الاكتئاب

أعتبر نفسي إنسانًا عاديًا، لكنني أتمتع بفهم جيد لمفهوم الاكتئاب، وآثاره، وطرق التعافي الفعالة منه. فقد مررتُ بتحدياتٍ وإخفاقاتٍ عديدة في حياتي، لكنني تمكنت من التغلب عليها جميعًا، وأعيش اليوم حياةً يسودها الرضا والسعادة. ومن الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن التحديات والإخفاقات تُعدُّ جزءًا طبيعيًا من مسيرة الإنسان، حيث ترافقه منذ ولادته وحتى نهاية حياته. وإذا كان الإنسان يطمح إلى حياةٍ سعيدة، فعليه أن يستحضر دائمًا هذه الحكمة: إنَّ الفشلَ هو الخطوةُ الأولى نحو النجاح. وكان التزامي بهذا المبدأ في مسيرتي أحد أهم الأسباب التي أسهمت في تحقيق السعادة والاستقرار النفسي.

أرى أن هذه المقولة تُعتبر من العبارات المعروفة إلى حدٍ ما: اشعر بالألم، وتقبَّله، وتعرَّف إليه. فالذين لم يعرفوا الألم بشكلٍ عميق لن يدركوا السلام الحقيقي أبدًا. ورغم أن هذه العبارة جاءت في سياق حوار، إلا أنها تحمل معنىً عميقًا ورسالةً إنسانيةً ذات أهمية كبيرة. وقد جاءت كلماتها بسيطة ومختصرة، لكنها تحتوي على دلالاتٍ متعددة تستحق التأمل والفهم في سياق الحياة. وصاحب هذه المقولة هو ماساشي كيشيموتو، كاتب ورسام مانغا ياباني معروف بإبداعه في تقديم أفكارٍ إنسانيةٍ وفلسفيةٍ عميقة من خلال أعماله الأدبية.

لقد جئتُ اليوم للحديث عن الاكتئاب (Depression)، ويمكن تناول هذا الموضوع من خلال ثلاثة محاور رئيسة: ما هو الاكتئاب؟ ما هي أسبابه؟ كيف يمكن التعافي منه؟

إنَّ استيعاب هذه المحاور سيمكنكم من تشكيل رؤية واضحة حول هذا الموضوع. سأعمل على تقديمه بأسلوب بسيط ومباشر، بعيدًا عن التعقيد والإطالة. ومن الحقائق التي يجب أن نعيها أنه لا توجد زهرة تنمو دون مطر، ولا إنسان ينضج دون ألم. فكل ما يمر به الإنسان من أحداث وتجارب، سواء كانت مفرحة أو مؤلمة، يمثل خبرة تسهم في تشكيل شخصيته وصقلها. لتوضيح هذه الفكرة، يمكننا الاستشهاد بمثال بسيط: إذا حاولنا إبقاء ورقة في وضعها المستقيم، فلن تثبت، ولكن إذا طُويت أو ثُنِيَت قليلاً، أي تعرضت لنوع من الضغط، فإنها تصبح أكثر قدرة على الثبات. من هذا المنطلق، إذا تعرض الإنسان للإيذاء أو واجه مواقف مؤلمة، فلا ينبغي له الاستسلام لليأس أو الانكسار؛ لأن تلك الظروف، رغم قسوتها، قد تكون سببًا في تعزيز قوته النفسية وزيادة صلابته، مما يمكّنه من الوقوف بثبات أكبر في مواجهة تحديات الحياة.

