتِ هذا بي؟ أكنتُ أستحق أن تفعلي هذا الفعل المشين؟
بعد صمتٍ قصير، ردّت قائلة: أفرغتِ كل ما في صدرك؟ أخرجتِ الشحنة كاملة؟ ألم يكن أخي السبب؟ ألم يكن ربّ العمل السبب؟ منذ اللحظة التي خرجتُ فيها من المنزل، كنتُ أعلم إلى أين سأتجه.
ماذا كنتِ تريدين مني؟ مديري في العمل كان يضايقني ويُعطيني القليل، وأخي كان ينهرني في البيت. فقررتُ أن أعمل عملًا يُدرّ عليّ مقابلًا أكبر، وأن أعيش مثل بقية فتيات جيلي.
لم أرتقِ الجوارب بعد اليوم، ولم ألبس المهترئ، ولم أُحبس بين جدران هذا المنزل أبكي حالي كل ليلة. لم أختر أسهل الطرق، ولو وجدتُ من يُهوّن عليّ تعبي في نهاية اليوم، أو حتى يتركني وشأني، ما كنتُ فعلتُ ذلك.
ليست هناك عدالة في هذه الحياة، يا أمي. الفتاة منذ قديم الأزل تُعامل كأنها نكرة، وعار، ويجب وأدها. وحين تتحسّن أحوالنا قليلًا، ويقلّ الودّ، يُعاد إهانتنا بصورة أبشع.
يقولون: احمدي الله أننا تركنا لكِ حق الحياة. كُلي مما يُقدَّم لكِ، ولا تقولي رأيك، ولا ما تريدين وما لا تريدين. نُرغم على الزواج، ونُجبر على تحمّل أزواج قساة، حتى لا يتركونا مع أطفالنا نُعاني وحدنا، ونكون عرضة لذئاب بشرية تُنهشنا.
يريدون تزويجنا ليتخلّصوا من عبئنا، ويخشون أن يفوتنا القطار، بينما الرجل لا يخشى شيئًا؛ يتزوج متى شاء، وينجب ولو بلغ الستين، ويمسك بزمام الأمور كلها.
وإن اعترضتِ الفتاة على قسوته، قيل لها: احمدي الله أنه وجد من يعفّك. وله كامل الحق في الخيانة والرذيلة، فهو رجل، ولا يُعيبه شيء.
اليأس يا أمي… اليأس قاتل. لا تعلمين كيف ينبش الروح نَبشًا، كما تفعل الذئاب. اتركيني وشأني، ودعيني وحدي أُعاقَب على ما أفعل.
ولا يسعني أن أقول إن كل من سلك هذا الطريق مرّ بالمعاناة نفسها؛ فهناك من لم يُحاول واختار الأسهل. لكنني حين رأيت هذه النماذج، تعلّمت الصمت فيما لا أُحيط به علمًا، وأيقنت أنني في حضرة الله عزّ وجل، وأنني معصومة لا أكثر.
لا أعلم لو كنتُ مكانهم ماذا كنتُ سأفعل؛ فاليأس، والجوع، والقسوة أدوات قاتلة… تشبه الموت البطيء.
شهدت الساحة الفكرية في الهند مناظرة لافتة بين المفتي شمائل الندوي، أحد الوجوه العلمية المعروفة في الخطاب الإسلامي، والملحد جاويد أختر الذي يمثل اتجاها فكريا ماديا ناقدا للدين. وقد اكتسبت هذه المناظرة أهميتها لا من طبيعة أطرافها فحسب، بل من السياق الهندي الخاص حيث يتداخل التعدد الديني مع الجدل الفلسفي حول الإيمان والإلحاد.
اعتمد المفتي شمائل الندوي في دفاعه عن الإيمان بالله على حجة الإمكان والوجوب، وهي من أعمق الحجج العقلية التي صاغها الفلاسفة المسلمون، وفي مقدمتهم ابن سينا، ثم وجدت صداها لاحقا في الفلسفة الغربية. تنطلق هذه الحجة من تحليل الوجود ذاته، لا من النصوص الدينية، ما يجعلها صالحة للحوار مع التيارات الإلحادية التي ترفض الاحتجاج بالنقل.
أوضح المفتي شمائل الندوي أن الموجودات التي نعاينها في الكون كلها ممكنة الوجود، أي إن وجودها ليس واجبا بذاته، وكان يمكن – من حيث العقل – ألا توجد. وهذا الإمكان دليل على افتقارها إلى علة تخرجها من حيّز العدم إلى حيّز الوجود. وبذلك فإن الكون بأسره، بما يضمه من ظواهر مادية وقوانين طبيعية، لا يمكن أن يكون مفسرا لوجوده بذاته.
وفي مواجهة طرح جاويد أختر القائم على الاكتفاء بالتفسير المادي أو اعتبار الوجود «معطى بلا سبب»، شدّد المفتي الندوي على أن مجموع الممكنات لا يغني عن العلة، لأن الجمع بين أشياء مفتقرة لا ينتج غنى ذاتيا. ومن هنا انتقل إلى النقطة المركزية في الحجة، وهي ضرورة الإقرار بوجود واجب الوجود، الذي لا يحتاج في وجوده إلى غيره، ويكون وجوده عين ذاته. كما تناولت المناظرة مسألة التسلسل اللانهائي للعلل، حيث بين المفتي الندوي أن افتراض سلسلة لا نهائية من الموجودات الممكنة لا يقدم تفسيرا حقيقيا للوجود، بل يؤجل السؤال ولا يجيب عنه. فالعلة النهائية لا بد أن تكون موجودا غير محتاج، وإلا بقي الوجود بلا تفسير معقول.
وتتجلى خصوصية هذه المناظرة في كونها جرت في الهند، البلد الذي يضم تنوعا دينيا وفلسفيا واسعا، حيث يتجاور الإيمان التقليدي مع النزعات الإلحادية الحديثة. وفي هذا السياق، برز خطاب المفتي شمائل الندوي بوصفه محاولة لإعادة تقديم الفكر الإسلامي بلغة عقلية كونية، تتجاوز الخصوصية الدينية إلى مخاطبة الإنسان بما هو إنسان. وفي المقابل، مثل جاويد أختر صوت التيار الإلحادي الذي يرى أن الدين نتاج اجتماعي أو نفسي، غير أن المناظرة كشفت محدودية هذا الطرح حين يواجه أسئلة الوجود الكبرى، مثل: لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ وهو السؤال الذي تعد حجة الإمكان والوجوب من أكثر الإجابات الفلسفية تماسكا عليه.
وإن هذه المناظرة لم تكن مجرد سجال فكري، بل نموذجا لحوار عقلانيٍ في فضاء تعددي، أكد فيه الفكر الإسلامي قدرته على محاورة الإلحاد بأدوات فلسفية رصينة، وفي مقدمتها حجة الإمكان والوجوب، التي ما زالت تحتفظ بقوتها الإقناعية في مواجهة الأسئلة الوجودية المعاصرة.