د. محسن عتيق خان

(قصة قصيرة)

رأيت سانجاي في نهاية الصف الطويل. كان لا يزال وسيمًا كما كان دائمًا، ولكن بدا قوامه العملاق كأنه تقوس قليلا، وعلامات التوتر وقطرات العرق على وجهه كانت تحكي قصة تعبه وقلقه. كان ابن صديق طفولتي الحميم الذي انتقل إلى بلد أجنبي مع زوجته منذ فترة طويلة بحثًا عن حياة أفضل وفرصة جيدة، واستقر هناك بشكل دائم. وُلد سانجاي ونشأ هناك وحصل على جنسية ذلك البلد لكنه زار قريتنا عدة مرات مع والديه.

قبل خمس سنوات عندما توفي والده، عاد إلى القرية لبيع ما ورث عن أبيه من ممتلكات بما فيها بيته وعدة قطعات من الأرض. ذهبت للقائه بدافع العطف وذكريات صديقي الحبيب، وحاولت إقناعه بعدم بيع هذه الممتلكات فهي ستوفر له حيلة لزيارة أقاربه وتساعده في البقاء على اتصال بجذوره، ولكنني لم أحصل على أي نوع من الاهتمام والاحترام اللذين كنت توقعتهما منه. كان سنجاى بمثابة طفلي تمامًا، ولكنني لمست في عينيه موجات الكراهية التي أظهرت فظاظة ما كان يحدث في ذهنه بوضوح. كنت على دراية بالمواقف السائدة في المجتمع في ذلك الحين، وعرفت كيف أن سياسة بلدنا اتخذت منحنى في بضع سنوات ماضية وكيف بعض الساسة المتعصبين والأحزاب المتطرفة شمرت عن ساقيها لاستقطاب الأغلبية الهندية عن طريق بذر جذور العداوة الشرسة في قلوبهم ضد الأقلية المسلمة، وذلك لمجرد الوصول إلى السلطة لكى يتم تحويل البلد من ديموقراطية إلى ثيوقراطية، ومن دولة علمانية إلى دولة دينية هندوسية. لم يخطر ببالي قط أن هذا المرض كان انتقل إلى المواطنين الهنود الذين يعيشون في الخارج أيضًا ويتمتعون بحقوقهم في المجتمعات الحرة في بلدان أوربا وأمريكا، وأن هذا الصبي قد أصيب بنفس الحمى ويفكر في نفس الاتجاه. عدت إلى منزلي وأنا أشعر بالألم فجلست على السرير مصعوقا لساعات. في الأيام القليلة القادمة، بدأت أفكر عما يجب على أن أذهب إليه ثانية وأقنعه على التخلي عما يروم إليه أو أتركه وشأنه. وبعد الكثير من التفكير، قررت أن أتحدث إليه مرة أخيرة.

كان ذلك آخر يوم سانجاي في القرية وكان من المفترض أن يغادر في المساء. بعد تناول الغداء، طلبت من ابني أن يفرش السرير تحت الظل البارد لشجرة النيم في فنائنا ويجهز نارجيلتي، ثم توجهت نحو منزل سنجائ. رأيته جالساً بين أبناء أعمامه فناديت به باسمه. توجه نحوي وعندما اقترب مني أمسكت بيده وأحضرته إلى فناء منزلي. طلبت منه أن يجلس على السرير وبعد أن أخذت الدخان الأول من نارجيلتي، ألقيت نظرة على وجهه، كان مثل والده تماما في المحيا والمنظر، وهذا جعلني أشعر بالحنين، فخاطبته، "هل تعلم؟ كلما استخدم هذه النارجيلة، هي تذكرني بأبيك، وأنا أستخدمه كل يوم مرتين على الأقل. شجرة النيم هذه هي شهادة طفولتي وطفولة والدك؟ لعبنا هنا لساعات معًا واسترحنا تحت هذه الشجرة في الصيف. كنا نستخدم فروعها الصغيرة كفرشاة للأسنان ونجمع ثمارها المريرة لدفع ثمن الشات[i] في سوق قريتنا مرتين في كل أسبوع. اعتدنا على شراء ورقتين (طبقين) للشات معًا وكنا نتناول الطعام جالسين على هذا التل المرتفع حيث ترى برجا ضخما من خزان المياه لآن." أثناء الحديث معه، وجدت نفسي منغمسًا في ذكريات الأيام الماضية من طفولتي، مرت برأسي ذاكرة مثيرة للاهتمام تلو الأخرى، ولم أستطع التحكم في ابتسامتي كما سألته، "هل تعرف العم شُبراتي؟