إنَّ رحلةَ الحياة التي تمتد من الولادة حتى الوفاة مليئة بالتحديات والصعوبات. فبعض الأفراد يواجهون هذه التحديات بعزيمة وإصرار، مما يمكنهم من تجاوزها وتحقيق النجاح. بينما يدرك آخرون أن الحياة ليست سهلة بطبيعتها، فيواصلون السير في طريقهم متقبلين ما يواجهونه من ظروف وتقلبات. ومع ذلك، هناك فئة أخرى من الناس تحمل همومها ومشاكلها في داخلها، دون أن تسعى لمواجهتها أو التغلب عليها، بل قد تمتنع حتى عن اتخاذ الخطوة الأولى نحو إيجاد الحلول المناسبة. وهؤلاء هم الأشخاص الذين سيكونون محور حديثنا، حيث سنسعى لفهم طبيعة معاناتهم، والوقوف على الأسباب الكامنة وراءها، وبيان السبل التي يمكن أن تساعدهم على تجاوزها واستعادة توازنهم النفسي.

محرم الشهداء

أيا زمان ما أشبه يومك بأمسك فكفى

أبيت إلا أن تجعل لنا المواجع حبلى

في كل محرم نبتلى بشهيد فكفى

ذاك الحسين بغدر العرب قضى

بعده إسماعيل بخسة اليهود ارتقى

أيا محرم لما فيك القلوب تكوى

كيف نكفكف البكاء وكيف نرثي

أعلام الفداء دونهم الأمة ثكلى 

يا هنية هنيئا لكم المقام في العلى  

مع علي والحسين بجوار المصطفى

استبشروا لمن لم يلحق بالبشرى 

أنبكيكم أم نرثي بطن أم عقيمة تكلى

خونة وضعت كجمر الغرقد يشظى

بالذل والخذلان رضى وعن أصوله تخلى

توخى التطبيع للصهيوني ولسوف يصدى

يا هنية لك  جوار المصطفى والبشرى

مع علي والحسين وشهداء الأقصى

لأرواحكم الزكية السلام ولسوف ترضى

ولغدنا سلام وللقدس السلام بالفدى 

ثورة الوجد

دَعِــي عَـهْـدَ الـتَّـقَوْقُعِ وَالْـبُـرُودِ

لِـنُـحْرِقَ مَــا تَـرَاكَـمَ مِــنْ جَـلِيدِ

تَـعَالَيْ نَـنْسِفِ الْأَسْـوَارَ عِـشْقًا

وَنَـنْـسَـى كُـــلَّ تَـقْـيِيدٍ شَـدِيـدِ

أُرِيــــدُكِ ثَــــوْرَةً بَـيْـضَـاءَ تَــأْتِـي

لِـتَـقْـتَلِعَ الْـخُـمُـولَ مِــنَ الْـوَرِيـدِ

تَـعِـبْنَا مِــنْ قِـنَـاعِ الـزَّيْـفِ دَهْـرًا

نُــوَارِي الـشَّـوْكَ زَعْـمًـا بِـالْـوُرُودِ

إِذَا شَـاخَتْ سِـنِينُ الْـعُمْرِ هَـمًّا

فَـجَـدِّدْهَـا بِـعِـشْقٍ مِــنْ جَـدِيـدِ

دَقَـائِقُ مِـنْ صَـفَاءِ الـرُّوحِ تَـكْفِي

لِــتُـولَـدَ مِـــنْ جَــدِيـدٍ كَـالْـوَلِـيدِ

خُــذِي قَـلْـبِي إِلَــى أُفُـقٍ بَـعِيدٍ

لِـنَـبْـدَأْ رِحْــلَـةَ الْـعُـمْرِ الـسَّـعِيدِ

فَـــإِنَّ الْــحُـبَّ أَنْ نَـحْـيَـا جُـنُـونًا

نُــعِـيـدُ بِــــهِ تَـبَـاشِـيرَ الْـعُـهُـودِ

عَشِقْتُ الصَّعْبَ لَمْ أَحْفِلْ بِخَوْفٍ

وَمَـا هَـابَتْ خُـطَايَ مِـنَ الْـوَعِيدِ

سَـنَـتْرُكُ فِـي جِـدَارِ الـلَّيْلِ ثُـقْبًا

لِـيَـغْـمُـرَ نُــــورُهُ كُــــلَّ الْــوُجُـودِ

الشيخ حسن هيتو: العالم الذي لم يأنس إلا بالعلم

يتسامى الكبرياء فوق التحيزات عندما يرتقي الإنسان بفكره وعقله. ومن بين هؤلاء، فقدنا أسطورة لم يكن يأنس إلا بالعلم والحق. والسؤال الذي عاش لأجله هو كيف يمكن للأمة الإسلامية أن تستدرك هذا الغياب الذي لا يمكن الهروب منه.

