سلمان مبشر بن محمد كوروت

جالستني أختي وهي تفكر في ولديها الحبيبين الصغيرين. يسافران إلى قطر لمواصلة الدراسة فيها، فهم كانوا قد أتوا للإجازة إلى الهند وهي لا تذهب معهما، ففاتحت الكلام قائلة: هل لك يا أخي أن تخبرني بحياة لا فراق فيها ولا وداع؟! فإنهما ينغصان صفو الحياة ونصاعها..

فالتزمت الصمت برهة ورفعت رأسي وقلت: إن هذا الدهر يا أنيستي لا يستطيع أن ينام ساعة واحدة عن الإنسان، وليس من إمكانه أن يسقيه كأساً واحدة لا يخالطها كدر ولا يمازجها شقاء، فينال الإنسان السعادة تارة والشقاء أخرى.. فهو أشد شيئ على الإنسان..

لا بد للمرء أن يمر في هذه الحياة بمراحل عديدة، منها: مرحلة الفراق واللقاء. فلربما تنهدم آماله الجسام التي بناها وبذل سبيلها الآلام الهموم فيما بين يوم وليلة..

لو كانت هذه الدنيا مقام السرور للمطيعين ومقر البؤس للعاصين لما تنورت تلك الصفحات الموجودة في كتاب التاريخ بسير السابقين الأولين من الأنبياء والصلحاء، ولما امتلأت حياتهم بالآلام والأوجاع القاسية المرة.

إن هذه الأشجان تزيد القلب قوة والضمير ثباتاً للمسلم، لأنه من يوقن أن البلايا من الرب طريق إلى العلاية، وهو من يتخذ المِحَن مِنَحاً!

إبراهيم نجل حبيبنا صلى الله عليه وسلم ودَّع دنيا الناس وهو في مبتكر سنه، وخديجة رضي الله عنه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم فارقت زوجه وهو في لظى الآلام الحميم، وأبو طالب عم رسولنا صلى الله عليه وسلم يودعه الوداع الأخير ويترك وحيداً بعد أن كان هو الوحيد الذي يحميه ويصونه من أذى الكفار والمشركين.. انظري كم تحمل وهو رسول الله وحبيبه الذي جعله خاتم الأنبياء والمرسلين! ويوسف ولد يعقوب عليهما السلام وكان ابنه الودود الذي رباه بكل حب وحنان، فلما سلبه الإخوة م حضن والده ابيضت عيناه وصار فريسة الكآبة، لكنه صبر واحتسب!

إن كنت تقولين وتحدثين نفسك أنهم رجال يتحملون كل شيئ، فدعيني أحدثك حديث أم حبيبة رضي الله عنها التي هاجر بها زوجها إلى الحبشة وتنصر الزوج حتى أصبحت وحيدة في بلد غريب، فأخبر الله ذلك الخبر من طريق الوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم حتى زوجها النجاشي من الرسول صلى الله عليه وسلم..

فيا لفرحتها ويا لسرورها..! رسول الله وحبيبه بدل زوج كان صحابيا ثم تنصر..! احتسبي يا أختاه وودعي ابنيك واستودعي الله أمانتهما وسليه أن يحفظهما ويصونهما من كل شر وبلاء..

تحملي ألم الفراق ينتظرك فرح اللقاء.. وكوني على يقين أن الله تعالى يقي كل ذي شر من ابنيك، وألقي كل شك وظن من نفسك فإنهما أكبر عدو يهون قوة الإيمان وصلابة اليقين والرجاء في الله تعالى.. فهو الذي أعطانا الحياة فلا يكدرها ولا ينغصها..!

فما نحن إلا عباد نحيا كما شاء الله تبارك وتعالى..

فما أممت خطابي هذا حتى ألقيت نظرة على وجه أختي الحبيبة فإذا هو محمر تكاد عيناها تنفجر بالدموع الغزار.. وتمتمت: قد أرحت بالي يا أخي الحبيب..!