زهرة بيضاء

تحسس بكفه الصغيرة التربة الندية، فرك حباتها بين أنامله، وانبطح على صدره يغرس أصابعه في التراب الذي يعلو المكان.

جثا على ركبتيه وهو يتحسس بكفه ملمسها في ملمس التربة الندية، ناعمة، مبتلة، يعبق جسدها المسجى في عالمها هناك برائحة تشبه رائحة التراب الندي في ذلك الصباح الخريفي البارد.

كان كثيرا ما يمر على قبرها عابرا طريقا ملتويا حتى لا يصادف جنديا أو ناقلة تحمل العدو، كانت تربتها تمنحه طاقة بها يمضي بعض يومه مع الفصيل في التدرب على القتال هناك في ميدان منعزل عن الأنظار وبعضه في المخيم القابع هناك على مشارف تلة صغيرة لم تكن في مأمن من ضربات العدو.

هو كغيره من كثير من الأولاد الذين فقدوا أمهاتهم وآباءهم وكثيرا من أقاربهم، يعيشون في مجتمع صغير ينتظرون بما تجود عليهم الأيادي الناعمة إذا سمحت لهم القوات الإسرائيلية بإدخال المؤن لضمان حياة لأيام قادمة. إنهم يشترون الحياة ببعض الأرز والدقيق الذي يقذف عليهم من الطائرات أو يصل عبر الشاحنات بشق الأنفس.

لم يكن علاء يهتم لكل هذا بقدر ما كان الحنين يأخذه لأمه كي يلقاها هناك في عالمها السرمدي الجميل يتدرب بكل قوته تحركه طاقة خفية يستمدها من مشهد الركام والدمار ودوي القنابل وأزيز الدبابات. فقد ضاعت كتبه وأقلامه كما ضاعت لكثير من أقرانه وهدمت مدرسته ولم يبق منها سوى سور صغير متهاو يحمل بقية من شعار كتب عليه:

“قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ..”

كان يحفظ البقية كما يحفظها زملاؤه، بل كان يحفظ أبياتا كثيرة من قصيدة شوقي وغيره من الشعراء.

لقد قتلوا فيه ذلك الحس المرهف الذي كاد أن يخرج منه شاعرا يحمل سيف الكلمة في وجه الأعداء، لذلك اختا أن يحمل السلاح في وجهه دفاعا عن أرضه وشعبه وانتقاما لأمه. كان الدوي قويا يقترب من الأرض، وصوت الانفجارات تهز المكان. علاء مكوم في زاوية داخل البيت، يمسك رأسه ويصم أذنيه، ينطق بالشهادة. وأمه غير بعيدة عنه تمسك سبحتها وتدعو باللطف إلى أن انقطع صوتها وسط تهاوي الركام.

توقف الدوي وصمت المكان إلا من صوت انهيارات الجدران الآخذة في الإكمال سقوطها فوق الأشياء.

“أمي، أمي أين أنت هل تسمعين؟”

يتعالى صوت علاء بالبكاء. “أماه، أماه أجيبي.”

بحث في الأرجاء، في الحطام، لا شيء ثمة يعلن عن وجود أمه. قلب في المكان، أرسل الطرف هنا وهناك. قماش أبيض بين الركام. أخذ يزيل القطع واحدة تلو الأخرى. يد أمه لا تزال ممسكة سبحتها. جس نبضها، كان متوقفا. ضغط صدرها، ململ جسدها الساكن عله ينطق بالحياة. كانت باردة كبرودة ذلك اليوم الخريفي المندى، ارتمى فوق جسدها علها تسمع نحيبه فتستفيق لتحكي له حكاياتها الليلية قبل أن ينام، لتفرك خصلات شعره العربي بأناملها الرقيقة..

صوت أزيز قادم من بعيد. تحامل على ساقيه فوق الركام وانطلق نحو بقية من جدار. نظر غير بعيد فرأى فصيلا من المقاتلين متوارين عن الأنظار. تقدم بخطى ثابتة نحو أحدهم فأمره بالتزام الصمت. كانت ناقلتا جند تقتربان من المكان، تبحثان عن حياة أو بقية لحياة لتنهيها برصاصة غادرة. التمس علاء من الشاب المقاتل أن يتقدم نحو الناقلة ويلقي قنبلة في وجهها. إنه أول انتقام سيسجله في تاريخه.

نظر الشاب إلى الفتى، تأمله قليلا، ثم اتصل بالقائد القابع في زاوية أخرى غير بعيدة. مرت الناقلة الأولى وعيون الجند ترقب المكان. صوت انفجار قوي يتلوه صوت انفجار ثان. تتحطم الناقلتان عن بكرة أبيهما وتتطاير الأشلاء في كل مكان. تنفس بعمق وهو ينظر إلى الأدخنة المتصاعدة.

حمل الأفراد الأم من موضعها بين الركام وصلوا عليها ودعوا لها بالرحمة. أرسل القائد فردا لاستطلاع الأجواء في اتجاه المخيم حتى يأمنوا الطريق. أخذوها إلى مكان غير بعيد عن المخيم يحثون الخطو قبل مجيء العدو. واروا جثمانها في سرعة.