لقد غيب الموت في رمضان السابق الشيخ حسن هيتو، العالم السوري السني الأشعري الذي كرس حياته كلها لإحياء الإسلام التقليدي وإعادة صياغة هوية المسلم المعاصر، تاركاً وراءه فراغاً يصعب ملؤه.

أدرك الشيخ أهمية العلم وقوة القراءة، فكرّس حياته لتطوير فكره والعمل على نهضة الأمة في عصرنا الحالي. فصار جوهراً لفيفاً من العلماء السوريين الذين طمحوا لجعل الذات التقليدية “ذات قيمة” من خلال اشتباكه مع القضايا الدينية للمسلمين المعاصرين. إن ما أنجزه كان يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه كان عظيماً في جوهره؛ إذ أخذ على عاتقه مهمة نقل وإيصال “التقاليد” التي تجمدت وصارت أوعية لقتل المعرفة.

لم يكن صنيع الشيخ هيتو مجرد رد فعل ثوري من فرد، بل كان فعل إدراك ضد الاضطهاد الذي تتعرض له الأمة الإسلامية في العالم الحديث، حيث مر العلماء – الذين كانوا يوماً محل احتفاء – بأسوأ مراحل التهميش والدونية. لقد عانى العلماء في زمانه من الفقر والجوع، حتى أن الشيخ ذكر في دروسه أن أحد مشايخه وُجد ميتاً بسبب الفقر المدقع. يمكننا أن نتخيل حجم ما استوعبه، لكنه لم يختر الطريق الآخر، بل أصر على اتباع “التقليديين” فقط للكفاح واستئصال الشعور بالدونية، مسجلاً بذلك موقفاً قوياً ضد نظام الاستعلاء المعاصر.

لقد عارض والده قراره بمتابعة التعليم الإسلامي في الأزهر بدلاً من التركيز على العلوم المدنية، وحذره من العواقب والضياع الذي قد يجلبه لنفسه، بل ورتب له كل السبل للذهاب إلى جامعة ألمانية لدراسة الجغرافيا.

ومع إدراكه لخطورة الموقف، قام الشيخ هيتو بمغامرة جريئة؛ حيث تظاهر بالذهاب إلى ألمانيا لكنه توجه إلى الأزهر. وعندما علم والده بالأمر، قطع اتصاله به ومنع عنه المساعدة المالية، مما جعل حياته أكثر تعقيداً ومعاناة. ومع ذلك، لم يوقف معركته ضد الهيمنة الفكرية للعالم العلماني، وصمد لنحو عام ونصف معتمداً على منحة الأزهر، مكتفياً بقطعة خبز واحدة طوال يوم. لاحقاً، أُعيد التواصل مع والده بوساطة من الشيخ سعيد رمضان البوطي عبر مكالمة هاتفية اتسمت بالتواضع.

لقد كانت المسيرة الأكاديمية للشيخ هيتو عفوية وزاخرة، حيث ألف موسوعة في العلوم الإسلامية تقع في ٧٣ مجلداً، بالإضافة إلى “المتفيهقون” و”الخلاصة” وغيرها من النصوص البارزة، ومن الحقيقة أن خدماته قد خلدت وسجلت في صفحات التاريخ بحبر ذهبي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أدخلنا الله معه إلى دار النعيم.

مطر الوجع

كلّما زيّنوا المطر
بأجمل الأوصافْ،
لم يكن في ذاكرتي
غيرَ وجع قديم مرهَفْ.

