“هذا فراق بيْني وبينك”… زاد الأب لابنته وقت الوداع

في زمن قريب بعيد، كانت ثَمَّةَ لحظة دافئة شهدها مدخل سكن إحدى المدارس الأهلية الخاصة بالبنات حين قصدها أبٌ يصحب ابنته الَّتِي لم تَكَدْ تتجاوز ربيعها الرابع عشر، ليُلحقها بها تباشر مسيرتها التعليمية الرسمية؛ والذي كان يجري إلى الآن في كنفه وتحت إشرافه في المنزل، ولإضفاء طابع الرسمية على ذلك التعليم المنزلي بشهادات ودرجات معتمدة عن إحدى المؤسسات التعليمية، وقع اختياره على هذه المدرسة الشهيرة التي يقفان في ردهتها الآن.
قدِم كلاهما إلى هنا قبل أسبوعٍ؛ لتحضر البنت امتحان القبول والتسجيل، الذي سيحدِّد مصيرها من الالتحاق بالمدرسة أو عدمه، وحين ظهرت النتيجة كانت في صدارة الناجحين، وكيف لا تكون والأبُ لم يألُ جهداً في تدريسها وتحفيظها كل ما يتطلبه الاستعدادُ، بل وزاد عليه بكثير!، ولا تسأل عن مدى فرحته بنجاحها؛ إذ أسرع بها نحو لوحة النتائج لترى ثمرة جِدِّها بأمِّ عينيها. ويا لَشِدَّة ذهولِها حين وقع نظرُها على قائمة المتقدمات لامتحان السنة الثانية من برنامج العالمية (عالميت)؛ لتكتشف أنها الوحيدة التي اجتازت الامتحان من بين أربع طالبات جلسن للمنافسة.
وبعدئذٍ، مضى الأب يستكمل إجراءات التسجيل، ويشترى ما تنقص ابنته من أساسياتٍ عرف حاجتها من خلال الحديث مع الآباء وأولياء الأمور الذين جاؤوا إلى المدرسة مع فلذات أكبادهم وعائلاتهم من مختلف أنحاء البلاد، على الرغم من أنَّه كان قد اشترى لها جميع الأساسيات المذكورة في دستور العمل الخاص بالمدرسة قبل مجيئهما إلى هُنا. وهكذا انطوت الأيام الستة سريعةً، ليحلَّ اليومُ السابع الأخير؛ يومُ الفراق والوداع. فها هما الآن يجلسان متجاورين في القاعة المخصصة للقاء الطالبات بأهاليهن؛ الأبُ يزوِّدها بنصائحه الغالية، وهي تُصغي إليه في صمتٍ واهتمامٍ، فرغ من حديثه ونهض، فنهضتْ معه، ليقفا وجهاً لوجهٍ عند الباب الخارجي للسكن. هناك، كانت ساعة الفراق تتقدم نحوهما بخطى حثيثة؛ ساعةٌ ستحلُّ بينهما وتحجبُ أحدهما عن عين الآخر لأسابيع بل لشهور، لن يجمعهما خلالها لقاء أو نظرة، وسيغدو الرابط الوحيد بينهما هو رنين الهاتف، وذلك أيضاً في أيام ومواقيت محددة؛ إذ تنصُّ لوائح المدرسة على ألا يَتَمَكَّنَ الآباء وأولياء الأمور من الاتصال بِهِنَّ إلا مرةً واحدةً كل أسبوعين ما بين العصر والمغرب إلا إذا كان هناك خبر مهم وعاجل لا يتحمل التأجيل؛ فهذا هو دستورُ السكن الصارم وضابطُ لوائحه.
وبالفعل، حانت اللحظة الحاسمة، ووقفت حائلةً بينهما؛ الأبُ على وشك المغادرة ليعود وحيداً من حيث أَتَيَا، والبنت ستمكث هنا لتُواصل دراستها. كانت جاهدةً تكتم عبراتها، وتَتَجَلَّدُ كيلا تخونها الدموع في هذا الموقف الصعب، وأحسَّ الأب بمشاعرها الجَيَّاشَةِ في صدرها؛ وكيف لا يحسُّ وهو أبوها، يجري في عروقهما دم واحد! فَرَبَّتَ على كتفيها، ونطق بكلماتٍ مشحونةٍ بالتحفيز والتشجيع لتستمر في مُثَابَرَتِها في طريق العلم، رغم أنه بَيَّنَ لها ذلك مراراً طوال الأيام الماضية الستة، ثم التفتَ نحو الباب خطوةً، وتلا الآية التالية بهدوء ورزانة: “قال هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا” (الكهف: 78)، وألقى سلام الوداع واعداً بزيارة قريبة، ثم مَضَى مُسرعاً دون أن يلتفت للوراء؛ ربما خشية أن تقع عيناه على وجهها الشاحب، فتثقُل عليه خطى الرحيل.
أما هي، فَبَقِيَتْ شاخصةً كالَّتمثال بلا حراك، مُطْرِقةً رأسها لثوانٍ في ذُهُولٍ لم تعدْ تعي معه ما يدور حولها. ثم أفاقتْ، وسارتْ بخطى ثقيلة نحو المبنى السكنيِّ؛ حيث تقع غرف الطالبات اللواتي وَفَدْنَ من شتَّى ولايات البلاد، من كشمير إلى بنغال الغربية، صعدتْ إلى الطابق الأول المعروف بـ “قاعة السيدة عائشة رضي الله عنها” فدخلتْ الغرفة رقم 48، وجلستْ على سريرها، وهو الأول من جهة اليمين في تلك الغرفة التي تَسَعُ اثني عشر سريراً، وانهمكتْ فوراً في ترتيب أشيائها، وتنظيم كتبها ودفاترها وأقلامها ومدادها، وتجاذُبِ أطراف الحديث مع زميلاتها، كأنْ لَم يحدُثْ قبل قليل شيءٌ ذو بال! كأنَّها لم تودِّع قبل قليل أباها لتبقى وحيدةً في مكان غير مألوف لا تأنس إليه ولا يأنس إليها، وكأنَّها لم تفارِقْ بيتاً دافئاً وعائلةً حنونةً كانت تعيش بينهم حُرَّةً طليقةً؛ لتعيش منذ اليوم ملتزمةً بلوائح السكن الصارمة، وتحت رقابة المشرفات اللواتي سيتابعنها الآن على مدار الساعة، ويُسرعن إلى توبيخها وتأنيبها حالما صدر عنها أيُّ إهمال، أو كأنَّها رضيتْ بكل ذلك عن طيب خاطرٍ، لأنها أدركتْ – في أعماقها- أن هذا الفراق، وإن كان ظاهره الألم والحرمان والشعور بالغربة والحنين إلى الأهل والأسرة، إلا أنه يحمل في طيَّاته أسمى المعاني وأشرف الغايات؛ الغاية ذاتها التي تواترت في فضلها الأحاديث الشريفة التي مفادها أنه مَنْ خرج في طلب العلم كان فِي سبيل الله حَتَّى يرجعَ، وأنَّ طالب العلم تستغفر له حيتانُ البحر.
