هل الغاية تُبرر الوسيلة؟

كنتُ دائمًا أنصّب نفسي حكمًا، ولا أدري لماذا أفعل ذلك، وأُردِّد: لا يمكن للغاية أن تُبرِّر الوسيلة. غير أنني عاصرتُ مواقف جعلتني أقول إن الغاية قد تُبرِّر الوسيلة في بعض الأحيان. ولسنا مكلَّفين بمحاسبة أحد، ولا بتنصيب ميزان لأحد، بل ينبغي لنا أن نحمدَ اللهَ عزّ وجلّ إذ لم يجعل له شريكًا في الملك، وأنه وحده المكلَّف بنصب الميزان والحساب، وأن مقاليدَ الجنةِ والنارِ بيده وحده.


الحدث الأول: تجارة المحظورات
ما هذا الذي يفعله ابنك؟ يُتاجر في المحظور، ويُفسد أبناء الحيّ بفعلته هذه! ألم تخجلي من فعلته؟ لو أنكِ تولّيتِ تربيته كما ينبغي، لما فعل ذلك. اذهبي إلى الجحيم أنتِ وابنكِ هذا! في بادئ الأمر كنتُ بالفعل أخجل، وكنتُ أؤنّبه على فعلته، وأُلقي عليه اللوم، وأنتحب، وأقول له: ليتك ما كنتَ ابني، ليتني تركتك وذهبت كما فعل أبوك! لماذا أصررتُ على بقائك معي؟

كان ينظر إليّ بمرارة، ويُشيح بوجهه عنّي. كنت أسمع صدى صوتي وهو يتردّد في الأفق، وكأنه يقول: هذا كل ما تستطيعين فعله؟ أن تتركيني وتذهبي؟ دون أن تُكلّفي نفسك عناء التبرير، أو أن تقطعي وعدًا بألّا يتكرر ذلك مرةً أخرى؟ كنتُ في كل مرة يأتيني أحدهم وينهرني، أذهب إليه فأُوبّخه على ما يتسبب فيه من ضرر، إلى أن صرخ في وجهي ذات مرة: كفى، كفى يا أمي! لقد طفح الكيل.

هل وجدتِ لي سبيلًا لأكسب قوت يومي من الحلال ولم أفعل؟ هل وجدتِ من يرأف بحالي حين تركنا أبي وأنا طفل صغير ولم أفعل؟ ألم تتذكري حين أصررتُ على عمّ صابر البقّال أن يُوظّفني لديه، وأخبرته أن أبي تركني، وأنني أريد مساعدتك في نفقات تعليمي؟ وحين وافق أن يُشغّلني إلى جانب دراستي، كيف كان يُعاملني؟
كيف كان ينهرني؟ كان يُعطيني القليل، وكنتُ أتحمّل، متذكّرًا كلماتك: “نواة تُسند الزير”.

وفي آخر الأمر، ماذا فعل بعد طول تحمّلي وصبري على إهانته؟ طردني من العمل، ورفض أن أعمل لديه. ألم تتذكري كيف كان يُوبّخك ويُوبّخني حين أمرض وأتغيّب عن العمل؟ من ساعدني يا أمي؟ من وقف بجانبي؟ لم أجد سوى تجارة المحظورات؛ تعطيني الكثير، وتستهلك القليل من الوقت، كي أستطيع المواظبة على دراستي.

انتَحبتُ، وقلتُ: وماذا ستُفيدك دراستك؟ وفي أي لحظة قد يتم القبض عليك؟ ساد الصمت لحظات، ثم نظر إليّ بمرارة، وأخذ نفسًا طويلًا، وقال: من يُخبرونك بأنني فاسق… هم من دفعوني دفعًا إلى الفسق.


الحدث الثاني: تمردت

تركتِ ابنتكِ المنزل وهربت! هذه هي تربيتك لها؟ هذا هو حصاد دلالك المفرط! لقد ألحقتِ بنا العار. لو رأيتها لقتلتها لما فعلته!

ألم تهرب ابنتي بسبب فرط قسوتك عليها؟ كم مرة كنتُ أُحدّثك وأقول لك: أختكِ ليس لها من يغمرها بالحنان. توفّي أبوك، ولم تتزوج، ولا أحد لها غيرنا. ارفق بها، لا تقسُ عليها؛ فإن لم تجد الحنان منك، ستبحث عنه خارج جدران هذا المنزل. كنتَ تنهرني، وتأمرني بالصمت، مرددًا: أنا أعلم أن دلالك المفرط هو ما يُفسدها.

