حينما صعق البرق

الدكتورة سميه رياض الفلاحى

كان متوسط القامة، طويل الباع، صابح الوجه، اسمر اللون وفخم البطن يقضى أيامه فى بلدة الجبيل فى المنطقة الشرقية من الدمام لكسب العيش. وكان اعتاد أن يدعو أصدقاءه إلى مائدة واسعة كل يوم ثم أن يزور معهم إلى منتزهات وشواطئ البحر طوال الليل ويعود إلى بيته فى السحور وهذا الجمع المطبوع على حب الظهور والصداقة.

وكان يعيش عيشة كريمة وهو ماض فى طريقه بأجنحته الفخمة يعنى بشيء مما حوله فلا يسمع لمشكلة إلا أن يسرع إلى حلها ولا يرى مأساة إلا أن يشتد ألمه وتقوى رغبته فى إزالتها. وكان ذا مقدرة ومحبة لدى ذويه وفى قريته. فإنه بلا شك كان يقضي أوقاته مفكراً بأموره … وتتابعت الأيام….

وظل يبقى فى المتجر فى اليوم ويسهر الليالى مع الأصدقاء المحبين ثم يعود إلى بيته هنيئا مريئا ويفرح مع عائلته المثقفة تشمل الزوجة وبنتين. ومضت الأيام حتى جاء يوم زوج ابنتيه فى وطنهما ولحقتا بزواجهما، ولقد كان يبغى رؤيتهما ومقابلتهما….

وكان يشعر بضيق الصدر لفراق ابنتيه ويفكر في أمر الذى يسهل الطريق للتعايش مع عائلته الكاملة. وتتابع مر الأيام والسنوات، ولكن ذكراهما كانت تعاوده. وانتهى موسم الشتاء وقصد إلى وطنه وشد الرحال إلى بومباي وعادت الحياة تدب دبيبها المزعج حينما وصل إلى عائلته وزادت حياته نشاطا وابتهاجاً.

سمعت رنة جوال والتقطت المسماع وهززت هزة فريحة ما رمى من كلمات متألقة عن زيارته إلى بيتى حتى جاء اليوم قابلت معه بشدة السرور والبهجة وقضى الأسبوع فحزنت بعد رجوعه إلى بومباي للعلاج.

وكنت أقضى الأيام فى مراقبة إذ وجدت عينيى قد تعلقتا بأبى المشفق فلم تبرحاه …..  وأخذ أنعم النظر فيه واتفحص طويلاً ثم برق وجهى بغتة بابتسامة مشرقة ظافرة حينما عزمت على شد الرحال إلى بومباي.

وحدث يوماً أننى كنت جالسة فى مكانى بقرارة قلبى وفجأة سمعت عن حظر التجوال فعدت إلى حجرتى مهموسة يائسة أشعر بخيبة ذليلة وظلت هذه الحالة متتابعة، فيشتد ألمى……

ومضت الأيام فى دهشة وذعر ولكن سرعان ما تركت إلى الوراء لا اعبأ بما تطوى من بؤس وزجر… 

هل أنت مستعدة لزيارة إلى بومباي يا بنتى الغالية؟ كان يسألنى بشدة شوق ووفور ابتهاج…

نعم! ولكن كيف؟ سألته بالإعجاب.

أنا أرسل إليك تذاكر الطيران فأسرعى إلى ….

وقصدت للسفر فى الشهر القادم بدون اكتراث لما حدث فى الفضاء من جائحة كورونا.

وتوالت الأيام وفجعت بألم شديد في الساعة الثانية صباحاً حينما رفعت الجوال وسمعت صرخ شقيقتى التى كانت تنطق بلهجة مليئة بالوجع والدمع يا أختاه! أبى أصيب بعدوى كورونا حتى اضطر إلى الأوكسجين فلم اتيقن على خبرها لحظة..

ولزم الفراش ولو كان ذا حيوية ونشاط…

وزرت إليه حزينة باكية متوكلة على الله ومتفائلة بالشفاء.

وأصبح حالته لا يلوى على شيء ولا يبالي بها…

ثم برق وجهه بغتة، وخيل إليه أن جسمه اكتسى بالريش، وقد نبت له جناحان حينما رآنى أمام عينيه، وأخذ يشفى ببطء.

ولكن ما لبث أن ساءت حالته الصحية ولكنه أصر على التداوي فى البيت ولم يسمح بدخوله إلى المستشفى متوكلا على الله ويدوم بكلمات التسلية دون خوف أمام أسرته قائلا :”لا تقلقوا، الشفاء إن شاء الله” وكان يهمس بشفتيه :”كل نفس ذائقة الموت” إن كان الله يريد أن يشفينى فهو يشفى وإلا فارجع إليه .

وجاء يوم الخميس وأكثر مرضه وأصرت أسرته وأقاربه على دخوله إلى المستشفى فكان ينظر حوله كأنه يحدق أطرافه ولا يريد أن يخرج من بيته.

عليك أن تدخل إلى المستشفى للعلاج وعليك بالشفاء إن شاء الله … . قلت له …..  فلم ينبس بكلمة.

ثم أصررت عليه فزجرنى وقال :ألا توكلى على الله؟

أنا أتوكل عليه وأومن به …. ولكن قلبى يزعج ….  أجبته بالدموع تنزل من عيونى البرية.

فشرب زمزم ثم خرج من بيته بدون نطق كلمة ….

قلت له : أستودعكم الله….

ومضى يوم فأصبحت حالته سيئة حتى اضطر إلى التنفس الصناعي. وما زلت أدعو الله تضرعا وخفية للشفاء العاجل والكامل وقضيت ثلاثة أيام ساهرة ذاكرة ربى …

يا رب! اشفه …..

وفى هذه الأيام كنت اضغط على ذهنى كثيرا، و لكن بلا جدوى. من أي طريق أصيب بها؟ ومن أين هو أخطأ ولو كان ذا حذر وبال فى أمره؟

وكانت الأسئلة تتلاطم فى ذهنى، ولكن لم يكن لها أى جواب … وكنت بحاجة من يعطف على ولكن من يعطف؟

وجاء يوم الاثنين ظهرا فصعق البرق وخطف أذنى كأن حواسى مشلولة حينما سمعت خبرا متوحشا وحاولت البكاء ولكن عينى لم توافقني، ولم أدر أين اختفت الدموع ؟…

وهممت بالشفاه! الرضا بالقضاء! الرضا بالقضاء!

وتذكرت ” واصبر صبراً جميلاً ” وقمت من فورى مدفوعة بقوة لا تغلب ولجأت إلى الله.….

ثم رأيته ملفوفا بالثوب الأبيض قاصداً إلى الله، فوا كآبة منظر! أول مرة فى حياتى ……. وإن يوم 9 نوفمبر من سنة 2020 يوم لا استطيع أن أنساه …… اكفهرت الدنيا أمامى.

ولكن سرعان ما تركت حولى ووجهت بصرى إلى السماء مشتكية إلى الله.

هل أنت متشائمة؟ ألا تؤمنى بالقدر ولا توكلى على قضاء الله؟ سألنى ضميرى ووبخنى ملوما فلم البث ثوان إلا أن كرت الآية فى عينى “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم” وجعلتنى اعيش متفائلة……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.