الحركة المدرسية بولاية كيرلا؛ مسيرة إلى نهضة الأمة الإسلامية

يعد المجتمع الإسلامي في ولاية كيرلا من أقدم المجتمعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، هبت رياح الإسلام في هذه الأرض الخضراء في مطلع القرن الأول الهجري عن طريق الدعاة الراسخين والتجار العرب الذين حملوا على أكنافهم رسالات الإسلام وقيم الدين .وأصبح مسلمو كيرلا يشتغلون في شؤون مرتبطة بالدين بشكل كبير، وتلقوا التعاليم الدينية من محاضرات المشايخ في المساجد والمجالس المحدودة؛ مع مرور الزمان ظهر التشابك الفكري والصراع المعنوي بين المسلمين في كيرلا، حيث احتلت في مبادئ الإسلام الجوهرية، التنظيمات التكفيرية والآراء البدعية والإلحادية ،التي غرزت بجذور المفاهيم الوهابية والسلفية، مكانا مرموقا في المجتمع، واجتهدوا لترويج عقائدهم الفاسدة في أوساط عوام المسلمين الخالصين،.
وناتجا عن ذلك، جعلت الأمة الإسلامية تضطرب خلال هذه الحوادث الطارئة والفتن الكئيبة، ولم يتوفر لهم النظام المرصوص والمؤسسات الدينية لتعليم محقق وترويج العلوم. وفي هذا المنطلق، بدأ العلماء الأتقياء بإهاجة الحركة الإصلاحية التعليمية لنهضة مسلمي كيرلا من أخاديد البدعة والكفر، حيث نجمت هذه الحركة عن انبثاق نظام صامد ومنهج دراسي رائع لعوام الناس، وهي الحركة المدرسية، التي أضاءت شعاعها في كيرلا من شرقها إلى غربها، وأصبحت واحدة من المؤسسات المثالية الدينية على صعيد دولي.
إنما كانت أوضاع مسلمي كيرلا الدينية والاجتماعية معكورة بغبار الفتن والعنف ومشحونة بآراء الكفر والبدعة في بداية القرن العشرين، وارتطمت الأمة الإسلامية في هاوية الطيش والغفلة. حتى جعل يهيج في شواطئ كيرلا أمواج الزنادقة والخرافة مع ورود دعاة التنصير والإلحادية بهدف تحويلهم من سبيل الحق، وبالإضافة إلى ذلك قامت عدة من المنظمات الفاجرة والحركات البدعية، التي تشبثت بمبادئ الوهابية الخطيرة والثقافة الغربية، بتلويث أجواء كيرلا بمفاهيم طارئة وآراء مشوشة. وما زال مسلمو كيرلا يروح في سابع نومة خلال هذه الأيام الحالكة، حيث لم يحظوا بالتوعية الدينية واليقظة الفكرية كطائرة فقدت البوصلة وسط صحراء موحشة. وفي الوقت نفسه تقدم علماء أشراف تحت جمعية العلماء لعموم كيرلا لتحرير الأمة الإسلامية من أسر الأفكار الضيقة وتنبيههم من الغفوة العميقة. واشتغلوا في بناء المشاريع الرائعة والخطط البديعة لانتعاش الأمة. وتاليا قاموا بإصلاح النظام التعليمي الديني والتوجه إلى بناء المؤسسات الدينية تعني ‘المدارس’، لأنه لم تكن هناك مؤسسات رسمية للتعليم، فكانت المساجد هي المراكز الأولى للعلم، ومنها تلقى أبناء المسلمين العلوم الابتدائية الشرعية. ولا يمكن أن ننسى نشاطات الإصلاحية للشيخ العالم الحاج جاللكت كنّ أحمد في رفع عمود المدارس في شتى أنحاء كيرلا، كما أنه يعرف كأول من أتى بنظام المدارس الدينية بديلا عن الأساليب المعتمدة في المساجد المنطقية خلال هذه الفترة. ومن الملحوظ هنا تفاني زعماء جمعية العلماء وثقتهم في تقديم هذه الحركة الغريبة وسط الأمة الإسلامية، حيث غضوا الطرف عن الافتراءات والشبهات الواهية، وصعّروا الخدود عن الاتهامات والمزاعم الباطلة وأحرزوا قصبات السبق في المضمار.