لقد دفعتها إلى الشارع دفعًا، لعلها تجد من يحنو عليها، وإن لم تجد، تتعلم أن من لا يجد الحنان في البيت لن يجده خارجه. مرّت الأيام، ولم أسمع عنها شيئًا، سوى أن أخبرني أحدهم ـ بتحقير ـ: ابنتكِ تُقيم في أحد بيوت الرذيلة. هذه تربيتك لها؟ ما أحقرها! سألتُه أن يُخبرني بمكانها، لأذهب إليها وأُعيدها، وأُعيد تربيتها.
ربما أخطأتُ في تربيتي لها.

وحين ذهبتُ إليها وأحضرتها، انهلتُ عليها سبًّا وضربًا. لم تُحرّك ساكنًا، وكنتُ أنتَحب قهرًا: خسارة تعبي فيكِ، وخسارة عمري الذي ذهب هباءً. لماذا فعلتِ هذا بي؟ أكنتُ أستحق أن تفعلي هذا الفعل المشين؟

بعد صمتٍ قصير، ردّت قائلة: أفرغتِ كل ما في صدرك؟ أخرجتِ الشحنة كاملة؟ ألم يكن أخي السبب؟ ألم يكن ربّ العمل السبب؟
منذ اللحظة التي خرجتُ فيها من المنزل، كنتُ أعلم إلى أين سأتجه.

ماذا كنتِ تريدين مني؟ مديري في العمل كان يضايقني ويُعطيني القليل، وأخي كان ينهرني في البيت. فقررتُ أن أعمل عملًا يُدرّ عليّ مقابلًا أكبر، وأن أعيش مثل بقية فتيات جيلي.

لم أرتقِ الجوارب بعد اليوم، ولم ألبس المهترئ، ولم أُحبس بين جدران هذا المنزل أبكي حالي كل ليلة. لم أختر أسهل الطرق، ولو وجدتُ من يُهوّن عليّ تعبي في نهاية اليوم، أو حتى يتركني وشأني، ما كنتُ فعلتُ ذلك.

ليست هناك عدالة في هذه الحياة، يا أمي. الفتاة منذ قديم الأزل تُعامل كأنها نكرة، وعار، ويجب وأدها. وحين تتحسّن أحوالنا قليلًا، ويقلّ الودّ، يُعاد إهانتنا بصورة أبشع.

يقولون: احمدي الله أننا تركنا لكِ حق الحياة. كُلي مما يُقدَّم لكِ، ولا تقولي رأيك، ولا ما تريدين وما لا تريدين. نُرغم على الزواج، ونُجبر على تحمّل أزواج قساة، حتى لا يتركونا مع أطفالنا نُعاني وحدنا، ونكون عرضة لذئاب بشرية تُنهشنا.

يريدون تزويجنا ليتخلّصوا من عبئنا، ويخشون أن يفوتنا القطار، بينما الرجل لا يخشى شيئًا؛ يتزوج متى شاء، وينجب ولو بلغ الستين، ويمسك بزمام الأمور كلها.

وإن اعترضتِ الفتاة على قسوته، قيل لها: احمدي الله أنه وجد من يعفّك. وله كامل الحق في الخيانة والرذيلة، فهو رجل، ولا يُعيبه شيء.

اليأس يا أمي… اليأس قاتل. لا تعلمين كيف ينبش الروح نَبشًا، كما تفعل الذئاب. اتركيني وشأني، ودعيني وحدي أُعاقَب على ما أفعل.

ولا يسعني أن أقول إن كل من سلك هذا الطريق مرّ بالمعاناة نفسها؛ فهناك من لم يُحاول واختار الأسهل. لكنني حين رأيت هذه النماذج، تعلّمت الصمت فيما لا أُحيط به علمًا، وأيقنت أنني في حضرة الله عزّ وجل، وأنني معصومة لا أكثر.

لا أعلم لو كنتُ مكانهم ماذا كنتُ سأفعل؛ فاليأس، والجوع، والقسوة أدوات قاتلة… تشبه الموت البطيء.