ملحمة الإسلام في الصين بين مجد الصحابة وجرح الإيغور

في تاريخ الأمم لحظاتٌ فارقة تعيد رسم خرائط الروح قبل الجغرافيا. ومن أغرب وأجمل تلك اللحظات، حين ركب الصحابة الكرام “سفن النجاة” ليقطعوا طريق الحرير البحري، لا طمعاً في ذهب الصين، بل رغبةً في إيصال كلمة الله إلى أقصى الأرض. ومن هنا نبدأ حكايةً بدأت بنور “التوحيد” وتمر اليوم بنفق “التهجين القسري”.

وهب بن أبي كبشة: السفير النبوي خلف البحار

بعد “صلح الحديبية”، انتقل المركز الإسلامي إلى مرحلة “الدبلوماسية العالمية”. وجه النبي ﷺ رسائله إلى ملوك الأرض، وكان من بينهم “ملك الصين”. انطلق الصحابي الجليل وهب بن أبي كبشة (رضي الله عنه)—وهو من أخوال النبي ﷺ من بني زهرة—في رحلةٍ أسطورية عبر المحيطات. لم يكن وهب مجرد داعية، بل كان “خبيراً في أخلاق الأمم”. دخل بلاد الصين، وبالتحديد مدينة “غوانزو” (كانتون)، حاملاً رسالةً بدأت بعبارة تهز الوجدان: “من محمد رسول الله إلى عظيم ملك الصين”. لقد تجلت في هذه الرسالة حكمة نبوية بالغة؛ حيث خاطب الملك بلقب “عظيم” تكريماً لمكانته، ودعاه بـ “كلمة سواء” لا إكراه فيها ولا قهر. ويروى أن الإمبراطور الصيني حينها (من أسرة تانغ) قد فُتن بزهادة الصحابة وأخلاقهم، واعتبر أن مبادئ الإسلام الأخلاقية تتقاطع في جوهرها مع فضائل “الكونفوشيوسية” في احترام النفس والمجتمع، فأذن ببناء “مسجد هوايشانغ” (مسجد الذكرى الشريفة)، الذي ما زالت مئذنته “نور المنارة” شاهدةً على أول لقاء رسمي بين الإسلام والصين في السنة السادسة للهجرة.

التبادل الحضاري: حين كان المسلمون “جسراً” للصين

لم ينتهِ الأمر عند وهب؛ بل تلاه وفدٌ مهيب في عهد الخليفة عثمان بن عفان برئاسة سعد بن أبي وقاص عام 31 هـ. كانت تلك البداية لتاريخ شريف من التعاون؛ حيث أصبح المسلمون هم “العصب التجاري” للصين، يربطونها بالعالم عبر التجارة والأخلاق. لم يكره المسلمون أحداً على الدين، بل دخل الصينيون في دين الله أفواجاً لما رأوا من صدق المعاملة، حتى أصبحت المدن الصينية تضج بحياةٍ اقتصادية وأخلاقية فريدة تحت حكم أسرة “تانغ”.

العصر الرقمي المرعب: “لا مفر” من الحقيقة

أما اليوم، فالصورة قد انقلبت رأساً على عقب. فالتاريخ الذي شهد بناء المساجد بأمر الأباطرة، يشهد اليوم هدمها بجرافات “الإبادة الثقافية”. في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان “لا مفر: القصة الحقيقية لإبادة الصين للإيغور”، ينقل لنا الكاتب الأمريكي من أصل إيغوري “نوري تركل” صرخةً من قلب الظلام. يوثق الكتاب كيف تحولت الصين من “واحة تجارية” إلى “مختبر مراقبة” عالمي. المسلمون في “تركستان الشرقية” اليوم لا يواجهون السجون التقليدية فحسب، بل يواجهون “سجون الخوارزميات”. تقنيات الذكاء الاصطناعي تراقب ملامح وجوههم؛ فمن يظهر عليه مسحة حزن أو يرتل آية في سره، تلتقطه الكاميرات. تم تثبيت أنظمة مراقبة إجبارية على الهواتف، ومن وُجد في هاتفه “كلمات إسلامية” أو “دعاء” كان مصيره الاعتقال.

انتهاك “قدسية البيت” ومسخ الهوية:

المأساة لم تتوقف عند عتبة البيت، بل دخلت في مخدع النوم. تفرض الحكومة نظام “التوأمة القسرية”، حيث يُجبر موظفون حكوميون على العيش داخل بيوت المسلمين الإيغور لمراقبة صلواتهم وطعامهم، بل وتجريدهم من خصوصيتهم النفسية. وفي مراكز الاعتقال (التي تسمى كذباً مراكز إعادة التأهيل)، يُجبر المسلمون على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لـ “غسل أدمغتهم” من الهوية الإسلامية، ويتم تعقيم النساء قسراً في واحدة من أبشع جرائم التطهير العرقي في العصر الحديث. لقد مات الصحابي وهب بن أبي كبشة في أرض الصين، وترك فيها مسجداً كان رمزاً للتعايش والدبلوماسية الراقية. واليوم، ونحن نقرأ التاريخ الصيني الحالي بدموع الهموم، نتساءل: أين غابت تلك الحكمة البليغة التي استقبل بها الأباطرة الأوائل رسائل النبي ﷺ؟

إن إرث وهب وسعد بن أبي وقاص لن يمحوه “الذكاء الاصطناعي” ولا “التعذيب الممنهج”. فالإسلام الذي دخل الصين بكلمة “عظيم”، سيبقى عظيماً في قلوب المؤمنين، وستظل قصص الصمود في “تركستان” فصلاً جديداً من فصول ملحمةٍ بدأت بسفينةٍ صغيرة في جيانغسو، ولن تنتهي حتى يُحق الله الحق بكلماته.