كان السوادَ الصغير
الذي رسمتْه السماءُ،
بقطرة تقطُر
من بينِ شقوقِ السقف
على الزي المدرسي
المعلق لِيجُفْ.

كان خطواتِ طفلة صغيرة
تطرق أبواب الجيران مسرعةً،
تبحث عن غِمد نخلة الفوفل
لترقعَ شقوق السقفْ.

كان ليالي طويلةً
لطفلة ساهرة بعين مفتوحة
تحرس من البلل
كُتُبَها المصفوفة
في زاوية الغرفةِ
فوق لوح خشبي قديم أجوفْ.

كان قلقَ مصباح الكيروسين
الذي يقاوم حتى اللحظة الأخيرة
خائفا من أن تنطفئ شعلتُه
بنسمة ريح عابرة تتلطّفْ.

كان أوانيَ مكسورةَ الأفواه،
تركض نحو قطرات السقفْ،
لتجمع المطر المتساقط.
وكان رطوبةَ كيس الخيش
المفروش على أرضية
مطلية بطين ناشِفْ.

كان بردَ الليالي
حين تخترق القطرة الحصيرَ،
وتضم الجسد الصغير
إلى أن ارتجفْ.
فتصطكُّ الأسنانُ
كأنها تعزف لحنَ الخوفْ.

كان لونَ الرجاء وقد بهت
في ملابس معلقة فوق الموقد.
وكان مظلّةً مكسورة
تضحك عليها العيون،
ولا ترى القلب الصغير
الذي كان ينكسر تحتها
مع كل قطرة تُقذفْ.

فقل لي.. بعد كل هذا،
كيفَ أرسم مطري
أكثرَ عُريًا من هذا؟
وكيفَ أرقصُ مع ألحانه
التي تحبّونها بقلب يَنزفْ؟

زهرة بيضاء

تحسس بكفه الصغيرة التربة الندية، فرك حباتها بين أنامله، وانبطح على صدره يغرس أصابعه في التراب الذي يعلو المكان.

جثا على ركبتيه وهو يتحسس بكفه ملمسها في ملمس التربة الندية، ناعمة، مبتلة، يعبق جسدها المسجى في عالمها هناك برائحة تشبه رائحة التراب الندي في ذلك الصباح الخريفي البارد.

كان كثيرا ما يمر على قبرها عابرا طريقا ملتويا حتى لا يصادف جنديا أو ناقلة تحمل العدو، كانت تربتها تمنحه طاقة بها يمضي بعض يومه مع الفصيل في التدرب على القتال هناك في ميدان منعزل عن الأنظار وبعضه في المخيم القابع هناك على مشارف تلة صغيرة لم تكن في مأمن من ضربات العدو.

هو كغيره من كثير من الأولاد الذين فقدوا أمهاتهم وآباءهم وكثيرا من أقاربهم، يعيشون في مجتمع صغير ينتظرون بما تجود عليهم الأيادي الناعمة إذا سمحت لهم القوات الإسرائيلية بإدخال المؤن لضمان حياة لأيام قادمة. إنهم يشترون الحياة ببعض الأرز والدقيق الذي يقذف عليهم من الطائرات أو يصل عبر الشاحنات بشق الأنفس.

لم يكن علاء يهتم لكل هذا بقدر ما كان الحنين يأخذه لأمه كي يلقاها هناك في عالمها السرمدي الجميل يتدرب بكل قوته تحركه طاقة خفية يستمدها من مشهد الركام والدمار ودوي القنابل وأزيز الدبابات. فقد ضاعت كتبه وأقلامه كما ضاعت لكثير من أقرانه وهدمت مدرسته ولم يبق منها سوى سور صغير متهاو يحمل بقية من شعار كتب عليه:

“قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ..”

كان يحفظ البقية كما يحفظها زملاؤه، بل كان يحفظ أبياتا كثيرة من قصيدة شوقي وغيره من الشعراء.