وبدون أن انتظر رده، واصلت الحديث، “العم شبراتي كان أحد المزارعين الثلاثة في قريتنا الذين كانوا يزرعون بذور الحمص، كان أفضل شيء أن أحب الجميع مضغ أوراق نباتها الخضراء مع صلصة الفلفل الأخضر، وكذلك ثمارها الأخضر بعد تحميصها على النار. أنا ووالدك كنا ندخل في مزرعته خلسة لننتزع القليل من الفروع وكلما سمعناه يصرخ “من هناك؟” كنا نطلق ساقينا للريح، ولم يتمكن من أن يمسك بنا قط، وكذلك لم نلتقط قط أكثر مما كنا نحتاجه.” لقد نظرت للتو إلى سانجاي فوجدته يصغي إلي بكل جوارحه ثم واصلت الحديث. “هناك الكثير من الذكريات التي نتشاركها معًا، أحدها مرتبط بأيامنا المرحة خلال فصل الشتاء. كان تم ثبت كسارة قصب السكر وراء مصلى العيد في قريتنا. ربما رأيت تلك الساحة البيضاء الكبيرة والقديمة في الطرف الشرقي من قريتنا. كان الثيران يتحركون بشكل دائري طوال النهار والليل والنار مضرمة تحت مقلاة كبيرة يغلي فيها عصير قصب السكر الطازج لصنع كرات مدورة، كانت تلك المناسبة كنوع من الاحتفال لنا فكنا نستمتع كثيرا.” التفتت إليه ووجدته منشغلاً بالأفكار. لقد انفتحت على شخص ما بعد سنوات عديدة وشعرت بالحنين الشديد، كما يبدو أنه يهتم بما يسمعه مني، فلم أكن أتحدث عن نفسي فقط بل عن والده الشفيق أيضًا. الآن فكرت في الوصول إلى النقطة. خاطبته مباشرة قائلاً: “عندما زار والدك القرية في المرة الأخيرة تحدث عنك كثيرًا. قال لي “ابني في طليعة النشطاء بشأن حقوق الشتات الهندي هناك.” فشعرت بالسعادة حيال ذلك لأنني أدركت أنك تحب الثقافة والتقاليد الهندية. ولكن بدا قلقا للغاية عندما أخبرني عن نشاطك الآخر، وكذلك أزعجني أيضا.

-ماذا اخبرك؟

-“أخبرني أنك وقعت في حبال منظمة فاشية متطرفة لا تؤمن بتعددية الدولة الهندية وتريد أن تخضعها لعقيدة متطرفة متعصبة لا تكون السلطة فيها إلا لطبقة خاصة، وهي لا تؤمن بالمساواة بين الطبقات المختلفة بل يفضل البعض على الآخر. إنها تسعى إلى معاملة الناس بشكل تمييزي على أساس الدين والعرق وتلعب سياسة استقطاب الأغلبية من خلال اضطهاد الأقليات الدينية في بلدنا طوال الوقت. قال أبوك لي إنك تتبرع بجزء كبير من راتبك لتلك المنظمة المتطرفة بانتظام”.

ألقى علي سانجاي نظرة عابرة ثم بدأ يحدق في قدميه وقال بصوت أعلى قليلاً ربما يحاول أن يبدو واثقا بنفسه أكثر مما كان من قبل “نعم يا عمى.” توقف للحظة ثم تابع “أريد أن يكون ديني هو الأسمى ويحكم ليس فقط هذه الدولة بل العالم كله”.

-وهل تجيز تلك الفكرة لك أن تكره أصحاب الأديان الأخرى؟ هل تعتقد أنه سيتم ذلك بنهب حقوق الآخرين، واضطهاد متبعي الأديان الأخرى؟

-“عمي، إخواني في الدين يتعرضون للمضايقة والقمع في البلدان المجاورة لنا”.

