الشيخ حسن هيتو: العالم الذي لم يأنس إلا بالعلم

يتسامى الكبرياء فوق التحيزات عندما يرتقي الإنسان بفكره وعقله. ومن بين هؤلاء، فقدنا أسطورة لم يكن يأنس إلا بالعلم والحق. والسؤال الذي عاش لأجله هو كيف يمكن للأمة الإسلامية أن تستدرك هذا الغياب الذي لا يمكن الهروب منه.

لقد غيب الموت في رمضان السابق الشيخ حسن هيتو، العالم السوري السني الأشعري الذي كرس حياته كلها لإحياء الإسلام التقليدي وإعادة صياغة هوية المسلم المعاصر، تاركاً وراءه فراغاً يصعب ملؤه.

أدرك الشيخ أهمية العلم وقوة القراءة، فكرّس حياته لتطوير فكره والعمل على نهضة الأمة في عصرنا الحالي. فصار جوهراً لفيفاً من العلماء السوريين الذين طمحوا لجعل الذات التقليدية “ذات قيمة” من خلال اشتباكه مع القضايا الدينية للمسلمين المعاصرين. إن ما أنجزه كان يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه كان عظيماً في جوهره؛ إذ أخذ على عاتقه مهمة نقل وإيصال “التقاليد” التي تجمدت وصارت أوعية لقتل المعرفة.

لم يكن صنيع الشيخ هيتو مجرد رد فعل ثوري من فرد، بل كان فعل إدراك ضد الاضطهاد الذي تتعرض له الأمة الإسلامية في العالم الحديث، حيث مر العلماء – الذين كانوا يوماً محل احتفاء – بأسوأ مراحل التهميش والدونية. لقد عانى العلماء في زمانه من الفقر والجوع، حتى أن الشيخ ذكر في دروسه أن أحد مشايخه وُجد ميتاً بسبب الفقر المدقع. يمكننا أن نتخيل حجم ما استوعبه، لكنه لم يختر الطريق الآخر، بل أصر على اتباع “التقليديين” فقط للكفاح واستئصال الشعور بالدونية، مسجلاً بذلك موقفاً قوياً ضد نظام الاستعلاء المعاصر.

لقد عارض والده قراره بمتابعة التعليم الإسلامي في الأزهر بدلاً من التركيز على العلوم المدنية، وحذره من العواقب والضياع الذي قد يجلبه لنفسه، بل ورتب له كل السبل للذهاب إلى جامعة ألمانية لدراسة الجغرافيا.

ومع إدراكه لخطورة الموقف، قام الشيخ هيتو بمغامرة جريئة؛ حيث تظاهر بالذهاب إلى ألمانيا لكنه توجه إلى الأزهر. وعندما علم والده بالأمر، قطع اتصاله به ومنع عنه المساعدة المالية، مما جعل حياته أكثر تعقيداً ومعاناة. ومع ذلك، لم يوقف معركته ضد الهيمنة الفكرية للعالم العلماني، وصمد لنحو عام ونصف معتمداً على منحة الأزهر، مكتفياً بقطعة خبز واحدة طوال يوم. لاحقاً، أُعيد التواصل مع والده بوساطة من الشيخ سعيد رمضان البوطي عبر مكالمة هاتفية اتسمت بالتواضع.

لقد كانت المسيرة الأكاديمية للشيخ هيتو عفوية وزاخرة، حيث ألف موسوعة في العلوم الإسلامية تقع في ٧٣ مجلداً، بالإضافة إلى “المتفيهقون” و”الخلاصة” وغيرها من النصوص البارزة، ومن الحقيقة أن خدماته قد خلدت وسجلت في صفحات التاريخ بحبر ذهبي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أدخلنا الله معه إلى دار النعيم.