د. محمد صباح الوتودي

عن المؤلف:

سوامي دارماثيرثا (1893 – 1978 كان اسمه الحقيقي براميشورا مينون)، ينتمي إلى طبقة “شودرا” في عائلة هندوسية في غورووايور ،مكان مشهور ومقدس من حيث المنظور  الهندوسي في ولاية كيرالا. كان محاميًا ماهرًا قبل دخول قداسة دارما. ذاع صيته بأنشطته ضد النبذ ​​وغيرها من الممارسات التقليدية في المجتمع الهندي. حصل على فرصة مقابلة سري نارايانا غورو مصلح اجتماعي عظيم في ولاية كيرلا. فاعتاد زيارته واتخذه غورو تلميذا له وأعاد تسميته باسم سوامي دارماثيرثا. كان أول تلميذ حاصل على درجة جامعية بين طلاب غورو.

كقديس، تخلى عن كل أفكار الطبقات. ولكن أينما ذهب وجد أبشع وأقسى أشكال التمييز الطبقي والمحرمات و الظلم. لقد كان مؤمنًا قويًا بالمعابد. ولكن أينما ذهب وجد أسوأ الخرافات والشرور والرذائل والاستغلال في المعابد الهندوسية وحولها. وبدأ يكره عبادة الأصنام باعتبارها خدعة كبيرة ولعنة. فأخذ إيمانه بالدين الهندوسي يتحطم وقبل الديانة المسيحية. وجد مأوى في Edla Ramdas Mutt في Rajam Laundry في ولاية آندرابراديش. وقد استغل هذه الفرصة للدراسة الجادة والتأمل العميق في الرذائل والقسوة التي مر بها وشهدها باسم الدين الهندوسي ونظامها الطبقي البائس. فقاده هذا الاستقراء في النهاية إلى تدوين هذا العمل الرائع له. كما يشير العنوان، بحكمة وفضول العالم، قام بتحليل دقيق لكيفية تسلل أنواع مختلفة من الرذائل والشرور إلى الهندوسية وكيف تحولت إلى سلاح مهين لاستغلال البراهمانية للكتلة.

تاريخ الإمبريالية الهندوسية:

كتاب History of Hindu Imperialism (تاريخ الإمبريالية الهندوسية) لـ دارماثيرثا، واحد من أفضل الأعمال عن الهندوسية وأيديولوجيتها الإمبريالية. ولهذا الكتاب الذي صدر عن ناسك هندوسي أهمية كبيرة حتى اليوم في المجتمع الهندي وفي الدوائر المعرفية للثقافة والتقاليد الهندية، بعد ثمانين عاما من نشره. لأن موضوع هذا الكتاب هو الاضطهاد الإمبريالي المستمر من قبل الطائفة الكهنوتية لا تزال تمارس على الشعب الهندي سواء كانوا مسلمين وغير مسلمين من الطبقات السفلى الأقلية الخلفية. وهذا عمل باحث، تعلم بعمق في النصوص السنسكريتية وفي التاريخ الهندي. ويستنتج أنه لا توجد حرية مع الطبقة وأن الهندوسية لا يمكن إصلاحها.

دارماثيرثا ناسك عارف هندوسي جريء في غيبوبة لا ينظر إلى بلورة باطنية ليعبّر عن المستقبل الباطني ولكن ليجمع مزاج التأمل الفلسفي والتحليل الهادئ النزيه لاكتشاف البقع السرطانية التي أصيب بها المجتمع الهندوسي في بلاد الهند. يهتم بكل أمورهم معرفيا تحليليا رغم أن كان هناك ملايين من الناس حتى من طبقته الخاصة اعتبرواه زنديقًا من أسفل اليمين وأهملواه عند الاستماع إلى ما كشفه عن نفسه. كان يقف دائما خارج إطار العادات والتقاليد، معرضا عن سلبياتها ومحذرا إياها.  