-“يا بني، لن أخوض في التفاصيل سواء كان ما قلته يحدث بالفعل أم لا، ولكن هل هذا يعني أنه يجب عليك أن تفعل الشيء نفسه هنا في الهند أيضًا؟ ألا تعتقد أنك تفعل شيئين متناقضين؟ كونك أقلية في الشتات هناك، فأنت تقاتل من أجل حقوقك هناك وتحصل عليها أيضًا ولكن في نفس الوقت، أنت تدعم أولئك الذين يريدون تجريد الأقليات من حقوقهم هنا بغض النظر عن حقيقة أن الأقليات هنا ليست من الشتات ولكن أبناء هذه التربة. دعني أوضح لك نقطة هنا. إذا ألقيت نظرة على شجرة الأنساب الخاصة بنا وعدت عشرة أجيال إلى الوراء ، فستجد أن أسلافنا كانوا من أب واحد، وهذا ينطبق على الآخرين أيضًا، ربما أنا أتبع دينا آخر ولكن نحن من نفس السلالة، وكذلك الآخرون.

– “عمي ، كان هناك الكثير من الظلم خلال فترة القرون الوسطى.”

-“لا أخوض في تفاصيل تاريخ الماضي، ولكن إذا كان هناك عنف، فهل يجب أن نستمر كما كنا في السابق؟ أعتقد أنه إذا كان الأمر كذلك، فيجب أن نتعلم الدرس، ويجب ألا نكرر خطأ الماضي.”

-“عمي لا أريد أن أجادل، علي أن أغادر فليس لدي الكثير من الوقت.”

-“يا ولدي، أنا شخصياً لا أريد أن أجادلك، أردت فقط أن أجعلك تفهم أن بلدنا بلد متنوع للغاية من حيث الأديان والعرق والثقافة وحتى اللغات. إن المنظمات العنصرية لن تضر إلا بالسلام والوئام، وتزعزع استقراره. الشيء الوحيد الذي أود أن أنصحك به هو أن كل ما تفعله يجب أن يستند إلى البر والكرم”.

ثم غادر، وبعد ذلك اليوم لم أره إلا اليوم. من وقت لآخر تلقيت أخبار نجاحه وثروته ودعمه النقدي لتلك المنظمة المتطرفة والعنصرية التي نمت يومًا بعد يوم حتى وصل جناحها السياسي إلى دفة الشؤون في بلدنا بعد الكثير من الدعاية ثم بدأ في خلق الفوضى من خلال تمرير القوانين الصارمة وتصنيف الناس على أساس الدين. قبل شهرين، في تلك الدولة الأجنبية التي عاش فيها سانجاي، بدأت الحكومة في ملاحقة الأشخاص الذين يدعمون المنظمات العنصرية حيث أدركوا أنهم نجحوا في إبقاء المتعصبين والمتطرفين من عرقهم في وضع حرج وعلى حاشية ولكنهم لم يتمكنوا من رصد الأشخاص الذين جاؤوا إلى تلك الدولة من الخارج وتورطوا في دعم المنظمات المتطرفة والعنصرية. وعندما رأيت سانجاي اليوم واقفا في نهاية الصف الطويل أدركت أنه قد تم طرده من تلك الدولة، والآن هو قائم هنا لإثبات مدنيته الهندية كما انا قائم في هذا الصف الطويل.

“عمي أرني مستنداتك” أعادتني كلمات المسؤول هذه من محيط أفكاري، وأدركت أنه حان دوري الآن. سلمت أوراقي إليه، وبعد أن تأكدت من كل شيء، وقفت جانباً في ظل شجرة زنبق حيث كان بعض الأطفال يشربون الماء من المضخة اليدوية. انتظرت أن يقوم سانجاي بتقديم أوراقه، وعندما انتهى، ألقى نظرة علي ومر بي ولكنه لم يعرني أي اهتمام، وعرفت أن الكراهية الجماعية للأقلية المسلمة قد وصلت إلى نقطة اللاعودة.

عدت إلى منزلي، وجلست على سريري أفكر في نوع الهند التي حصلنا عليها من البريطانيين، وكيف تم إصلاحها قليلاً من قبل الآباء المؤسسين الذين استوعبوا تنوع المنطقة والدين واللغة والثقافة مع الاحترام الواجب لكل منها، ثم كيف نمونا وتطورنا وواجهنا تحديات مختلفة وأخيرًا كيف اكتسحت البيئة البغيضة في طول البلد وعرضها مما أدى إلى انقسام عميق في المجتمع الهندي على الخطوط الدينية، وسحق أحزاب المعارضة وإسكات كل صوت يتحدث عن المساواة والعدل، وهذه الكراهية تبدو كأنها تأكل بلدنا من الداخل كالديدان.

(د. محسن عتيق خان رئيس التحرير لمجلة “أقلام الهند” الإلكترونية نيو دلهي، الهند) 


[i] طبق هندي يباع في الطرق على العربة الخشبية