المقامة الحربية: في لظى الزمان وفتن البلدان


حَدَّثَنَا أَبُو أَمَان، قَالَ: لَمَّا اضْطَرَبَ حَبْلُ الوِدَاد، وَتَفَجَّرَتْ بَرَاكِينُ الطُّغْيَان، رَأَيْتُ النَّاسَ في حِيرَةٍ ذَهِلَة، وَنُفُوسٍ مِنَ الرُّعْبِ وَجِلَة، فَبَيْنَمَا أَنَا أَجُولُ في بَقَايَا المَدَائِن، وَأَنْظُرُ في مَصَائِرِ القَطَائِن، لَقِيتُ شَيْخاً قَدْ عَلَتْهُ غَبَرَة، وَفي عَيْنَيْهِ لِلْحُزْنِ عَبْرَة، يَنْظُرُ إِلى الأُفُقِ بِلِحَاظٍ حَسِيرة، وَيَنْفُثُ زَفَرَاتٍ كَأَنَّهَا المَسِيرَة، فَقُلْتُ: يَا شَيْخُ، مَا هَذَا الكَمَد؟ وَمَا لِهَذَا الهَمِّ لا يَنْفَد؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ بِلُغَةٍ كَالمَاءِ الزُّلال، تَنْسَابُ بَيْنَ السَّجْعِ وَالارْتِجَال:

