د. محمد صباح الوتودي

حدثنا الفيسبوك عن مستخدمة له، اسمها شروق من أرض فلسطين، أنها قالت في جدار لها وهي في حديث مع آلاف من الناس: “كنتُ أخافُ الوداعَ حتى جرَّبته بأنواعهِ الثلاثة: الموت، الصمت، الحديث الأخير. الأول بيد الله، والثالث بيد القاسي، أما الثاني فلا سامح الله مَن أذاقنا إياه.”

فقام أحد منهم وهو من الهند قائلا لها: ” إن الأديب يموت اذا فرغ من كتابة نصه الذي كان يعيش فيه. فيولد القراء من مسقطه -أي موته- ويحيون في نصه المتروك. ويفسرونه حتى إلى ما لم يرد به الكاتب “المرحوم” فيكون عاجزا عند تأويلاتهم عن نصه. ويولد الأديب مرة أخرى حين يأتي بعمل جديد فإذا انتهى من كتابته يموت مرة أخرى. فهكذا الأديب يولد ليموت ويموت ليولد. وأما الصمت متعة وهو أحسن الأحوال في زمن الثرثرة. وهو في كثير من الأحيان يكون أرقى وسيلة للرد على كثير من الكلام. والأحوال الصامتة فيها راحة للأنام. إن الليل صامت فتنام الطيور في خده، ويستريح الناس في قلبه ويستيقظ العباد لعبادة ربهم في كبده لأن الكبد تجتمع فيه الآلام وتتفتح منه الأحلام. وصدق من قال:” للصمت لغة أبلغ من الكلمات فاختر الصمت لغة ان خانتك الحروف يوما” . وصدق من قال: “الصمت في حرم الجمال جمال” . واما الحديث الاخير لا يكون الا بعد أوله واوسطه فإن طاب أوله قد يطيب آخره. فإذا تحسن آخره تحسن كله، وإذا تأسن آخره تأسن كله. وإذا كان الحديث الآخر يدور بين العشاق فيقول كل واحد منهم الآخر كن معي عند الموت لأن تكون أناملك آخر انامل تمسح على خدودي وان تكون رائحتك في أخر تنفس أتنفسه. وأن يكون وجهك آخر منظر في عيني. وأن يختم أذني بكلامك المسحور”.
فقال رجل آخر، وهو من فلسطين: “أولها بيد الله وما أجمل ما يريده الله وثانيها أستهويه في أغلب الأوقات لأنه الأفضل، أما ثالثها فلكل بداية نهاية وتلك سُنّة الحياة”.