لقد قتلوا فيه ذلك الحس المرهف الذي كاد أن يخرج منه شاعرا يحمل سيف الكلمة في وجه الأعداء، لذلك اختا أن يحمل السلاح في وجهه دفاعا عن أرضه وشعبه وانتقاما لأمه. كان الدوي قويا يقترب من الأرض، وصوت الانفجارات تهز المكان. علاء مكوم في زاوية داخل البيت، يمسك رأسه ويصم أذنيه، ينطق بالشهادة. وأمه غير بعيدة عنه تمسك سبحتها وتدعو باللطف إلى أن انقطع صوتها وسط تهاوي الركام.

توقف الدوي وصمت المكان إلا من صوت انهيارات الجدران الآخذة في الإكمال سقوطها فوق الأشياء.

“أمي، أمي أين أنت هل تسمعين؟”

يتعالى صوت علاء بالبكاء. “أماه، أماه أجيبي.”

بحث في الأرجاء، في الحطام، لا شيء ثمة يعلن عن وجود أمه. قلب في المكان، أرسل الطرف هنا وهناك. قماش أبيض بين الركام. أخذ يزيل القطع واحدة تلو الأخرى. يد أمه لا تزال ممسكة سبحتها. جس نبضها، كان متوقفا. ضغط صدرها، ململ جسدها الساكن عله ينطق بالحياة. كانت باردة كبرودة ذلك اليوم الخريفي المندى، ارتمى فوق جسدها علها تسمع نحيبه فتستفيق لتحكي له حكاياتها الليلية قبل أن ينام، لتفرك خصلات شعره العربي بأناملها الرقيقة..

صوت أزيز قادم من بعيد. تحامل على ساقيه فوق الركام وانطلق نحو بقية من جدار. نظر غير بعيد فرأى فصيلا من المقاتلين متوارين عن الأنظار. تقدم بخطى ثابتة نحو أحدهم فأمره بالتزام الصمت. كانت ناقلتا جند تقتربان من المكان، تبحثان عن حياة أو بقية لحياة لتنهيها برصاصة غادرة. التمس علاء من الشاب المقاتل أن يتقدم نحو الناقلة ويلقي قنبلة في وجهها. إنه أول انتقام سيسجله في تاريخه.

نظر الشاب إلى الفتى، تأمله قليلا، ثم اتصل بالقائد القابع في زاوية أخرى غير بعيدة. مرت الناقلة الأولى وعيون الجند ترقب المكان. صوت انفجار قوي يتلوه صوت انفجار ثان. تتحطم الناقلتان عن بكرة أبيهما وتتطاير الأشلاء في كل مكان. تنفس بعمق وهو ينظر إلى الأدخنة المتصاعدة.

حمل الأفراد الأم من موضعها بين الركام وصلوا عليها ودعوا لها بالرحمة. أرسل القائد فردا لاستطلاع الأجواء في اتجاه المخيم حتى يأمنوا الطريق. أخذوها إلى مكان غير بعيد عن المخيم يحثون الخطو قبل مجيء العدو. واروا جثمانها في سرعة.

علاء يرقب المشهد بدموع منهمرة على خديه. تأمله أحد أفراد الفصيل، كفكف دمعه وتلا قوله تعالى:

{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ولكن لا تشعرون}

رافق علاء الفصيل إلى مجمع خاص. عرفه القائد إلى مرة من المقاتلين الشباب، كلهم فقدوا آباءهم وأمهاتهم، لكنهم اليوم يحملون رسالة أعظم في التاريخ، رسالة الدفاع عن الوطن وأقدس المقدسات. نطق القائد قائلا:

“علاء كل هؤلاء الذين تراهم الآن متأهبون جميعهم من أجل الذهاب بعيدا إلى حيث الشهداء والصالحون والأبرار ينعمون في العالم الآخر، فكن مستعدا يا بطل”

أومأ علاء برأسه إلى القائد. أخذه أحد أفراد الفصيل إلى غرفة اصطفت في خزانتها ملابس عسكرية وعلقت على جدارها أسلحة رشاشة وبنادق وأحزمة من الرصاص من شتى العيارات.