​يَا سَائِلِي عَنْ لَظَى الحُرُوبِ وَمَا جَرَى، أَبْصِرْ رَمَادَ المَجْدِ مَنْثُوراً عَلَى أهل القُرَى
الحَرْبُ غُولٌ لَا تَكُفُّ عَنِ الرَّدَى، تَأْكُلُ أَحْلَامَ الوَرَى مِمَّا نَرَى
هِيَ صَرْخَةٌ ثَكْلَى وَدَمْعَةُ يَتِيمَةٍ، هِيَ مِحْنَةٌ عَصَفَتْ بِكُلِّ الوَرَى
كَمْ مِنْ دِيَارٍ كَانَ يَسْمُو عِزُّهَا، غَاصَتْ جِرَاحاً تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى
​وَاليَوْمَ نَنْظُرُ لِلزَّمَانِ كَأَنَّهُ، أَفْعَى تَنَفَّثَ سَمُّهَا بَيْنَ المِحَن
حَرْبٌ تُدَارُ بَيْنَ فُرْسٍ وَغَاصِبٍ، وَالنَّارُ تَحْرِقُ مَنْ نَأَى عَنِ الفِتَن
إِيرَانُ تَقْذِفُ، وَاليَهُودُ تَمَرَّدُوا، وَالأَرْضُ تَشْكُو مِنْ مَوَاجِعِ الشَّجَن
وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَمْرِيكَا تَحُوكُ خُيُوطَهَا، تَلْعَبُ دَوْرَ السِّتْرِ في وَجْهِ العَلَن
​تُذْكِي اللَّهِيبَ بِصَمْتِهَا وَدَهَائِهَا، وَتَبِيعُ زَيْفَ السِّلْمِ في كُلِّ مَطَاف
تَمُدُّ كَفّاً بِالسِّلَاحِ لِظَالِمٍ، وَتَقُولُ رِفْقاً بِالرَّدَى بَيْنَ الضِّفَاف
يَا وَيْحَ غَزَّةَ وَالدِّمَاءُ تَسِيلُ في، سَاحَاتِهَا، وَالمَوْتُ يَجْرِي بِاخْتِطَاف
أَطْفَالُهَا صَارُوا طَعَاماً لِلرَّدَى، وَنِسَاؤُهَا يَصْرُخْنَ في لَيْلٍ عِجَاف
​بَيْتٌ يُهَدُّ، وَمَسْجِدٌ يَبْكِي عَلَى، جَمْعٍ تَشَتَّتَ في مَهَبِّ الرِّيح
لَا خُبْزَ يُشْبِعُ، لَا أَمَانَ يَضُمُّهُمْ، وَالجُوعُ يَنْهَشُ في الفُؤَادِ الجَرِيح
وَفي كُلِّ شِبْرٍ مِنْ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، جُرْحٌ تَعَمَّقَ في الصَّمِيمِ الصَّرِيح
سُودَانُنَا يَشْكُو، وَشَامُنَا نَزَفَتْ، وَاليَمَنُ يَذْوِي بَيْنَ هَمٍّ وَتَرْحِيح
​مَنْ لِلثَّكَالَى في المَخَيَّمِ وَالدُّجَى؟ مَنْ لِلأَسَارَى في جَحِيمِ السُّجُون
أَيْنَ المُرُوءَةُ وَالعُرُوبَةُ قَدْ غَفَتْ؟ وَالخَيْلُ ضَلَّتْ عَنْ طَرِيقِ المَنُون
صَارَ السِّلاحُ هُوَ الرَّسُولَ لِفَهْمِنَا، وَالعَقْلُ غَابَ خَلْفَ زَيْفِ الظُّنُون
الحَرْبُ تَصْنَعُ لِلأَكابِرِ ثَرْوَةً، وَلَنَا القُبُورُ تُشَقُّ بَيْنَ المَجُون
​صَنَعُوا المَنَافِقَ كَيْ يَقُودَ شُعُوبَنَا، لِلذُّلِّ، وَالتَّهْجِيرِ عَبْرَ الحُدود
هَذِي القَنَابِلُ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَنَا، كُلُّ الرُّؤُوسِ تَسَاوَتْ في الجُحُود
كَمْ مِنْ مَنَازِلَ كَانَ يَعْبَقُ طِيبُهَا، صَارَتْ طَلَالاً بَعْدَ حَرْقِ الوُجُود
يَا أُمَّةً سَادَتْ بِحِكْمَةِ دِينِهَا، كَيْفَ ارْتَضَيْتِ العَيْشَ خَلْفَ السُّدُود؟
​الغَرْبُ يَضْحَكُ وَالسِّيَاسَةُ لُعْبَةٌ، نَحْنُ الضَّحَايَا في مَدَى أَوْهَامِها
يَسْقُونَ رُوحَ الحِقْدِ في أَوْصَالِنَا، كَيْ نَقْتُلَ الأَحْلَامَ في أَحْلامِها
وَالقُدْسُ تَرْقُبُ بَأْسَنَا وَصُمُودَنَا، وَالظُّلْمُ يَمْعِنُ في هَدِيمِ خِيامِها
يَا أَيُّهَا المَنْكُوبُ في أَرْضِ الهُدَى، صَبْراً، فَإِنَّ الفَجْرَ بَعْدَ ظَلامِها
​لَا تَحْسَبَنَّ الظُّلْمَ يَبْقَى دَائِماً، فَالحَقُّ مَنْصُورٌ رَغْمَ الطُّغَاة
لَكِنَّمَا الحَرْبُ التي نَشْقَى بِهَا، هِيَ حَرْبُ نَفْسٍ تِهْنَا في مَهَاة
تَرَكُوا المَبَادِئَ وَاسْتَكَنُوا لِلرَّدَى، وَرَأَوْا جَحِيمَ الذُّلِّ طَوْقَ نَجَاة
كَمْ مِنْ لِقَاءٍ يُعْقَدُ في قِمَّةٍ، لَا يُسْمِنُ الجَوْعَى بِطِيبِ صَلَاة
​كَذِبٌ يُنَمَّقُ، وَالوُعُودُ سَرَابُهَا، يَسْقِي العَطَاشَى مِنْ كُؤُوسِ السَّمُّوم
الحَرْبُ تُبْكِي المَاءَ في أَنْهَارِنَا، وَتُجَفِّفُ الأَرْزَاقَ بَيْنَ الغُيُوم
لَا حَوْلَ لِلإِنْسَانِ في غَمَرَاتِهَا، إِلَّا بِرَبٍّ عَالِمٍ بِالمَكْتُوم
فَارْفَعْ يَدَيْكَ لِمَنْ أَقَامَ سَمَاءَهُ، وَاسْأَلْ خَلَاصاً مِنْ عَنَاءِ الهُمُوم
​وَانْظُرْ لِغَزَّةَ كَيْ تَعِيشَ بِنَخْوَةٍ، فَالنَّصْرُ مَعْقُودٌ بِرَبِّ العِبَاد
لَا تَنْسَ أَنَّ الحَرْبَ فِتْنَةُ غَادِرٍ، يَشْرِي النُّفُوسَ لِأَجْلِ الفَسَاد
فَلْتَحْذَرِ الأَيَّامَ إِنْ عَصَفَتْ بِنَا، وَاجْمَعْ شَتَاتَ الرُّوحِ بَعْدَ البِعَاد
هَذِي مَقَامَةُ حَرْبِنَا في عَصْرِنَا، رُسِمَتْ بِدَمْعِ العَيْنِ فَوْقَ المِهَاد

​قَالَ أَبُو أَمَان: فَلمَّا أَتَمَّ هَذِهِ الكَلِمَات، وَأَفَاضَ في ذِكْرِ النَّكَبَات، تَوَلَّى وَهُوَ يَمْسَحُ دَمْعَهُ، وَيُسْبِلُ عَلَى الحَقِّ سَمْعَهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّ الجُرْحَ غَائِر، وَأَنَّ الزَّمَانَ جَائِر، وَلَا مُنْجِيَ إِلَّا الواحِدُ القَهَّار.