وفي الحقيقة، أصبحت المدارس الإسلامية أساس الدين والشريعة، وكان الطلبة أنفسهم سدنة الشريعة وحفظة القيم الإسلامية، تعلموا الدين ومقاصده كما تعلموا من الجامعات الحكومية، وشاركوا في الامتحانات العامة الإدارية وحصدوا أوسمة ونجاحا لحد أن يصحح بعض الإعلام والأقلام موقفهم العنيف مقابل المدارس الإسلامية.
هكذا ظلت المدارس الإسلامية حاضنة الثقافة والوعي الديني في الشباب، وأنشأت مشاعل الانسجام والتعاون على منأى من التطرفية والتشدد والدمار، ودائما روجت رسالة الأمن والهدوء بين أصحاب العنجهية والغطرسة. كما أن نظام المدارس تمتع بمكانة سامقة وقبول شعبي في فترة قصيرة، حتى ازدهرت هذه المنظمة إلى هذا الحد الذي يتسابق الزمان حتى تعدت سرعته حدود ولاية كيرالا إلى كافة الولايات بل إلى خارج حدود الهند وفاحت بشذاها في كل بقاع الدولة. كأنها مدت أعناق المسخ في مساهماتها الثقافية والدينية على امتداد كيرلا من عرضها إلى طولها بألوان زاهية، وناتجا عن ذلك كانت كيرالا لا تزال تكتسب أهمية كبيرة في خارطة الهند، فمن جهة تمتاز الولاية من بين سائر الولايات بأنها أرض خصبة للمثقفين، وظلت نسبة الأمية فيها ضئيلة جدا، وتبلغ نسبة معرفة القراءة والكتابة إلى ما فوق تسعين في المائة، ومن جهة أخرى هي مهد الإسلام، ولا يبرح المسلمون فيها على وعي بدينهم أكثر من أي ولاية أخرى. وطبعا، فلو لا تصدي هؤلاء العلماء المخلصين والدعاة المستنيرين لخضعت ولاية كيرلا لتلك التيارات الهدامة ولوقعت الجمهرة الإسلامية الساذجة في مكايد هؤلاء المفسدين الطغاة.
بالجملة ، يمكن لنا أن يرى تزايدا بديعا في مثل هذه النشاطات الفعالة في كيرالا بفضل جهود العلماء تحت لواء جمعية العلماء لعموم كيرلا، وعرضت المدارس تكون هي ظاهرة فريدة من نوعها لا توجد في أي بقعة من بقاع الأرض، وسجلت كيرلا رقما قياسيا كالشبكة التعليمية الدينية الأكبر والأكثر تأثيرًا على صعيد الولاية في العالم، حيث تنتشر في ربوع ولاية كيرالا أكثر من عشرة آلاف مدرسة دينية تحت إشراف جمعية العلماء وتحمل على عاتقها مسؤولية تنشئة الأجيال على تعاليم الدين الإسلامي والقيم الإنسانية، لا سيما في حين احتفلت جمعية العلماء بذكراها المئوية في هذه السنة. ولا تزال هذه المؤسسات التربوية على خدمة ما يقارب مليون ومئتي ألف طالب، ينهلون منها العلم الشرعي والقيم الأخلاقية، فيما يقوم على تعليمهم أكثر من عشرة آلاف معلم مؤهل كما تتميز هذه المدارس بأسلوبها المنظم والمهيكل، وتقوم بتعزيز قوة الأجيال النامية المتقدمة، في مسعى لإرساء مجتمع مثالي خالي من التعارض الفكري، وظلت باعثة قوية في نهضة الأمة طوال هذه الفترة، حيث أدت إلى أن تنهض كالعنقاء إلى آفاق السماء.
