مكالمة هاتفية محفورة في الذاكرة: تأملات في أثر الفقد ورحلة الصبر

كنت في نوم عميق حين رنَّ الهاتف رنيناً اخترق هدوء الليل وسكونه، ففتحت عينيَّ بصعوبة، ومددت يدي إليه لأرى من ذا الذي يطلبنا في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولكن لم تكن الشاشة تُظهر اسماً، فأدركت للتوِّ أن المتصل ليس ممن حُفظت أرقامهم في ذاكرة الهاتف، لكنني أجبت ظناًّ مني أن أحداً لن يتصل في مثل هذه الساعة إلا لأمرٍ هامٍّ، رُبَّما يحمل خبراً عاجلاً لا يتحمل التأجيل إلى مطلع الفجر؛ وكانت الساعة حينها تقارب الثانية والنصف بعد منتصف الليل حسبما أتذكر.

على كل حال، ضغطت على أيقونة القبول وجِلةً، فإذا كان على الطرف الآخر أحد زملاء والدي، يطلبُ محادثته على الفورِ لنبأٍ عاجلٍ، موضِّحاً أنه حاولَ مراراً الاتصال به عبر رقمه الخاصِ دون جدوى، لذا اضطُر لمهاتفتنا على رقمِ المنزل، فأخبرتُه بأنه شدَّ الرحال إلى قريتنا لزيارةِ أبويه الكريمين (جدنا وجدتنا) بمناسبة عيد الأضحى، وأنَّ الشبكة هناك تحول دون التواصل الميسر؛ وسألتُه أن يُطلعني على الأمر لأوصِله إليه عبر هاتف جدتي. فوافق، وما إن أفضى بذلك الخبر حتى وجمتُ لثوانٍ، وتجمدتُ في مكاني لشدةِ المَصابِ وثقلِ الوقع، وتمنيتُ بشدةٍ لو كان ما سمعتُه محضَ كذبٍ. انقطع الاتصال، وكانت والدتي النائمةُ بجواري قد استيقظت على رنينِ الهاتف وما تبعه من حديث، فأخبرتُها بما تلقيتُ من نبأٍ عظيم، ولم يكن شعورها مختلفاً عما انتابني لأولِ وهلةٍ حين سماعِ ذلك الخبرِ المؤلم. 

فارق النوم أجفانَنا، وكيف لا يفارق! وهل يُرجى النوم وقد زُلزِلَ كيان أسرة كاملة من جذورها في لمحِ البصرِ إثرَ حادثة فاجعة بينما نهنأُ بالنومِ كأن لم يحدث شيء، والله لا يقدرُ على تجاوزِ هذا الموقفِ أيُ شخصٍ يحملُ في قلبهِ ذرةً من إيمان واحتساب؛ فالدين الذي يقول: “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهم مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائرُ الجَسِدِ بالسَّهرِ والحُمَّى” (رواه مسلم)، كيف يمكن لأتباعهِ أن يسمعوا بابتلاء أسرة منهم بهذا المصاب العظيم، ثم يمرُّوا مرورَ الكرامِ كأن لم يكن؟

استندتُ أنا وأمي في مخدعنا، وقد جافى النومُ أعيننا إثرَ ذلك الخبر الصادم؛ فراحت الذكريات تهرع إلينا، مستحضرةً تلك الأسرة العزيزة، وراجعةً بنا إلى وقت زيارتنا القصيرةِ لهم، التي لم تدم سوى بضع ساعات. كان ذلك حينما حططنا رحالنا في مدينة (حيدر آباد) في طريق عودتنا من جزر (أندمان ونيكوبار) إلى دلهي؛ فما إن وصله نبأ نزول زميله – والدي- في مدينته، حتى سارعَ بدعوته بغاية من المحبة والتقدير لزيارة منزله وتناول الغداء معه، ولم تكن دعوته مجردَ مجاملةٍ عابرة؛ إذ وصل في صباح اليوم التالي بسيارته إلى دار الضيافة لجامعة “إيفلو” جامعة اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية، حيث كنا نقيم، ليصحبنا إلى بيته.

وهناك، استقبلتنا أسرته بحفاوةٍ بالغة، واستضافتنا بأشهى الأطباق وألذِّ الأطعمة، وخاصة المأكولات التي تشتهر بها مدينة حيدرآباد؛ فقدَّموا لنا “البرياني الحيدرآبادي”، وطبق “باغارة بيغن”، وحلوى “لوكي كي كهير”، وغيرها من الأصناف التي جادت بها مائدتُهم،  وقضينا يوماً ماتعاً عند هذه الأسرة، نتجاذبُ أطراف الحديث معهم، لاسيَّما ابنة الدكتور “زينب” التي لم تكن قد تجاوزت العاشرة من عمرها آنذاك – حسبما أتذكر- مستمتعين بحديثها الطفولي العذبِ المليءِ بالعفوية، وفي المساء، استقللنا سيارته مرة أخرى ليقلَّنا بنفسه إلى مقر إقامتنا من حيث ذهب بنا صباحاً. وطوال الطريق، ذهاباً وإياباً كان هو ووالدي في المقعدين الأماميين، مستغرقين في تناول شؤون العلم والأدب بالبحث، ومناقشة واقع التدريس في جامعتيهما. ولا يفوتني أن أذكر بالمناسبة أن الدكتور (الفقيد) كان بدأ مسيرته المهنية بالتدريس في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة دلهي، قبل أن يتم تعيينه في جامعة مولانا آزاد الوطنية الأوردية حيث كان يشتغل أستاذاً للغة العربية في قسمها العربي إضافةً عن تولِّيه رئاسة القسم وقتئذٍ.