كتاب (تاريخ الإمبريالية الهندوسية) دراسة شجاعة للقومية، دراسة مخترقة لكل ما كان في الوسط الهندوسي، كما كان دائمًا فيهم، في رأي المؤلف، عوائق كبيرة أمام النمو الطبيعي للشعب الهندي. لقد غرق الناس في هذه الأعماق المؤسفة من الخرافات والانغماس بأن الزعيم الروحي العظيم كان ضروريًا لرفعهم وفتح رؤيتهم أمام عزاء حياة فاضلة تختلف عن الآمال الخاطئة المستمدة من الطقوس القاسية. كان الخضوع التدريجي للطبقة الحاكمة لعقيدة الكهنة هو الذي دفع المجتمع بأسره إلى الركوع. ومعلم مختص للتأثير وإثارة الملوك كان يمكن له أن ينجح لوحده في تغيير الوضع. ظهر مثل هذا المنقذ الملهم في بوذا من بين الطبقة الملكية نفسها ، ونجح في استعادة قدرة الأمة على الشعور والتفكير والتصرف بلا قيود على أساطير حرفة الكهنة. وانتقد الكاتب الحكام المسلمين من أمراء المغول الذين حكموا الهند حوالي أكثر من ثلاثمائة عاما، على أنهم لم يتم  أي عمل من قبلهم لتدمير هذا النظام البَذيء. هذا هو اتجاه صاحب الكتاب في التفكير وطريقة المناقشة التي قام بكليهما بقوة الأدلة على مدار الكتاب.

كعامل اجتماعي مخلص، يريد دارماثيرثا أن يقدم للجمهور الهندوسي عيوب فلسفتهم في الحياة التي لم تتطور في الواقع إلى وحدة وطنية. هؤلاء الناس دفعواه إلى أن يطرح سؤالا إلى أفكاره، لماذا سقط شعب عظيم مثل الهنود في إحياء وطنهم؟ فهذا الكتاب جواب لهذا السؤال. إنه يأتي من التاريخ بجيش من الأدلة على أن برامج الإصلاحات الوطنية والقومية كانت في كل حالة على خلاف. كان البراهمة في كل مكان معاديين للحركات التي كافح فيها الآخرون من أجل أن يكونوا أحرارا. الكاتب يؤكد أن البراهمانية هي أكبر عقبة أمام الحياة الوطنية الهندية حتى اليوم.

يمكننا ذكر الأطروحة الرئيسية للمؤلف في المقترحات التالية: أننا يجب أن نترك ارتياحنا لأنفسنا وننتقد أنفسنا إذا كنا نرغب في التقدم. وأننا يجب أن نحارب الإمبريالية بداخلنا كما نكرهها في حكامنا. وأنه من أجل الاتحاد والتقدم في الهند، يجب على الهنود تجميع ثقافاتهم المجتمعية في ثقافة وطنية هندية. وأنه لتطور أمة هندية موحدة يجب عليهم تجاهل الطائفة، وعبادة الأصنام، والأساطير وإعادة في مكانها الأخوة والتوحيد والعبادة بالروح. ويرى الكاتب أن وحدة الهند لا يمكن تحقيقها من خلال الأجهزة السياسية ولكن من خلال التقارب الاجتماعي والثقافي واتحاد جميع قوى الإصلاح لخلق ثورة أخلاقية واجتماعية. وأن التمرد ضد الإمبريالية الهندوسية ضروري لأمن الديمقراطية الهندية.

لا يقدم المؤلف انتقادات مدمرة فقط؛ بل يقدم مقترحات بناءة ستؤدي إلى تطور القومية الحقيقية من خلال توحيد هيدنوس ووحدة إسلامية هندوسية دائمة. والكتاب مكتوب بأسلوب قوي، وهذا كتاب يجب أن يقرأه كل واحد من المهتمين بالمطالعة في أوضاع الهند الحقيقية. في الحقيقة، إنه محاولة لتفسير التاريخ الهندي وتحليل حاضرها بهدف اكتشاف المصادر الحقيقية لضعف الهند في حياتها الاجتماعية. يتم إجراء هذا التحليل لتمهيد الطريق أمام القراء المخلصين. المشاجرة الحقيقية في هذا الموضوع هي مع الإمبريالية الذين سيطروا على الحياة الاجتماعية في الهند.

في الفصل الختامي يشرح كيف يمكن تطبيق تعاليم غورو كإجراء علاجي منتصر لهذا الموقف الشرير. لقد أصابه خطر الإمبريالية الهندوسية بصدمة حياته ودمر إلى الأبد إيمانه بالهندوسية الشعبية. لقد أدرك أن هندوسية الطبقات، وعبادة الأوثان والسيطرة الكهنوتية كانت خداعًا واستغلالًا غير مخفف، وأنه لم يكن لها أي دعم في أي من الكتب المقدسة الهندوسية  مثل الفيدا والأوبانشاد والغيتا، التي تم بناؤها عبر قرون من الخضوع القومي والظلام من قبل الطبقة الكهنوتية من أجل ربحهم وسلطتهم وقمع وإدانة بقية الطبقات السفلى.