“هذه لك يا علاء لنرى أبهتك بالبذلة العسكرية” قالها مبتسما وهو يمد له سلاحا..

يمضي علاء في طريقه الملتوية في اتجاه المخيم أو اتجاه الميدان. يعض بكفه على التربة الندية في كل صباح، يشتمها وتحسس الأمومة في حباتها فتمنحه طاقة أكبر. يشعر بها تسري في داخله.

زهرة جميلة على رأس القبر أخرجت رأسها وتسامت نحو العلاء، تكللها قطرات باردة لم تكن موجودة في صباح الأمس.

صرف تفكيره عنها ومضى يشق الطريق نحو الميدان. شارف على المكان لكنه توقف يتأمل قافلة من الجند تشق طريقها بتؤدة نحو المخيم.

“يا إلهي إنهم يقصدون المخيم لقتل الأطفال والنساء”. تماسك نفسه قليلا ثم فكر.

أخرج جهازه اللاسلكي، اتصل بالقائد، أخبره بمسير القافلة.

تهيأ الأفراد من الفصيل للعملية. أمر القائد علاء باستدراج القافلة نحو الميدان بدلا من المخيم. سلاحه الرشاش وقنابله اليدوية كفيلة بتنفيذ المهمة المستحيلة. سار بهدوء واتزان. اتخذ له مرتفعا غير بعيد عن طريق القافلة. تأملها جيدا. كانت مكونة من سبع ناقلات تتقدمها دبابة “ميركافا”. إن العملية صعبة للغاية، لكن الأمر يتطلب تضحية كبيرة.

موت نفس أهون من موت المئات. هكذا أقنع نفسه ثم أردف قائلا:

“إنها فرصتي لألحق بأمي هناك” قالها وهو يرفع بصره إلى السماء.

في زاوية متوارية عن الأنظار، صلى ركعتين ودعا الله بالتوفيق. استشعر طاقة عارمة تجري في دمائه. توجه نحو المنحدر بحذر شديد. أخرج القنبلة الأولى والثانية. ثم سمى الله وهو يقول: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}

تفجرت ناقلة أولى وثانية وتبعثرت الأجزاء في المكان. دارت الدبابة في مكانها ودارت معها الناقلات الأخرى تائهة تبحث عن منفذ. تطلق الرصاص خبط عشواء في الأرجاء كالمجنون. عادت الناقلات الأخرى من حيث أتت لما رأته من هول التفجير معتقدة أنها تمضي إلى بر الأمان. دوي انفجارات متتالية يتعالى في المكان. قطع الصفائح تتقاذف في العلاء. صوت الرشاشات والرصاص المتطاير يملأ الفضاء. ميركافا بئيسة تشتعل. يحترق الجند، يتفحمون. وفصيل يرفع راية النصر في الميدان.

يأمر القائد بتمشيط المكان بحثا عن علاء. يجري اتصاله به فلا يجيب. يعيد النداء:

“علاء هل تسمعني، أين أنت يا علاء؟!”

الخط لا يعمل. أحد أفراد الفصيل يمسح الدم السائل من رأسه. يجس النبض. يتحسس أثر الحياة. لا شيء سوى موت بارد في كل الأطراف. شظية أصابته كانت على مقربة منه عند تطاير الصفائح. مدد الجسد وصليت عليه جنازة في خشوع. حملته الأكتاف وهي تدعو له بالرحمة.

زهرة بيضاء تتسامى نحو العلاء فوق ركام من تراب لا تزال نديًّا. دفن بجانبها. استدارت نحو الركام الجديد مفترة الثغر. وفاح منها عبق ذكي ملأ الجو طيبا..

في الصباح يد تعض على الركام الجديد. كان نديا عبقا.

وعلى رأسه زهرة بيضاء خرجت من الأرض أخذت تتسامى نحو العلاء.