كلُّ شيءٍ بدأ يتراءى أمام أعيننا الآن: صوته، ضحكته، وكلماته التي كانت تقع في آذاننا، ونحن جالسون في المقاعد الخلفية. ورُحنا نفكر في مصير تلك الأسرة التي فقدت سندها وعمادها في هذه الحادثة الفاجعة؛ زوجةٌ كانت تعدُّ الأيام لعودة زوجها الحبيب، وأطفالٌ يترقبون رجوع أبيهم، سيستلمون الآن نعيَه! كيف سيقع هذا الخبرُ المؤلمُ على قلب زوجة فقدت شريك عمرها ورفيق دربها لتبقى وحيدةً في هذا العالم مع ثلاثة أطفال صغار، لا يبلغُ أكبرُهم العاشرة؟ وكيف سيتلقى الصغارُ هذا الخبرَ وهم أحوجُ ما يكونون إلى أبيهم؛ لينشأوا في ظلِّه الظليل، وينعموا برعايتهِ بعيداً عن مشاكل الحياةِ ومصاعبِها؟ هل سيستوعبون ثقل هذا الفقد ومرارة هذا الحرمان، وهم في مرحلة عمرية لا تسمح لهم بوعي هول المأساة؟ أولئك الأطفال الذين كانوا ينتظرون عودته بفارغ الصبر، ومعها ما أمَّلُوه عليه من الألعاب والحلوى والشوكولاته وما إلى ذلك، مَن ذا الذي يجرؤ، وكيف يجرؤ أن يخبرهم الآن أنَّ أباهم لن يعود أبداً؟ وأنهم لن يرتموا في حضنه الدافئ مرة أخرى، ولن يبثُّوه أمنياتهم البريئة أبداً؛ لأن أباهم الغالي قد رحل إلى عالمٍ لا يشبه عالمنا، ولم يمهله القدر حتى ليُسلمهم هداياهم التي اشتراها لهم استجابةً لطلباتهم الرقيقة.

هكذا كانت الأسئلة والأفكار والمشاعر تتزاحم وتتصارع في ذهنينا تجاهَ تلك الأسرةِ الغالية؛ وعلى جانب آخر، كان اليقين يُنبِّهنا أنَّ هذا هو القضاءُ والقدر، وسنةُ اللهِ – عز وجل- في كونه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].

وفي مِثلِ هذه الخطوب، ليس لنا إلا الصبرُ والاحتساب، وألا نقولَ إلا ما يُرضي ربَّنا، مهما بلغتِ الفواجعُ والمصائبُ التي تتقطعُ لها القلوبُ حزناً، وتنفجرُ منها العيونُ عَبَراتٍ.

على أية حال، وقعت تلك الفاجعة وألمَّ بالأسرةِ العزيزةِ ما ألمَّ بها، ثم مضت الأيام مخلِّفةً آثاراً غائرةً في نفوسهم وحياتهم؛ إذ تلك هي سُنّة الحياةِ التي لا يتوقفُ مَسيرُها لشيء. فما ماتَ أحدٌ لموتِ حبيبهِ وإن بدت له الحياةُ بعده مستحيلة، إذ لابدَّ للحيِّ أن يحيى رغم مَرارةِ الفقد. وهذا ما جرى مع تلك الأسرةِ أيضاً؛ إذ تألموا وتعثروا، ثم تجلدوا ونهضوا واستأنفوا المسير.

والآن، وقد مرّ على تلك الفاجعةِ زهاءَ اثني عشرَ عاماً (منذ عام 2014م)، ما زلتُ في كل عامٍ حين تُقبل ليلة عيد الأضحى – وهي ذاتُ الليلة التي تلقيتُ فيها ذلك الاتصال- يتجددُ في مسمعي الرنينُ المرعبُ لذلك الهاتف الذي اخترق سكونَ الليل، حاملاً في طياته خبراً وقعَ علينا كالصاعقة. حينها، أجدُني – عمداً أو دون عمدٍ – أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظات، وأتساءل في حرقة: كيف تلقت تلك الأسرةُ المكلومةُ الخبرَ في تلك الليلة؟ وما مدى الوجع الذي اعتصر قلوبهم لحظة وقوع تلك الكلمات الثقيلة في آذانهم؟ مَن الذي أخبرَ أولئك الأطفال الأبرياء وأوضح لهم أنَّ أباهُم غادرهم دون وداعٍ أو احتضانٍ أخير؟ وكيف تمكَّنت الأسرة من القيام باستكمال الإجراءات الرسمية التي تتطلَّبها الحوادث والفواجع التي تقع في غُربةٍ بعيدةٍ عن الأهلِ والوطن؟ وكيف استأنفوا حياتهم دون سندِهم وكتفِهم الذي كان يقيهم شدائدَ الدهر؟ وكيف واجهوا عواصفَ الحياة وزوابَعها التي تحملها مثل هذه الحوادث في طيَّاتها لأيةِ أسرةٍ؟ خاصةً إذا كان الأطفالُ في مقتبلِ أعمارِهم كما كان حالُهم آنذاك. أسئلة كثيرة تغزو ذهني قبل أن يغلبني النومُ في هذه الليلة، فلا أملكُ إلا أن تلهَج روحي بدعوات من أعماق قلبي بأن يكونوا في أحسن حال وأهنأ بال أينما كانوا؛ فالدعاءُ هو الرابطُ الأقوى، والصلةُ الأسمى، التي تجمعُ بيننا وبين مَن نُحبُّ ونرجو لهم الخير، حين تنقطعُ كافّةُ سُبل الوِصال المادية المتاحة فوق هذه المعمورة.