مطر الوجع

كلّما زيّنوا المطر
بأجمل الأوصافْ،
لم يكن في ذاكرتي
غيرَ وجع قديم مرهَفْ.
كان السوادَ الصغير
الذي رسمتْه السماءُ،
بقطرة تقطُر
من بينِ شقوقِ السقف
على الزي المدرسي
المعلق لِيجُفْ.
كان خطواتِ طفلة صغيرة
تطرق أبواب الجيران مسرعةً،
تبحث عن غِمد نخلة الفوفل
لترقعَ شقوق السقفْ.
كان ليالي طويلةً
لطفلة ساهرة بعين مفتوحة
تحرس من البلل
كُتُبَها المصفوفة
في زاوية الغرفةِ
فوق لوح خشبي قديم أجوفْ.
كان قلقَ مصباح الكيروسين
الذي يقاوم حتى اللحظة الأخيرة
خائفا من أن تنطفئ شعلتُه
بنسمة ريح عابرة تتلطّفْ.
كان أوانيَ مكسورةَ الأفواه،
تركض نحو قطرات السقفْ،
لتجمع المطر المتساقط.
وكان رطوبةَ كيس الخيش
المفروش على أرضية
مطلية بطين ناشِفْ.
كان بردَ الليالي
حين تخترق القطرة الحصيرَ،
وتضم الجسد الصغير
إلى أن ارتجفْ.
فتصطكُّ الأسنانُ
كأنها تعزف لحنَ الخوفْ.
كان لونَ الرجاء وقد بهت
في ملابس معلقة فوق الموقد.
وكان مظلّةً مكسورة
تضحك عليها العيون،
ولا ترى القلب الصغير
الذي كان ينكسر تحتها
مع كل قطرة تُقذفْ.
فقل لي.. بعد كل هذا،
كيفَ أرسم مطري
أكثرَ عُريًا من هذا؟
وكيفَ أرقصُ مع ألحانه
التي تحبّونها بقلب يَنزفْ؟