الحركة المدرسية بولاية كيرلا؛ مسيرة إلى نهضة الأمة الإسلامية

يعد المجتمع الإسلامي في ولاية كيرلا من أقدم المجتمعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، هبت رياح الإسلام في هذه الأرض الخضراء في مطلع القرن الأول الهجري عن طريق الدعاة الراسخين والتجار العرب الذين حملوا على أكنافهم رسالات الإسلام وقيم الدين .وأصبح مسلمو كيرلا يشتغلون في  شؤون مرتبطة بالدين بشكل كبير، وتلقوا التعاليم الدينية من محاضرات المشايخ في المساجد والمجالس المحدودة؛ مع مرور الزمان ظهر التشابك الفكري والصراع المعنوي بين المسلمين في كيرلا، حيث احتلت في مبادئ الإسلام الجوهرية، التنظيمات التكفيرية والآراء البدعية والإلحادية  ،التي غرزت بجذور المفاهيم الوهابية والسلفية، مكانا مرموقا في المجتمع، واجتهدوا لترويج عقائدهم الفاسدة في أوساط عوام المسلمين الخالصين،.

وناتجا عن ذلك، جعلت الأمة الإسلامية تضطرب خلال هذه الحوادث الطارئة والفتن الكئيبة، ولم يتوفر لهم النظام المرصوص والمؤسسات الدينية لتعليم محقق وترويج العلوم. وفي هذا المنطلق، بدأ العلماء الأتقياء بإهاجة الحركة الإصلاحية التعليمية لنهضة مسلمي كيرلا من أخاديد البدعة والكفر، حيث نجمت هذه الحركة عن انبثاق نظام صامد ومنهج دراسي رائع لعوام الناس، وهي الحركة المدرسية، التي أضاءت شعاعها في كيرلا من شرقها إلى غربها، وأصبحت واحدة من المؤسسات المثالية الدينية على صعيد دولي.

إنما كانت أوضاع مسلمي كيرلا الدينية والاجتماعية معكورة بغبار الفتن والعنف ومشحونة بآراء الكفر والبدعة في بداية القرن العشرين، وارتطمت الأمة الإسلامية في هاوية الطيش والغفلة. حتى جعل يهيج في شواطئ كيرلا أمواج الزنادقة والخرافة مع ورود دعاة التنصير والإلحادية بهدف تحويلهم من سبيل الحق، وبالإضافة إلى ذلك قامت عدة من المنظمات الفاجرة والحركات البدعية، التي تشبثت بمبادئ الوهابية الخطيرة والثقافة الغربية، بتلويث أجواء كيرلا بمفاهيم طارئة وآراء مشوشة. وما زال مسلمو كيرلا يروح في سابع نومة خلال هذه الأيام الحالكة، حيث لم يحظوا بالتوعية الدينية واليقظة الفكرية كطائرة فقدت البوصلة وسط صحراء موحشة. وفي الوقت نفسه تقدم علماء أشراف تحت جمعية العلماء لعموم كيرلا لتحرير الأمة الإسلامية من أسر الأفكار الضيقة وتنبيههم من الغفوة العميقة. واشتغلوا في بناء المشاريع الرائعة والخطط البديعة لانتعاش الأمة. وتاليا قاموا بإصلاح النظام التعليمي الديني والتوجه إلى بناء المؤسسات الدينية تعني ‘المدارس’، لأنه لم تكن هناك مؤسسات رسمية للتعليم، فكانت المساجد هي المراكز الأولى للعلم، ومنها تلقى أبناء المسلمين العلوم الابتدائية الشرعية. ولا يمكن أن ننسى نشاطات الإصلاحية للشيخ العالم الحاج جاللكت كنّ أحمد في رفع عمود المدارس في شتى أنحاء كيرلا، كما أنه يعرف كأول من أتى بنظام المدارس الدينية بديلا عن الأساليب المعتمدة في المساجد المنطقية خلال هذه الفترة. ومن الملحوظ هنا تفاني زعماء جمعية العلماء وثقتهم في تقديم هذه الحركة الغريبة وسط الأمة الإسلامية، حيث غضوا الطرف عن الافتراءات والشبهات الواهية، وصعّروا الخدود عن الاتهامات والمزاعم الباطلة وأحرزوا قصبات السبق في المضمار.