علاء يرقب المشهد بدموع منهمرة على خديه. تأمله أحد أفراد الفصيل، كفكف دمعه وتلا قوله تعالى:

{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ولكن لا تشعرون}

رافق علاء الفصيل إلى مجمع خاص. عرفه القائد إلى مرة من المقاتلين الشباب، كلهم فقدوا آباءهم وأمهاتهم، لكنهم اليوم يحملون رسالة أعظم في التاريخ، رسالة الدفاع عن الوطن وأقدس المقدسات. نطق القائد قائلا:

“علاء كل هؤلاء الذين تراهم الآن متأهبون جميعهم من أجل الذهاب بعيدا إلى حيث الشهداء والصالحون والأبرار ينعمون في العالم الآخر، فكن مستعدا يا بطل”

أومأ علاء برأسه إلى القائد. أخذه أحد أفراد الفصيل إلى غرفة اصطفت في خزانتها ملابس عسكرية وعلقت على جدارها أسلحة رشاشة وبنادق وأحزمة من الرصاص من شتى العيارات.

“هذه لك يا علاء لنرى أبهتك بالبذلة العسكرية” قالها مبتسما وهو يمد له سلاحا..

يمضي علاء في طريقه الملتوية في اتجاه المخيم أو اتجاه الميدان. يعض بكفه على التربة الندية في كل صباح، يشتمها وتحسس الأمومة في حباتها فتمنحه طاقة أكبر. يشعر بها تسري في داخله.

زهرة جميلة على رأس القبر أخرجت رأسها وتسامت نحو العلاء، تكللها قطرات باردة لم تكن موجودة في صباح الأمس.

صرف تفكيره عنها ومضى يشق الطريق نحو الميدان. شارف على المكان لكنه توقف يتأمل قافلة من الجند تشق طريقها بتؤدة نحو المخيم.

“يا إلهي إنهم يقصدون المخيم لقتل الأطفال والنساء”. تماسك نفسه قليلا ثم فكر.

أخرج جهازه اللاسلكي، اتصل بالقائد، أخبره بمسير القافلة.

تهيأ الأفراد من الفصيل للعملية. أمر القائد علاء باستدراج القافلة نحو الميدان بدلا من المخيم. سلاحه الرشاش وقنابله اليدوية كفيلة بتنفيذ المهمة المستحيلة. سار بهدوء واتزان. اتخذ له مرتفعا غير بعيد عن طريق القافلة. تأملها جيدا. كانت مكونة من سبع ناقلات تتقدمها دبابة “ميركافا”. إن العملية صعبة للغاية، لكن الأمر يتطلب تضحية كبيرة.

موت نفس أهون من موت المئات. هكذا أقنع نفسه ثم أردف قائلا:

“إنها فرصتي لألحق بأمي هناك” قالها وهو يرفع بصره إلى السماء.

في زاوية متوارية عن الأنظار، صلى ركعتين ودعا الله بالتوفيق. استشعر طاقة عارمة تجري في دمائه. توجه نحو المنحدر بحذر شديد. أخرج القنبلة الأولى والثانية. ثم سمى الله وهو يقول: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}

تفجرت ناقلة أولى وثانية وتبعثرت الأجزاء في المكان. دارت الدبابة في مكانها ودارت معها الناقلات الأخرى تائهة تبحث عن منفذ. تطلق الرصاص خبط عشواء في الأرجاء كالمجنون. عادت الناقلات الأخرى من حيث أتت لما رأته من هول التفجير معتقدة أنها تمضي إلى بر الأمان. دوي انفجارات متتالية يتعالى في المكان. قطع الصفائح تتقاذف في العلاء. صوت الرشاشات والرصاص المتطاير يملأ الفضاء. ميركافا بئيسة تشتعل. يحترق الجند، يتفحمون. وفصيل يرفع راية النصر في الميدان.

يأمر القائد بتمشيط المكان بحثا عن علاء. يجري اتصاله به فلا يجيب. يعيد النداء:

“علاء هل تسمعني، أين أنت يا علاء؟!”

الخط لا يعمل. أحد أفراد الفصيل يمسح الدم السائل من رأسه. يجس النبض. يتحسس أثر الحياة. لا شيء سوى موت بارد في كل الأطراف. شظية أصابته كانت على مقربة منه عند تطاير الصفائح. مدد الجسد وصليت عليه جنازة في خشوع. حملته الأكتاف وهي تدعو له بالرحمة.

زهرة بيضاء تتسامى نحو العلاء فوق ركام من تراب لا تزال نديًّا. دفن بجانبها. استدارت نحو الركام الجديد مفترة الثغر. وفاح منها عبق ذكي ملأ الجو طيبا..

في الصباح يد تعض على الركام الجديد. كان نديا عبقا.

وعلى رأسه زهرة بيضاء خرجت من الأرض أخذت تتسامى نحو العلاء.