عبد الحفيظ الندوي

حدثني أبو سحبان مرة وهو يتكلم معي في فناء داره وسألته عن السياسة
فعجب وغضب فأجاب :
بُنَيَّ إنها اللعنة ولا تقربوها وإنها الفتنة واحتذروها
وسألته كيف تكون اللعنة والفتنة يا هذا؟
وقال إنها حظيرة الخنازير ومن دخلها تخنزر
ومن أصاب شيئا منها تخنجر وأضاف قائلاً :

لعن الله من ساس يسوس ساسة وسياسة
وكل ساسة سوسة سوسوا الوطن تسوسا

سمعت ما قال وتركت ما في أقوال الناس من قيل وقال
ورجعت إلى داري وجربت في السياسة من رجال وأشبال
ليسوا إلا دمية تباع وتشترى يوما في سوق الخيول والأذيال
يُسكَّنون في الفنادق ذوات النجوم عياذا لما فيهم من وبال

البارحة زرتهم لأجلي أنا وكانوا لا يضحكون
وصلوا بيتي اليوم أمس الانتخاب يضحكون

الضحك فيهم عاد كعادات
في حليب مزج ابتسامات
وقالوا لا تضيعوا الأصوات
جلسوا عندي كببغاوات

العدالة عندهم إلا للبعض
تغيرت بمغزاها معا بالبغض
تم وضعها للعوام كمفضض
كتموا غيظهم في ملابس بيض

أناس مثل الأعداء يعاملون
قبيل انتخابهم يجاملون
في قضايا القوم متساهلون
في مصالحهم هم متطاولون

لهم في كل مكان مشاجرة
يجعلون في كل أمر مفاخرة
يصنعون في كل زمان مناظرة
يرجون في كل شيء مقامرة

ضع يدك على كتفك وامش
كل أحد منهم نمام وواش
إلا من أتى الله بقلب خاش
لا تقرب من مرتش منهم وراش

ذهبنا لإدلاء الصوت يوما
لا أنسى ولن أنساه دوما
رأيت أناسا صالحين وقوما
هم نسانيس ليسوا أقوما

طلعت النتائج،
خرج منهم خوارج
ما لهم من مارج
فاز فيهم كل دارج

قطع كل المتمردين الأكعاب
تبدل الثوار منهم الأحزاب
تغيرت لهم الأسباب
وطرقوا كل باب

تكونت القرويات،
وتشكلت البلديات،
وتنورت المدنيات،
وسمعنا منهم كل آهات

بعد أشهر قلائل
ستأتي كل الخلائل
وتشدو جميع البلابل
وتعمل جل الزلازل

بعكوكة البرية
تجمعوا سوية
لانتخاب الولاية
بدون دراية ورواية

تتقلب الجبهات
تأتي من ست جهات
يثيرون الترهات
يجمعون التبرعات

ينسون العهود
يرفعون الوعود
كماء وطرق وطرود
بعده يصيبهم الجمود

هذا ما جربنا منهم كل آن
يأتون و يفرغون الأواني
بدقيقة من ساعة أو ثواني
توا يغادرون البلاد من المواني

ثم يلجون الأكواخ يطلبون البرلمانا
حتى يرجعوا إلى بيوتهم شبعانا
يتجاهلون ما وعدوا أو نسيانا
يرثون أبناءهم وأحفادهم مليانا

صدقت يا شيخنا أبا سحبان فينا
كل ساسة الدنيا منا وجدناهم لعينا
يعهدون الدنيا ويخربون دينا
إلا من تاب منهم إيماناً ويقينا

هذه المقامة أهديها إلى شيخي الفاضل أبي سحبان الذي كان يتكلم عن السياسة بأسلوب حتى سئم منها طلابه وابتعدوا عنها حذراً من كل ويلاتها وأخطارها