وفي الحقيقة، أصبحت المدارس الإسلامية أساس الدين والشريعة، وكان الطلبة أنفسهم سدنة الشريعة وحفظة القيم الإسلامية، تعلموا الدين ومقاصده كما تعلموا من الجامعات الحكومية، وشاركوا في الامتحانات العامة الإدارية وحصدوا أوسمة ونجاحا لحد أن يصحح بعض الإعلام والأقلام موقفهم العنيف مقابل المدارس الإسلامية.

هكذا ظلت المدارس الإسلامية حاضنة الثقافة والوعي الديني في الشباب، وأنشأت مشاعل الانسجام والتعاون على منأى من التطرفية والتشدد والدمار، ودائما روجت رسالة الأمن والهدوء بين أصحاب العنجهية والغطرسة. كما أن نظام المدارس تمتع بمكانة سامقة وقبول شعبي في فترة قصيرة، حتى ازدهرت هذه المنظمة إلى هذا الحد الذي يتسابق الزمان حتى تعدت سرعته حدود ولاية كيرالا إلى كافة الولايات بل إلى خارج حدود الهند وفاحت بشذاها في كل بقاع الدولة. كأنها مدت أعناق المسخ في مساهماتها الثقافية والدينية على امتداد كيرلا من عرضها إلى طولها بألوان زاهية، وناتجا عن ذلك كانت كيرالا لا تزال تكتسب أهمية كبيرة في خارطة الهند، فمن جهة تمتاز الولاية من بين سائر الولايات بأنها أرض خصبة للمثقفين، وظلت نسبة الأمية فيها ضئيلة جدا، وتبلغ نسبة معرفة القراءة والكتابة إلى ما فوق تسعين في المائة، ومن جهة أخرى هي مهد الإسلام، ولا يبرح المسلمون فيها على وعي بدينهم أكثر من أي ولاية أخرى. وطبعا، فلو لا تصدي هؤلاء العلماء المخلصين والدعاة المستنيرين لخضعت ولاية كيرلا لتلك التيارات الهدامة ولوقعت الجمهرة الإسلامية الساذجة في مكايد هؤلاء المفسدين الطغاة.

بالجملة ، يمكن لنا أن يرى تزايدا بديعا  في مثل هذه النشاطات الفعالة في كيرالا بفضل جهود العلماء تحت لواء جمعية العلماء لعموم كيرلا، وعرضت المدارس تكون هي ظاهرة فريدة من نوعها لا توجد في أي بقعة من بقاع الأرض، وسجلت كيرلا رقما قياسيا كالشبكة التعليمية الدينية الأكبر والأكثر تأثيرًا على صعيد الولاية في العالم، حيث تنتشر في ربوع ولاية كيرالا أكثر من عشرة آلاف مدرسة دينية تحت إشراف جمعية العلماء وتحمل على عاتقها مسؤولية تنشئة الأجيال على تعاليم الدين الإسلامي والقيم الإنسانية، لا سيما في حين احتفلت جمعية العلماء بذكراها المئوية في هذه السنة. ولا تزال هذه المؤسسات التربوية على خدمة ما يقارب مليون ومئتي ألف طالب، ينهلون منها العلم الشرعي والقيم الأخلاقية، فيما يقوم على تعليمهم أكثر من عشرة آلاف معلم مؤهل كما تتميز هذه المدارس بأسلوبها المنظم والمهيكل، وتقوم بتعزيز قوة الأجيال النامية المتقدمة، في مسعى لإرساء مجتمع مثالي خالي من التعارض الفكري، وظلت باعثة قوية في نهضة الأمة طوال هذه الفترة، حيث أدت إلى أن تنهض كالعنقاء إلى آفاق السماء.